أوهام القاعدين عن دعوة المسلمين
18 ربيع الثاني 1430

من الأمور التي تستحق التأمل في واقع الأمة، ما نراه من إحجام كثير من الناس عن القيام بأنواع بعينها من أعمال الخير؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الانخراط في مشاريع دعوية، أو القيام بأنشطة تربوية وما أشبه ذلك، ولا يرجع هذا الإحجام لانعدام الخير أو قلته، فالقلوب والحمد لله مليئة بالخير عامرة بالإيمان، لا أدل على ذلك من إقدام الناس على حفظ القرآن والإنفاق على الفقراء أو كفالة الأيتام أو عمارة المساجد وما أشبه ذلك، لكن السر يكمن في أوهام منتشرة بين الناس تحول بينهم وبين هذه الأبواب من الخير.

 

بعض الناس يحجم عن القيام بهذه الأعمال خشية وقوع أشياء يكرهونها؛ من سجن، أو فصل من وظيفة، أو إخراج من الأوطان، وهي خشية لا تكون في كثير من الأحيان في محلها، حيث نجد العاملين يعملون وتمر الأيام والسنوات دون أن يتعرضوا لشيء من ذلك، بل يحصل العكس، فيكرمهم الله بعلو القدر والمكانة، ورفعة المنزلة والكرامة.
وهذا لا يعني أن أحداً ممن يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وغير ذلك من المشاريع النافعة لا يتعرض للأذى، بل قد يقع شيء من المحذور لبعض الناس، لكن هذا لا ينبغي أن يكون مانعاً لغيرهم من سلوك طريقهم، فضلاً عن أن يكون قاطعاً لهم عن مواصلة طريقهم.

 

إن ما يحول بين بعض الأخيار، ومنهم طلاب علم بل علماء، وبين بعض الأعمال النافعة هو ظنهم أن السجن أو الفصل من الوظيفة أو الإخراج من الأوطان يمثل نهاية الدنيا، بحيث لا يمكن للمرء أن يعيش بعده أبداً، وهذا وهم كبير، فكم رأينا وسمعنا عن أناس ابتلوا وامتحنوا لكنهم صبروا واحتسبوا ومر الزمان واستدار فرفع الله عنهم البلاء ورفع قدرهم ومنزلتهم وعوضهم في الدنيا خيراً.

 

وفي قصة أهل الكهف ما يبدد هذا الوهم الذي عشش في بعض القلوب، فإنهم لما خرجوا من ديارهم، وفارقوا أهلهم وأحبتهم ومساكنهم التي ألفوها إلى كهف منعزل لا يوجد فيه شيء من أسباب الرفاهية، بل لا يوجد فيه ما يكفل لهم البقاء على قيد الحياة، فلا طعام فيه ولا شراب، لم يقولوا: فأووا إلى الكهف واستعدوا للضيق والتحمل والصبر في ذات الله، بل قالوا: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} [الكهف: 16]، وما ذاك إلا ليقينهم أن من سار في طريق الله يبتغي مرضاة الله آخذاً بالأسباب متوكلاً على رب الأسباب سيجعل له الله من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، وهذا نظر دقيق وفهم عميق رزقه الله هؤلاء الفتية صغار السن وحرمه كثيراً من طلاب العلم. وقد كان من أمر الفتية ما قالوه وزيادة؛ فنشر لهم ربهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقاً، ثم جعلهم للناس آية ورفع ذكرهم في العالمين.

 

إن مما ينبغي أن يكون معلوماً للجميع أن هذه الدار دار ابتلاء وتعب ونصب، وأن الابتلاء سنة الله الماضية في خلقه. وقد ابتلي الأنبياء، وابتلي الصالحون، وابتلي الدعاة إلى الله منذ القدم، فما صدهم ما لاقوه من أذى عن دعوتهم، ولو أن كل من خشي على نفسه الأذى قعد عن الدعوة إلى الله، بل لو أن كل من أوذي في ذات الله قعد عن الدعوة إليه لما وصلنا من دين الله شيء البتة.

