العلماء.. والحياة العامة والسياسية
25 ربيع الأول 1434
د. خالد رُوشه

جدل عادة يثار عن مدى تفعيل المشاركة الإيجابية للعلماء في التعبير عن رغبات الشعوب , وتحمل مسئوليتهم تجاه المجتمع والمشاركة في الحياة السياسية وعدم الاكتفاء بالدور التعليمي في المساجد وقاعات الدرس
ذلك الجدل قد يكون متأثرا بظروف المجتمعات تارة , وبمدى قدرة العلماء على التأثير تارة , وبقناعاتهم الشخصية بأداء ذلك الدور تارة , وبمدى استقلاليتهم تارة أخرى .

 

لكن المتفق عليه بين الجميع هو أن اكتفاءهم بدور تعليمي داخل قاعات الدرس أو في دروس المساجد هو أمر قاصر قد تعدته الظروف والتغيرات المجتمعية والدولية جميعا .

 

فالعلماء الأعلام عبر العصور لم يقتصر دورهم على أن يكونوا وعاظا في زوايا أو مساجد ولا مدرسين في قاعات الدروس , بل شاركوا في الحياة العامة , واحتكوا بالناس , وتفاعلوا معهم , وحملوا قضاياهم , وصاروا نوابا حقيقيين عنهم يوصلون الشكوى والراي لأصحاب القرار التنفيذي , كما يوصلون النصح والتوجيه لهم , ويقومون بدور التقويم الدائم لشتى المواقف سواء أكانت عامة أو خاصة , ويدلون بدلوهم في القضايا , بل يتخذون المواقف المبينة للحق والمؤيدة للصواب والناصحة للأمة مهما كان في ذلك من بذل وعطاء ومقام المقال لايحتمل الإسهاب في ذكر مواقفهم وأدوارهم وبذلهم وتضحياتهم يرحمهم الله جميعا

 

وابواب المشاركة في الحياة العامة وقيادة الركب الشعبي لها مجالات كثيرة , وأنا أدعو أن تعقد لها مؤتمرات متخصصة يفتح فيها الحديث المنهجي ليبين الممكن والمتاح من غيره وبالطبع فلكل مكان خصوصيته ولكل بلد سماته السياسية والاجتماعية , واسعى ههنا بإيجاز لبيان محاور ابتدائية لتلك المشاركة وهذا التواجد المقصود ..

 

فلا يزال هناك من العلماء من هم بمعزل بعيد عن أفراد هذه الأمة وأبنائها ولا يزالون بعيدين عن حمل هم المسلمين في بقاع الأرض إضافة إلى كونهم في منأى عن خلطة الناس ومشكلاتهم وآلامهم سوى في درس علم أو حلقة تعليم, كما لا يخفى أن هناك الكثير من أولئك العلماء لا يتحدثون إلى الناس بلسان الناس ولكن يخاطبونهم خطابا إما أن يكون انعزاليا بحتا أو أصوليا محضا.. وقد علموا أن كل رسول أرسله الله إلى قومه أرسله بلسانهم كما قال جل وعلا " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " واللسان يشمل اللغة ومحتوى اللغة وطريقة الأداء

 

نعم هناك من العلماء من فهم تلك الرسالة وذلك الدور وقام به وحمل همه , لكن جهدهم – مع فضله وأثره – لايزال قاصرا نتيجة كثرة مشكلات الأمة وتشعبها واتساعها

 

إذن فهناك مسئولية العلم ومسئولية أخرى لطريقة توصيل ذاك العلم إلى الناس وفي ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم-: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، ثم بلّغها عني؛ فرُبّ حامل فقهٍ غيرِ فقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ولذلك نرى أنه في القرآن تعددت الأساليب مع اختلاف الأنبياء,فدعوة الأنبياء واحدة, لكن طريقة حوارهم مع قومهم مختلفة، فمحتوى اللسان يشمل طريقة الخطاب والإقناع ويدعونا إلى أن نطور اللفظ والمحتوى والطريقة.
على جانب آخر هناك اتهام للمؤسسة الدينية في بعض الدول الإسلامية أنها لم تتطور في خطابها أو في أساليبها أو في طريقة تعاملها مع الشباب أو في طريقة توجيهها لعامة المسلمين وخاصتهمعبر عقود طويلة من الزمان , برغم التغييرات الجذرية الحادثة في الحالة الاجتماعية والتكنولوجية الحادثة للعالم أجمع 

 

 وهذا الاتهام تبدو علامات صحته جلية من ضعف أثر هذه المؤسسات على توجيه الفكر والسلوك الشبابي خصوصا , وسلوك رجل الشارع , الذي لم يعتد حضور الدرس العلمي أو شغلته مشاغل حياته عنه
ولاشك كذلك أن هذا التطوير يحتاج إلى وقت وإمكانيات وإعادة صياغة وبناء للمقومات الأساسية التي قامت عليها تلك المؤسسات من ناحية خدمة الأمة والأخذ بيدها نحو الإصلاح.

