19 ربيع الثاني 1439

السؤال

نحن طلاب في قسم اللغة العربية وقد تقرر في منهج إحدى المواد تلخيص (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، وهي رسالة ساخرة تدور حول رؤية في المنام ليوم القيامة والجنة والنار، وهذا بعض ما يظهر فيها.

  • التفارق بين المكان المقدَّس والسُّلوك المدنّس: الجنَّة، وسلوك البطل المعربد في الجنان (مجون، شذوذ، الخصومات، الجنس، المنادمة،...)

  • اختلال التوازن بين الفعل والجزاء: أغلب الشّخصيّات فازت بالجنّة بحجج واهية ولا معقولة (عبيد بن الأبرص ببيت من الشعر، الحُطيئة لأجل كلمة صدق، الأعشى بقصيدة مدحيّة، ابن القارح بصكّ التوبة).

  • انشغال بعض الشخصيّات يوم الحشر بالنقاش الحادّ في مسائل شعريَّة أدبيّة مثل النِّقاش الحادِّ مع أبي علي الفارسي الذي اتهمه الشعراء بالتَّجنِّي عليهم في تأويله ..." كنت قد رأيتُ في المحشر شيخا لنا كان يدرّسٌ النحو في الدّار العاجلة يعرف بأبي علي الفارسي وقد امترس به قومٌ يُطالبُونه ويقولون لهُ: تأولت علينا وظلمتنا.

  • رسم يوم المحشر في صورة سوق يعلو فيه الضجيج والصّراخ والتزاحم بين النّاس والتودّد إلى الرّسول وعلي بن أبي طالب وفاطمة.

  • انقلاب النّقاش بين النَّابغة الجعدي والأعشى إلى خصُومة تطوّرت من العنف اللّفظي بالسّباب والشتم والتنابز وتبادل الاتّهامات إلى العنف المادّي" فيضربُه بكوُز من ذهب".

  •  الرّسم الكاريكاتوري السّاخر: عبور ابن القارح الصراط على ظهر جارية تسير بسرعة البرق.

  • المفارقة بين المقام والمقال: ابن القارح يسألُ أهل النّار رغم عذابهم القاسي عن الشّعر وقضايا الأدب قول ابن القارح إلى امرئ القيس وهو في عذاب النّار "يا أبا هند إنّ رواة البغداديين يُنشدون (قفا نبك) هذه الأبيات بزيادة الواو في أولها".

أرجو منكم بيان حكم عملنا في هذه الرسالة حتى أبلغه للطلاب ولأستاذنا؟ بما يزيل عنهم الريب والتردد. جزاكم الله خيرا.

أجاب عنها:
عبد الرحمن البراك

الجواب

الحمد لله وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، أما بعد: فصاحب الكتاب المسمَّى (رسالة الغفران)، وهي أحرى أن تسمَّى رسالة الخسران هو أبو العلاء المعري الشاعر المشهور، وهو عند علماء المسلمين المهتدين بهدي سيد المرسلين هو عندهم زنديق من الزنادقة المنتسبين إلى المسلمين، والزنديق في عُرف العلماء هو الملحد المنافق، وقد اشتهر عن هذا الشاعر الزنديق شعرٌ يعترض فيه على حكم من أحكام الشريعة، وهو قطع يد السارق بربع دينار، يقول:

يدٌ بخمسِ مئينٍ عَسْجدٍ وُدِيتْ    ما بالها قُطعتْ في رُبعِ دينارِ

تَناقضٌ مالنا إلا السكوتُ لهُ       وأن نعوذَ بمولانا من النَّارِ

والبيتان موجودان في ديوانه اللزوميات (1/386)

ومن شعره المتضمِّن للطعن في شرائع الأنبياء، وكتب الله المنزلة، والاعتراض على الرب في أقداره وأحكامه وجزائه للعباد في اليوم الآخر، قوله يخاطب الربَّ بزعمه:  

 صَرْفُ الزّمانِ مُفَرِّقُ الإلْفَيْنِ    فاحكُمْ إلهي بين ذاكَ وبيني

أَنَهَيْتَ عن قتْل النُّفُوس تعمُّدا   وبَعَثْتَ أنتَ لقَبْضها مَلَكَيْنِ

وَزَعْمتَ أنّ لها مَعَادا ثانيا    ما كان أغناها عن الحالَيْنِ

الأبيات في المنتظم لابن الجوزي (8/188) والبداية والنهاية (15/751).

