سوريا.. تلك الحرية التي نريد
25 ذو الحجه 1432
محمود سليم

صدحت حناجر الشَّعوب العربيَّة، وبُحَّت حناجر الشَّعب السُّوريِّ الأبيِّ، وهم يهتفون بالحُرِّيَّة، فيا تُرى ماذا تعني كلمة: حُرِّيَّة ؟؟!!.
يقول الشَّاعر أحمد شوقي: وللحريَّة الحمراء بابٌ     بكلِّ يد مضرَّجة يُدقُّ
جعل الإسلام الحُرِّيَّة حقاً من الحقوق الطبيعيَّة للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته، يموت داخلياً، وإن كان في الظَّاهر يعيش، ويأكل، ويشرب، ويعمل، ويسعى في الأرض. ولقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن الحريَّة، أن جعل السَّبيل إلى إدراك وجود الله تعالى، هو العقل الحرُّ، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده، بتأثير قوى خارجيَّة، كالخوارق، والمعجزات، ونحوها، قال الله تعالى:(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)البقرة:256. فنفى الإكراه في الدِّين، الذي هو أعزُّ شيء يملكه الإنسان، للدَّلالة على نفيه فيما سواه، وأنَّ الإنسان مستقل فيما يملكه، ويقدر عليه، لا يفرض عليه أحد سيطرته، بل يأتي هذه الأمور، راضياً غير مجبر، مختاراً غير مكره.
فمفهوم الحرية : قدرة الإنسان على فعل الشَّيء، أو تركه بإرادته الذاتيَّة، وهي ملكة خاصَّة، يتمتَّع بها كلُّ إنسان عاقل، وتصدُرُ بها أفعالُه، بعيداً عن سيطرة الآخرين، لأنَّه ليس مملوكاً لأحد، لا في نفسه، ولا في بلده، ولا في قومه، ولا في أمته.

 

ولا يعني بطبيعة الحال، إقرار الإسلام للحريَّة، أنَّه أطلقها من كلِّ قيد وضابط، لأنَّ الحريَّة بهذا الشَّكل، أقرب ما تكون إلى الفوضى، التي يثيرها الهوى والشَّهوة ، ومن المعلوم أنَّ الهوى يدمِّر الإنسان أكثر مما يبنيه، ولذلك منع من اتِّباعه، والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنَّه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحريَّة دون آخر، ولكنَّه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان، سواء كان فرداً أو جماعة، ولذلك وضع قيوداً ضروريَّة، تضمن حريَّة الجميع، وتتمثلُ الضَّوابط التي وضعها الإسلام في الآتي:
أ- ألا تؤدِّي حريَّة الفرد أو الجماعة، إلى تهديد سلامة النِّظام العام، وتقويض أركانه.
ب- ألا تفوِّت حقوقاً أعظم منها، وذلك بالنَّظر إلى قيمتها في ذاتها، ورتبتها، ونتائجها.
ج - ألا تؤدِّي حريَّته إلى الإضرار بحريَّة الآخرين.

 

وبهذه القيود والضَّوابط، ندرك أنَّ الإسلام لم يقر الحريَّة لفرد على حساب الجماعة،كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد، ولكنَّه وازن بينهما، فأعطى كلاً منهما حقَّه.
ويمكن أنْ نُصنِّف الحريَّات التي منحها الإسلام لكلِّ مسلم، ومن خلال الضَّوابط والقيود السَّابقة، إلى صنفين، وهما:

 