 

فمن كان يظن أن طريق الجنة مفروش بالورود فهو واهم، ومن كان يظن أن الابتلاء بالسجن أو الطرد من الوظيفة أو الإخراج من الديار بل حتى القتل شر محض أو مفسدة راجحة فهو واهم، وها هو شيخ الإسلام رحمه الله ينافح عن الحق فيؤذى ويحارب ويبتلى ويسجن مرات بل يموت في السجن، وبرغم ذلك فقد أعلى الله ذكره وأخمل ذكر أعدائه، وقد كان رحمه الله يقول: (ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني؛ إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة)(1)! لكن هذا ليس لكل أحد، بل هو خالص لمن أخلص النية لله عز وجل، ثم أخذ بالأسباب، ورجع إلى أهل العلم فيما يأتي ويذر واستشار واستخار، ولم يتمن البلاء ولا حرص عليه لكن أتاه:

وإذا لم يكن إلاّ الأسنة مركباً *** فما حيلة المضطر إلاّ ركوبها!

والمهم أن يصدر المرء في دعوته عن علم، وأن يصدر عن أقوال العلماء ولاسيما في المسائل ذات الخطر، وأن يخلص لله في عمله ويتحرى الصواب، فمن فعل ذلك وعرف طريقه وحدد منهجه فلا يلتفت بعد ذلك لشيء، بل ليمض في طريقه وإن أصابه ما أصابه، كما قال تعالى: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [الحجر: 65].
إن هذه الكلمات ليست دعوة كي يلقي الإنسان نفسه أمام المحنة، ويعرضها للابتلاء، فإن العافية لا يعدلها شيء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية"(2)، والفرار من مواطن الفتن مطلب شرعي، وكم رأينا من رجل كان يقول إنه لو ابتلي فسيصبر ويفعل ويفعل، فلما وقع البلاء لم يصبر، بل انتكس ورجع عما كان عليه من حمل هم هذا الدين والعياذ بالله.

 

إن المقصود هو أن يقوم المرء بما يجب عليه قياماً منضبطاً بالمنهج الشرعي، بلا إفراط ولا تفريط، فلا تهور يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، ولا قعود وانكفاء عن القيام بما يجب القيام به لأوهام لا حقيقة لها، أو حقيقتها لا تعدل مفسدة ما قعد عنه، وكم ممن يمنعه توهم ضرر محتمل أداء ما وجب عليه بيقين.
وإذا أخذ المرء بالأسباب ثم وقع الابتلاء فعليه بالصبر على قدر الله، فإنه إن صبر على أذى ساعة يوشك أن يبدل الله عسره يسراً، ويوشك أن يجد عاقبة ذلك خيراً في الدنيا والآخرة.

 

إن كثيراً من معاناة الأمة اليوم ترجع إلى أفعال بعض أبنائها ممن غاب عنهم المنهج الشرعي، فاندفعوا بوازع من الحماسة غير المنضبطة إلى أعمال خاطئة جرت عليهم وعلى مجتمعاتهم الويلات، وعلى الطرف الآخر تعاني الأمة من إحجام كثير من أهل الخير عن ما ينبغي لهم فعله، وكلاً من الفريقين فقد النظرة المعتدلة للأمور، وأجاب داعي الحماسة أو الخوف دون الرجوع إلى أهل العلم الربانيين المعتبرين ليصدر عن رأيهم.

 

أما الحق فهو وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وصراط الله عز وجل صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، وطريق الدعوة إلى الله طريق واضحة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، فمن صدق الله عز وجل وسلك هذه السبيل فليبشر بخيري الدنيا والآخرة، والله الموفق.

________________
(1)    الوابل الصيب - (ج 1 / ص 67).
(2)    صحيح البخاري 3/1082 (2804)، صحيح مسلم 3/1362 (1742).

جزاك الله خير وبارك الله فيك

قال تعالى ((الذي قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)) ... سبحان الله منهم من خاف قالوا إن الناس قد جمعوا لكم... ومنهم من زادهم ايمانا ... تدبر(( زادهم ايمانا)) و الله عجب ... ((وقالوا حسبنا الله و نعم الوكيل )) فما كان الجزاء (( فانقلبوا بنعمة من الله و فضل )) انبته لتكملة الآية (( لم يمسسهم سوء و اتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم )) جزاكم الله خير شيخنا