 

كما أنه يلزم أن يبلغ ذاك التطوير جميع عناصر المؤسسات الدينية قاطبة من دعاة وطلبة علم وخطباء وأئمة مساجد وكتاب ودعاة في الخارج ومؤسسات خدمية أصلية وأخرى تابعة, فهناك المعرفة والمهارة؛ المعرفة طريقها بالعلم المتجدد والمهارة طريقها بالتدريب, ولا يخفي أثر ذلك التدريب على قدرة العاملين في تلك المؤسسات, كما يجب على تلك المؤسسات أن تواكب تطورات المجتمع العالمي من حولنا وألا تتخلف عنه، وأن تقدم نتاجها في صورة عصرية شرعية متقبلة, وذلك ولاشك يحتاج إلى جهد كبير وطاقات فعالة ولكنه على الجانب الآخر فسوف تكون له الآثار الإيجابية المتوقعة

 

ولايمكن للعلماء أن يقوموا بممارسة ما نتحدث عنه من دور بمعزل عن المتخصصين في المجالات المختلفة , وأصحاب المهارات والقدرات المتميزة , بل أقول بوضوح أنه يجب أن تتكون مجالس استشارية متخصصة للعلماء المعروفين والمضطلعين بالأدوار العامة والذين ينتظر الشارع المسلم قولهم في المواقف ,

 

جانب آخر لايمكن إغفاله من دور العلماء في الحياة العامة والسياسية والاجتماعية , وهو يتعلق بتقديم السياسة الشرعية الإسلامية في صورة واضحة جلية تأخذ في اعتبارها الثوابت الأصلية والمتغيرات العصرية في مزيج يتناسب مع ظروف الأمة ومآزقها التي تمر بها

 

إن المتابع لأحوال الشارع الإسلامي في كثير من الدول ليلحظ – رغم حب الشعوب للدين - مدى بعده عن علمائه ودورهم وضعف دورهم الشديد وهامشية هذا الدور في قطاعات بالغة الأهمية في حياة الأمة من قضايا الناس، وما يتعلق بالمرافق الثقافية والتنموية، وحيث لا يطلب رأى العلماء في كثير من الأعمال التي تقوم بها قطاعات وأجهزة الدولة ويندر أن يستشاروا في قرارات داخلية أو خارجية هامة فقد تأكد ذلك المعنى من تحييد دورهم الذي نراهم – وللأسف – قد رضوا به! وكل ذلك قد يؤدي إلى فصل الدين عن واقع حياة الناس وعزله عن التأثير في أمر معاشهم وما قد يترتب على ذلك من آثار سلبية

 

وجه آخر ينبغي الإشارة إليه , فعندما يستشعر الناس باستقلالية الجهات العلمية والشخصيات العلمية وتحررها من القيد الأرضي الدنيوي وكذلك تحررها من الضغوطات المختلفة عندئذ تزداد ثقة الشعوب في تلك الجهات وتتأكد التبعية منهم لعلمائهم البعيدين عن قيد المصلحة الفانية.

 

ومن ثم لزمت المطالبة الأكيدة بفسح المجال لإنشاء هيئات وجمعيات مستقلة للعلماء والدعاة  ووضع لائحة إجرائية، وأن يكون الإشراف عليها وتوجهيها وقيادتها من علماء الأمة المشهود لهم بالعلم والصلاح وتخول هذه الهيئات صلاحية تبني النشاطات الدعوية في البلاد ونشر العلم في المرافق الدعوية، وان تعمل الدولة على إفساح المجال لها لتقديم كل ما تستطيعه من خير للناس.

 

وأخيرا فلست بما ذكرت ادعو لابتعاد العلماء عن الدور العلمي الوعظي التتويبي , في المساعدة على التوبة من الآثام والمعاصي التي التبس بها الناس, فدور العالم جليل في تلك الناحية حيث يكون الناس أحوج ما يكونون إلى كلمة صادقة من عالم رباني يعينهم على العودة إلى ربهم والأوبة إلى رضاه وهو ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معلماً أمته في قوله: «إنّ أحبّ عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى الناس» وهذا من أهم أدوار العالم؛ فالناس قد أصابتهم حُمّى الماديات ولكنهم سرعان ما يعودون إذا سمعوا كلمة طيبة مؤثرة من قلب صادق، فكم من سائل عن التوبة بعد طول معصية لو وجد من يرشده ويوجهه لأسرع بالرجوع والإنابة؟ مما يجعل مسؤولية العالِم أعقد وأصعب، ويتطلب منه عدم التقوقع في بيته، أو الانزواء في ركن من أركان صومعته، بل يجب عليه الخروج للناس، ومعرفة مشاكلهم، والتواضع لهم والإنصات لشكاويهم، ويكفيه دافعاً لكل هذا ومشجعاً حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- المــوجّـه لعلي بن أبـي طالب ـ رضي الله عنه ـ ومن خلاله للأمة كلها: «لأن يُهدَى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم

للأسف نحن في زمن صرنا نستخف في تنظيراتنا بشأن الوعظ والرقائق مع أهمية ذلك الباب في إصلاح شؤون الناس عند الأئمة السابقين, لأن الوعظ من شأنه تأمل العاقبة ولوم النفس كخطوة أولى للإصلاح, ومن شأن الوعظ نبذ الدنيا لا ملاحقتها, وما رأينا الناس اختلفوا في أقوالهم مع العلماء إلا لأجل الدنيا, فأصبح حديثهم كلهم يتمحور حول الاستبداد والحقوق المسلوبه حتى وصل الغلو ببعض الأطياف إلى تبني آراء تنم عن جهل مركب ومخالفة لأقوال العلماء, وكل ذلك من أجل التخندق في خندق العداء للإستبداد! بل تعدى الأمر من كونه مطالبة بحقوق شخصية إلى إلباسه صبغة (مشروع التمكين للأمة)!! وأن ذلك يكون بإحقاق الحقوق والتقدم المادي والتطور!! وكأن الفتوحات الإسلامية ستعود بقياس كثرة الصادرات لبلاد الكفر وليس بالجهاد!! لذا فالوعظ هو الأساس, ولن ينفع ترك الناس يتنصلون من مسؤولياتهم ويرمون غيرهم بالأخطاء ويقفزون على معاني السنن الكونية في العقوبات والبلاء, حتى أن بعضهم وصف ما حصل في تبوك بأنه عقوبة على عدم تغيير الاستبداد والفساد! ولم يقل بأن الفساد والاستبداد نفسه عقوبة!!
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 6 =