الصِّنف الأوَّل: الحُرِّيَّات المتعلِّقة بحقوق الفرد المادِّية ، وهذا الصِّنف يشمل الآتي:
أ - الحُرِّيَّة الشَّخصية: والمقصود بها أن يكون الإنسان قادراً على التَّصرف في شئون نفسه، وفي كلِّ ما يتعلق بذاته، آمناً من الاعتداء عليه، في نفسه، وعرضه، وماله، على ألا يكون في تصرُّفه عدوان على غيره. والحُرِّيَّة الشَّخصية تتضمَّن شيئين:
1) حرمة الذَّات: وقد عنى الإسلام بتقرير كرامة الإنسان، وعلو منزلته. فأوصى باحترامه، وعدم امتهانه واحتقاره، قال الله تعالى:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)الإسراء:70. وميَّزه بالعقل والتَّفكير تكريماً له، وتعظيماً لشأنه، وتفضيلاً له على سائر مخلوقاته، فالإسلام يدعو إلى احترام الإنسان، وتكريم ذاته، والحرص على تقدير مشاعره، وبذلك يضع الإسلام الإنسان في أعلى منزلة، وأسمى مكانة، حتَّى أنَّه يعتبر الاعتداء عليه اعتداء على المجتمع كلِّه، والرِّعاية له رعاية للمجتمع كلِّه، قال الله تعالى:(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). وتقرير الكرامة الإنسانية للفرد، يتحقَّق أياً كان الشَّخص، رجلاً أو امرأة، حاكماً أو محكوماً، فهو حقٌّ ثابت لكلِّ إنسان، من غير نظر إلى لون، أو جنس، أو دين. حتَّى اللَّقيط في الطُّرقات ونحوها، يجب التقاطه احتراماً لذاته وشخصِّيته، فإذا رآه أحد ملقى في الطَّريق، وجب عليه أخذه، فإن تُرك دون التقاط أثموا جميعاً أمام الله تعالى، وكان عليهم تبعة هلاكه. هذا، وكما حرص الإسلام على احترام الإنسان حياً، فقد أمر بالمحافظة على كرامته ميتاً، فمنع التَّمثيل بجثَّته، وألزم تجهيزه و مواراته، و نهى عن الاختلاء، والجلوس على القبور.
2) تأمين الذَّات: بضمان سلامة الفرد، و أمنه في نفسه، و عرضه، وماله، فلا يجوز التَّعرض له بقتل، أو جرح، أو أي شكل من أشكال الاعتداء، سواء كان على البدن كالضَّرب والسَّجن ونحوه، أو على النَّفس والضَّمير كالسَّبِّ، أو الشَّتم، والازدراء، والانتقاص، وسوء الظَّنِّ ونحوه، ولهذا قرَّر الإسلام زواجر وعقوبات، تكفل حماية الإنسان، ووقايته من كلِّ ضرر، أو اعتداء يقع عليه، ليتسنَ له ممارسة حقِّه في الحُرِّيَّة الشَّخصية. فقد منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الولاة، من أن يضربوا أحداً، إلا أن يكون بحكم قاضٍ عادل، كما أمر بضرب الولاة الذين يخالفون ذلك، بمقدار ما ضربوا رعاياهم، بل إنَّه في سبيل ذلك منع الولاة من أن يسبُّوا أحداً من الرَّعية، ووضع عقوبة على من يخالف ذلك.

 

ب-حرية التَّنقل(الغدو والرَّواح): والمقصود بها أن يكون الإنسان حراً، في السَّفر والتَّنقل، داخل بلده وخارجه، دون عوائق تمنعه، قال الله تعالى:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ولا يمنع الإنسان من التَّنقل إلا لمصلحة راجحة، كما فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في طاعون عمواس، حين منع النَّاس من السَّفر إلى بلاد الشَّام، الذي كان بها هذا الوباء، ولم يفعل ذلك إلا تطبيقاً لقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ولأجل تمكين النَّاس من التَّمتع بحرية التَّنقل، حرَّم الإسلام الاعتداء على المسافرين، والتَّربص لهم في الطُّرقات، وأنزل عقوبة شديدة على الذين يقطعون الطُّرق، ويروِّعون النَّاس بالقتل، والنَّهب، والسَّرقة، ووضع حدَّ الحرابة، لمن تسوِّل له نفسه، الاعتداء على الطُّرق، وتقييد حرية النَّاس، وتخويفهم، وترويعهم.

 

ج- حريَّة المأوى والمسكن: فمتى قدر الإنسان على اقتناء مسكنه، فله حريَّة ذلك، كما أنَّ العاجز عن ذلك، ينبغي على الدَّولة أن تدبر له السَّكن المناسب، حتَّى تضمن له أدنى مستوى لمعيشته. فإذا ما ملك الإنسان مأوى ومسكن، فلا يجوز لأحد، أن يقتحم مأواه، أو يدخل منزله إلا بإذنه، حتَّى لو كان الدَّاخل خليفة، أو حاكماً أعلى- رئيس دولة- مالم تدع إليه ضرورة قصوى، أو مصلحة بالغة. يدلُّ على ذلك حديث أبى هريرة-رضي الله عنه-أنَّه سمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:(من اطلع في دار قوم بغير إذنهم؛ ففقئوا عينه، فقد هدرت عينه)متفق عليه. وهدرت:أي لاضمان على صاحب البيت. فعين الإنسان، رغم حرمتها، وصيانتها من الاعتداء عليها، وتغليظ الدية فيها، لكنَّها!! أهدرت ديتها، بسبب سوء استعمالها، واعتدائها على حقوق الغير.

