بين « التربية المنهجيّة » والنظام المجتمعيّ
8 صفر 1435
د. عبد المجيد البيانوني

ما الذي يجري في بعض المجتمعات ، التي كانت توصف بأنّها أشدّ المجتمعات الإسلاميّة تديّناً ، ومحافظة على قيم الدين وآدابه .؟!
اقرأ نموذجاً عن ذلك ممّا كتبته الأخت بدور عبد الله على صفحتها في الفيس :
« ما بين سافرة عن وجهها ، وأخرى حاسرة عن شعرها ، وأخرى مشمّرة عن ساعديها ، وأخرى مزركشة وجهها بالألوان ، وأخرى تضرب بكعبيها ، وأخرى تبرز مفاتن جسدها ، وأخرى يتعالى صوتها وقهقهات ضحكاتها ، تتبعثر كلمات الأمر بالمعروف ، وتختنق عبارات النهي عن المنكر .

لقد باتت فريضة الحجاب من كبرى القضايا الدينية التي تحتاج إلى مناقشات جادّة ودراسات دقيقة ، تتضافر فيها جهود المخلصين لاستصال جرثومة الفساد ومعالجة الداء بشكل صحي سليم . فالجهود الفردية ـ وإن أبرأت الذمة ـ إلاّ أنّها لا ترتقي إلى مستوى علاج جذري لداء متأزم » .

هذا نموذج ممّا يجري من رياح التغيير التي تجتاح مجتمعاتنا على كلّ المستويات .. فما التشخيص الصحيح لهذا الواقع .؟ وما العلاج الأمثل .؟
إنّ أيّ نظام مجتمعيّ لم يتواكب مع « تربية منهجيّة » شاملة على قيمه وأهدافه العليا سيئول إلى صورة شكليّة ، لا روح فيها ، وعادات وتقاليد لا حقيقة لها ..

والنظام الإسلاميّ لا يخرج عن هذه القاعدة ، بل هي ظاهرة فيه كلّ الظهور ، لأنّه يعتمد بالدرجة الأولى على تقوى الله تعالى ورقابته ، وحيويّة ضمير المؤمن في تعامله مع أحكام دينه والتزامه بها ..

وكان من نتيجة إغفال هذه القاعدة في المجتمعات التي فرضت فيها أحكام الإسلام بقوّة السلطان ، وغابت عنها « التربية المنهجيّة » أو ضعفت إلى درجة دنيا غير مؤثّرة .. ثمّ تراخت قوّة النظام في التطبيق الإلزاميّ والمتابعة أن ظهر عوار الخلل في « التربية المنهجيّة » تفلّتاً وانحرافاً ، واكتفاءً بمظهريّة صوريّة مخادعة ..

وتكشّف للعيان أنّ هذه الصور المُرضية ظاهريّاً ، والتي حوّلت الأحكام الشرعيّة إلى عادات وتقاليد ، لا روح فيها ، كانت تخفي وراءها عللاً مزمنة ، تنخر بنية المجتمع وقيمه وعلاقاته من جذورها ، ومن حيث لا يشعر أكثر الناس ، ولا ينتبهون ، وفي كثير من الأحيان لا يبالون ..

وهذا ما حدا ببعض المتابعين الناقدين إلى أن يفسّر هذه الظاهرة التي تكشّفت لهم ولغيرهم بأنّ سببها التسلّط الدينيّ ، والكبت للحريّة ، الذي يولّد النفاق الاجتماعيّ بطبيعته الهشّة ، ثمّ سرعان ما يُفتضح سرّها وخباياها مع أدنى نافذة مُوارِبة ، من الحريّة الفرديّة والمجتمعيّة ، التي فرضتها رياح المتغيّرات المتسارعة .. ولا محيد لنا عن التعامل معها ..

إنّ النقطة المحوريّة التي ينبغي أن تكون في بؤرة اهتمام العلماء والدعاة إلى الله تعالى ، والغيارى على دين الله من العامّة والخاصّة ، وولاة أمور المسلمين هي حاجتنا الماسّة في كلّ حركة من حركاتنا إلى « التربية المنهجيّة » على قيم الإسلام وآدابه ، وهي لا بدّ أن تتواكب مع ضبط النظام ، وتعضد قوامته ورعايته ..

وهذه « التربية المنهجيّة » خير حصن للفرد والمجتمع من جهة ، وخير ما يقف في وجه عواصف المتغيّرات ، ويحفظ للأمّة هويّتها وأصالتها ..
ولا شكّ أنّ هذا السبب الأساسيّ لانكشاف الخلل التربويّ وظهور عواره ، وتنامي آثاره ، لا يلغي الأسباب الأخرى المتنوّعة ، التي أرى أنّها أسباب ثانويّة ، تعزّز التأثير وتعمّقه ، ولكنّها ليست السبب الرئيس ..

إنّ علينا أن نوقن أن لا غنى للنظام المجتمعيّ مهما كانت قوّته وتمكّنه عن « التربية المنهجيّة » على كلّ المستويات ، وهي وحدها التي تعمّق المبادئ في النفوس ، ولا ترضى لها أن تتحوّل إلى هامش العادات والتقاليد ، التي يسهل محاربتها واقتلاعها .. وأنّ استنجاد بعض الناس بالنظام المجتمعيّ لمواجهة عواصف المتغيّرات يدلّ على سطحيّة في الفهم والتفكير ، أو جهل بطبائع الأمور ، أو هروب من مسئوليّة التربية وأعبائها ..

اهم عنصر الذي يجمع التربية المنهجية والنظام المجتمعي هو ان يرفع المجتمع من قيمة القيم والاعمال العظيمة والاخلاق , ثم يجعل الناس يتنافسون على معالى الامور والانجاز والتميز والابداع, مع تهيأة الفرص والمجال امام الناس, فبذلك ينشغل الناس بتحقيق الاعمال والانجازات الكبيرة ويتركون الاهتمام والسعي وراء التفاهات والتنافسات على السخافات ، وبغير ذلك لن يجد الناس ما يشغلون به اوقاتهم الا الاعمال الوضيعة والشهوات والتنافس على الجنون لاثبات قدراتهم الخارقة التى لا يجاريهم فيها احد من اقرانهم
10 + 8 =