أحبك في الله ياشيخنا واسمح لي بنشر الرسالة الله ينصر بك الدين

.. ياشيخ ناصر .. كم أحبك .. وكم أستمتع بحديثك فأسأل ربي لك التوفيق في الدنيا والاخرة ياشيخنا الفاضل : ياليتك تحدثت عن الانخراط في مجال الدعوة والعلم والتعليم دون أن توحي للشباب بالسجن وماادراك مالسجن !! ياشيخ "رفع الله قدرك " بحمدالله فإن الدعوة , والنصح , والتوجيه , والتذكير والامر بالمعروف والنهي عن المنكر لها مجالات واااسعة جدا جدا .. لاتتعارض أبدا مع نظام الحكومة حتى يسجنوا من يفعلها !! إلا من تسبب على المسلمين بإثارة الناس , والبلبلة باسم الدعوة والنصح !! والا للجميع ان يدعوا لله بكل كرامة واحترام !! فحتى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مقتصرا بالاسواق فقط فبالامكان فعل هذه الشعيره بأي مكان !! سواء في طريقه أو عند الاشارة او عند مسجده او حارته !! بل حتى من يكون داخل السوق له الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باسلوب حسن طيب مبارك ! وان احتاج مساعده فبالامكان ان يتصل على الهيئة فيأتون ويقوموا بالواجب !! للاسف قد يفهم - بعض احبتنا الشباب - بأنه عليك أن تدعو بأي طريقة ولو أخطأت بها فسجنت !! ياشيخ - والله - قد يسجن البعض ليس بسبب أنهم يدعون إلى الله وإنما بسبب إساءتهم وخطأهم على الحكومة أو للناس بطريقة دعوتهم !! فلندعوا إلى الله بما نستطيع ( لايكلف الله نفساً إلاوسعها ) !! واقسم بالله بأن مجالات الدعوة الميسره والمعروفة والتي لايتأثر بالسجن او المساله عنها أي أحد فهي كثيرة جدا جدا جدا جدا ........ أحبابي أقول حتى ولو كان الشيخ يقصد لمن هم خارج السعودية فمالمانع أن الشيخ يفصل !! مع أننا نعلم يقيناً أن غاااااااااالب محبي ومتابعي الشيخ هم سعوديون !! لكن للأسف الشديد أن هذا المقال عاااااااام !! فلربما يأتي بعض الشباب بسبب قلة بضاعتهم من العلم والفهم فيدفعه مثل هذا الكلام إلى الإساءة لوطنه وأهلها بل ولنفسه بافعال ونصائح تحت مسمى الغيرة على دين الله فيسجن بسببها !! وأنا أتكلم عن وطني الحبيب ( السعودية ) : أنه لن ولم يسجن أحد لأنه يدعو إلى الله عزوجل !! بل قد يسجن لمخالفته في طريقة دعوته التي لايقره عليها كبار علمائنا وقبلهمابن باز والعثيمين "رحمهما الله" فليس كل من سجن يعتبر إبتلاءً له !! حتى ولو كان قصده الدعوة !! فبعض الشباب والدعاة قد يتهور فيسجن ظناً منه أنه إبتلاء !! ولربما هي عقوبةٌ شرعيةٌ لاغبار عليها !! وفق الله الشيخ الفاضل ناصر العمر وحفظك الله ..

جزاك الله خير ياشيخناوبارك الله في علمكم

جزاكم الله خيرًا على هذا المقال الباهر.. ووفقكم الله إلى الخير والعافية في الدنيا والآخرة.

كتب الله أجرك ورفع ذكرك هذا مانحتاجه في وقتنا الحاضر لا حرمنا الله من إبداعاتك يا شيخ ناصر وأطال لنا في عمرك

نفع الله بك..!!

الكلام جميل ولكم أين دور المؤسسات الدعوية في تنظيم ورش عمل حول هذا الموضوع ؟

جزاك الله خير وجعلك ذخرا للاسلام والمسلمين

مقال في غاية الروعة و هذا ليس بمستغرب على شيخنا اسأل الله ان يسدد خطاه

كلام في الصميم : فليس كل من سجن يعتبر إبتلاءً له !! حتى ولو كان قصده الدعوة !! فبعض الشباب والدعاة قد يتهور فيسجن ظناً منه أنه إبتلاء !! ولربما هي عقوبةٌ شرعيةٌ لاغبار عليها !! أضف إلى أن شيخ الإسلام سجن بسبب الاعتقاد وليس مناطحة الحكام جمعناالله في الجنان ..

قلت الحق ورب الكعبة!
2 + 3 =