 

د- حريَّة التَّملك: يقصد بالتَّملك حيازة الإنسان للشَّيء، وامتلاكه له، وقدرته على التَّصرف فيه، وانتفاعه به، عند انتفاء الموانع الشَّرعية، والتَّملك نوعان:
- التَّملك الفردي: هو أن يحرز الشَّخص شيئاً ما، وينتفع به على وجه الاختصاص و التَّعين. وقد أعطى الإسلام للفرد حقَّ التَّملك، وجعله قاعدة أساسيَّة للاقتصاد الإسلامي، ورتَّب على هذا الحقِّ نتائجه الطَّبيعيَّة في حفظه لصاحبه، وصيانته له، عن النَّهب والسَّرقة،         والاختلاس ونحوه، ووضع عقوبات رادعة لمن اعتدى عليه، ضماناً له، ودفعاً لما يتهدَّد الفرد في حقِّه المشروع.كما أنَّ الإسلام رتَّب على هذا الحقِّ أيضاً نتائجه الأخرى، وهي حريَّة التَّصرف فيه بالبيع، أو الشِّراء، والإجارة، والرَّهن، والهبة، والوصيَّة، وغيرها من أنواع التَّصرف المباح. غير أنَّ الإسلام لم يترك التَّملك الفردي مطلقاً من غير قيد، ولكنَّه وضع له قيوداً كي لا يصطدم بحقوق الآخرين، كتحريم الرِّبا، والغشِّ، والرَّشوة، والاحتكار، ونحو ذلك، ممَّا يصطدم ويضيع مصلحة الجماعة.
- التَّملك الجماعي: وهو الذي يستحوذ عليه المجتمع البشري الكبير، أو بعض جماعاته،    ويكون الانتفاع بآثاره لكلِّ أفراده، ولا يكون انتفاع الفرد به إلا لكونه عضواً في الجماعة، دون أن يكون له اختصاص معين بجزء منه، مثاله: المساجد، والمستشفيات العامَّة، والطُّرق، والأنهار، والبحار، وبيت المال، ونحو ذلك. و ما مُلك ملكاً عاماً، يصرف في المصالح العامَّة، وليس لحاكم، أو نائبه، أو أي أحد سواهما، أن يستقلَّ به، أو يؤثر به أحداً ليس له فيه استحقاق بسبب مشروع، وإنَّما هو مسئول عن حسن إدارته، و توجيهه التَّوجيه الصَّحيح الذي يحقِّق مصالح الجماعة، ويسدُّ حاجاتها.

 

هـ- حريَّة العمل: العمل عنصر فعال، في كلِّ طرق الكسب التي أباحها الإسلام، وله شرف عظيم، باعتباره قوام الحياة، ولذلك فإنَّ الإسلام أقرَّ بحقِّ الإنسان فيه، في أي ميدان يشاؤه، ولم يقيِّده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه، أو تعارضه مع مصلحة الجماعة.

 

الصِّنف الثَّاني :الحُرِّيَّة المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية، وهذا الصِّنف يشمل الآتي:
أ- حريِّة الاعتقاد: ويقصد بها اختيار الإنسان لدين يريده بيقين، وعقيدة يرتضيها عن قناعة، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك؛ فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، و يجعل المكره مسلوب الإرادة، قال الله تعالى:(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)يونس:99. ويترتَّب على حريَّة الاعتقاد ما يلي:
1- إجراء الحوار والنِّقاش الدِّيني، وذلك بتبادل الرَّأي والاستفسار في المسائل الملتبسة، التي لم تتضح للإنسان، ففي حديث جبريل عليه السَّلام، الذي استفسر فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، وعلامات الساعة، دليل واضح على تقرير الإسلام لحريَّة المناقشة الدينيَّة، سواء كانت بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم وبين أصحاب الأديان الأخرى، بهدف الوصول إلى الحقائق وتصديقها، لا بقصد إثارة الشُّبه، والشُّكوك،  والخلافات، فمثل تلك المناقشة ممنوعة، لأنَّها لا تكشف الحقائق، التي يصل بها المرء إلى شاطئ اليقين.
2- ممارسة الشَّعائر الدِّينية، وذلك بأن يقوم المرء بإقامة شعائره الدينيَّة، دون انتقاد،        أو استهزاء، أو تخويف، أو تهديد، ولعلَّ موقف الإسلام الذي حواه التَّاريخ تجاه أهل الذِّمة من دواعي فخره، واعتزازه، وسماحته، فمنذ نزل الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة المنورة أعطى اليهود عهد أمان، يقتضي فسح المجال لهم أمام دينهم وعقيدتهم، وإقامة شعائرهم في أماكن عبادتهم.ثم سار على هذا النَّهج الخلفاء الراشدون، فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لأهل إيلياء " القدس" معاهدة جاء فيها:(هذا ما أعطاه عمر أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً على أنفسهم، وكنائسهم، وصلبانهم، لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها، ولا من غيرها، ولا من صلبانهم، و لا يكرهون عن دينهم، ولا يضارَّ أحد منهم).

 

ب- حريَّة الرَّأي: وتسمَّى أيضاً بحرية التَّفكير والتَّعبير، وقد جوَّز الإسلام للإنسان، أن يقلِّب نظره في صفحات الكون المليئة بالحقائق المتنوعة، والظَّواهر المختلفة، ويحاول تجربتها بعقله،   واستخدامها لمصلحته، مع بني جنسه، لأنَّ كلَّ ما في الكون مسخَّر للإنسان، يستطيع أن يستخدمه عن طريق معرفة طبيعته، ومدى قابليَّته للتَّفاعل والتَّأثير، ولا يتأتَّى ذلك إلا بالنَّظر و طول التَّفكير. ولإبداء الرَّأي عدة مجالات وغايات منها:
1- إظهار الحقِّ، وإخماد الباطل، قال الله تعالى:(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)آل عمران:104. فالمعروف هو سبيل الحقِّ، ولذلك طلب من المؤمن أن يُظهره، كما أنَّ المنكر هو سبيل الباطل، ولذلك طلب من المؤمن أن يُخمده.
2- منع الظُّلم، ونشر العدل، وهذا ما فعله الأنبياء والرُّسل إزاء الملوك والحكام، ويفعله العلماء والمفكرون مع القضاة والسَّلاطين، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر )صحَّحه الألباني.
3- يكون إبداء الرأي، بتقديم الأمور حسب أهميتها وأولويتها، وهذا أكثر ما يقوم به أهل الشُّورى في أكثر من بلد، وأكثر من مجتمع، وقد يكون بأي أسلوب آخر، إذ من الصَّعب حصرها، ولكنَّها!! لا تعني أن يخوض الإنسان فيما يضرُّه، ويعود عليه بالفساد، بل لا بدَّ أن تكون في إطار الخير والمصلحة، إذ الإسلام بتقريره حريَّة الرَّأي، إنَّما أراد من الإنسان أن يفكِّر كيف يصعد، لا كيف ينزل، كيف يبني نفسه وأمته، لا كيف يهدمها، سعياً وراء شهوتها وهواها. وباستعراض التَّاريخ الإسلامي، نجد أنَّ حريَّة الرَّأي طبِّقت تطبيقاً رائعاً، منذ عصر النُّبوَّة، فهذا الصَّحابي الجليل، الحُباب بن المنذر رضي الله عنه، أبدى رأيه الشَّخصي في موقف المسلمين في غزوة بدر، على غير ما كان قد رآه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخذ النَّبيَّ صلَّى الله علبه وسلَّم برأيه.

 

ج- حريَّة التَّعلم: طلب العلم والمعرفة حقٌّ، كفله الإسلام للفرد، ومنحه حريَّة السَّعي في تحصيله، ولم يقيِّد شيئاً منه، ممَّا تعلَّقت به مصلحة المسلمين ديناً ودنيا، بل انتدبهم لتحصيل ذلك كلِّه، وسلوك السَّبيل الموصل إليه، أمَّا ما كان من العلوم بحيث لا يترتَّب على تحصيله مصلحة، وإنَّما تتحقق به مضرَّة ومفسدة، فهذا منهي عنه، ومحرَّم على المسلم طلبه، مثل علم السِّحر والكهانة، ونحو ذلك.

 


د- الحُرِّيَّة السِّياسيَّة: ويقصد بها حقُّ الإنسان في اختيار سلطة الحكم، وانتخابها، ومراقبة أدائها، ومحاسبتها، ونقدها، وعزلها إذا انحرفت عن منهج الله وشرعه، وحوَّلت وجهتها عن جادَّة الحقِّ والصَّلاح. كما أنَّه يحقُّ له المشاركة في القيام بأعباء السُّلطة، ووظائفها الكثيرة، لأنَّ السُّلطة حقٌّ مشترك بين رعايا الدَّولة، وليس حِكْراً على أحد، أو وقفاً على فئة دون أخرى، واختيار الإنسان للسُّلطة، قد يتم بنفسه، أو من ينوب عنه، من أهل الحلِّ والعقد   وهم أهل الشُّورى، الذين ينوبون عن الأمَّة كلِّها، في كثير من الأمور منها: القيام بالاجتهاد فيما لا نص فيه، إذ الحاكم يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة والاختصاص، من ذوى العلم والرَّأي، كما أنَّهم يوجِّهون الحاكم في التَّصرفات ذات الصِّفة العامَّة، أو الدَّولية، كإعلان الحرب، أو الهدنة، أو إبرام معاهدة، أو تجميد علاقات، أو وضع ميزانيَّة، أو تخصيص نفقات لجهة معيَّنة، أو غير ذلك، من التَّصرفات العامَّة، التي لا يقطع فيها برأي الواحد. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (الدين النَّصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟!. قال: لله ولرسوله ولأئمَّة المسلمين و عامَّتهم)رواه مسلم.

 

هذا معنى كلمة الحريَّة، التي راح في سبيلها، بسوريَّة الإباء والصُّمود، أكثر من ثلاثة آلاف شهيد، وآلاف المعتقلين، ومئات الآلاف من المشرَّدين، واللاجئين، والمهجَّرين، الذين بصبرهم، وثباتهم، وإخلاصهم، وعزيمتهم، ورباطهم، سيبنون مجد الإسلام من جديد، في ربوع الشَّام، أرض الجهاد والنِّزال والشُّموخ، وبلاط الشُّهداء الأحرار الشُّرفاء، سيقيمون صرح الخلافة الرَّاشدة من جديد، على منهج النُّبوَّة، كما أخبر بذلك الصَّادق المصدوق بقوله:    (تكون النُّبوَّة فيكم، ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله، إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النُّبوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضَّاً، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت)حسَّنه الألباني. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله،،،،،،

الحرية في الإسلام ليست مطلقة، كما يظن البعض من السذج، بل هي منضبطة بضوابط الشرع، فليس في الإسلام شيء اسمه حرية مطلقة، ليت الكاتب نبه في مقاله لهذه النقطة الهامة، والمقال مفيد جدا لكنه خلا من هذه النقطة، وأشكر الكاتب على جهوده، ويعلم الله أني استفدت من المقال كثيرا، وفق الله جميع الإخوة في موقع المسلم، وعلى رأسهم والدنا الشيخ ناصر العمر، على هذه الجهود المباركة، التي أسأل الله أن يجعلها في صحائف أعمالهم.

كأنك أخي خالد لم تدقق كثيراً، وأنت تقرأ المقال، فلقد ذكرت النقطة التي نوهت عليها، وإليك ما كتبته في المقال فيما يخص تنبيهك: ولا يعني بطبيعة الحال، إقرار الإسلام للحريَّة، أنَّه أطلقها من كلِّ قيد وضابط، لأنَّ الحريَّة بهذا الشَّكل، أقرب ما تكون إلى الفوضى، التي يثيرها الهوى والشَّهوة، ومن المعلوم أنَّ الهوى يدمِّر الإنسان أكثر مما يبنيه، ولذلك منع من اتِّباعه، والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنَّه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحريَّة دون آخر، ولكنَّه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان، سواء كان فرداً أو جماعة، ولذلك وضع قيوداً ضروريَّة، تضمن حريَّة الجميع، وتتمثلُ الضَّوابط التي وضعها الإسلام في الآتي: أ- ألا تؤدِّي حريَّة الفرد أو الجماعة، إلى تهديد سلامة النِّظام العام، وتقويض أركانه. ب- ألا تفوِّت حقوقاً أعظم منها، وذلك بالنَّظر إلى قيمتها في ذاتها، ورتبتها، ونتائجها. ج - ألا تؤدِّي حريَّته إلى الإضرار بحريَّة الآخرين. وبهذه القيود والضَّوابط، ندرك أنَّ الإسلام لم يقر الحريَّة لفرد على حساب الجماعة،كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد، ولكنَّه وازن بينهما، فأعطى كلاً منهما حقَّه.

بارك الله بك .. مقال رائع ومفيد، يؤصل لمعنى الحرية من المنظور الشرعي باسلوب سلس ومختصر. مهم في هذه المرحلة حيث لبس الأمر على البعض

أشكر لكاتب المقال جهده وعماه في الإحاطة، فلقد أفادنا بعلمه زبارك الله فيه، وأشكر للشيخ سعد العثمان على مشاركته هنا في تصويب أخطاء المعلقين، مما يدل على اهتمامه بالمقالات المنشورة في الموقع على اختلاف كاتبيها، فبارك المولى به وبعلمه

انا لام يعجبني
6 + 14 =