وقوله:

تقضَّى النّاسُ جيلًا بعدِ جيلٍ   وخُلِّفتِ النّجومُ كما تَراها

تقدَّم صاحبُ التُوراة موسى   وأوقعَ بالخَسَار مَن اقْتراها

فقال رِجالُه وَحْيٌ أتاهُ     وقال الآخرون: بلِ افتراها

وما حَجّي إلى أحجارِ بيتٍ     كؤوسُ الخمرِ تُشْربُ في ذُراها

إذا رَجَعَ الحكيم إلى حجاه   تهاون بالمذاهب وازْدراها

والأبيات موجودة في ديوانه اللزوميات (2/415).

وقوله:

أُمُورٌ تَسْتَخِفُّ بِهَا حُلُومٌ    وَمَا يَدْرِي الْفَتَى لِمَنِ الثُّبُورُ

كِتَابُ مُحَمَّدٍ وَكِتَابُ مُوسَى    وَإِنْجِيلُ ابْنِ مَرْيَمَ وَالزَّبُورُ

والبيتان في ديوانه اللزوميات (1/324).

وقوله:

دينٌ وكفْرٌ وأنباءٌ تُقَالُ وفُرْ   قَانٌ يُنَصُّ وتَوْرَاةٌ وإنجيلُ

في كل جيلٍ أباطيلٌ يُدَانُ بها    فهل تفرَّد يومًا بالهُدى جيلُ

وهما في اللزوميات (2/177).

وقوله:

فلا تحسْب مَقَال الرُّسْلِ حقًّا   ولكنْ قولُ زُورٍ سطَّرَوُهُ

وكان النّاس في عَيْشٍ رَغِيدٍ   فجاءوا بالمُحَالِ فكدَّرُوه

ذكرهما عنه الذهبي في تاريخ الإسلام (9/721) وابن كثير في البداية والنهاية (15/750).

وقوله:

إِنَّ الشَّرَائِعَ أَلْقَتْ بَيْنَنَا إِحَنًا   وَأَوْرَثَتْنَا أَفَانِينَ الْعَدَاوَاتِ

وَهَلْ أُبِيحتْ نِسَاءُ الرُّومِ عَنْ عُرُضٍ   لِلْعُرْبِ إِلَّا بِأَحْكَامِ النُّبُوَّاتِ

وهما في اللزوميات (1/185).

وقوله:

أَفِيقُوا أَفِيقُوا يَا غُوَاةُ فَإِنَّمَا   دِيَانَاتُكُمْ مَكْرٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ

وهو في اللزوميات (1/63).

  وبعد ذكر هذه النماذج من أشعار المعرِّي الكفرية نسوق ما تيسر من أقوال علماء الإسلام في هذا الرجل:

 يقول ابن الجوزي: "زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وأشدُّهم على الإسلام أبو حيان؛ لأنهما صرحا، وهو مَجْمَجَ ولم يصرح".

نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء (17/10) والسبكي في طبقات الشافعية   (5/288).

وقال ابن الأثير في الكامل في التاريخ (8/150): "أكثر الناس يرمونه بالزندقة، وفي شعره ما يدل على ذلك".

وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (9/721) بعد أن ذكر نسبه: "الشاعر المشهور، صاحب التّصانيف المشهورة والزَّندقة المأثورة".

وقال ابن كثير في البداية والنهاية (3/331): "أبو العلاء المعري التنوخي الشاعر المشهور بالزندقة".

 وقال ابن كثير أيضا في ختام ترجمة المعرِّي بعد أن نقَل عن ابن خلكان قوله: "إنه أوصى أن يكتب على قبره:

هذا جناه أبي عليَّ      وما جنيت على أحد

قال ابن خلكان: وهذا أيضا متعلق باعتقاد الحكماء، فإنهم يقولون: إيجاد الولد وإخراجه إلى هذا الوجود جناية عليه؛ لأنه يتعرض للحوادث والآفات.

قلت [القائل ابن كثير]: وهذا يدل على أنه لم يتغير عن اعتقاد الحكماء إلى آخر وقت، وأنه لم يقلع عن ذلك كما ذكره بعضهم، والله أعلم بظواهر الأمور وبواطنها".

   وأما رسالة الغفران فما نقل في السؤال من مضامينها فكلُّه سخرية باليوم الآخر والجنة والنار، واعتراض على الرب في جزائه ثوابا وعقابا، وطعن في حكمته، وقد وقفتُ على شيء من هذا في الكتاب نفسه، والقدر المذكور في السؤال ـ ولعله قليل من كثير ـ كافٍ في تحريم نشر هذا الكتاب، وإرشاد الطلاب إلى قراءته؛ فإن من يقرؤه وليس عنده من العلم والإيمان ما يُحصِّنه من ولوج الشبهات إلى قلبه وعلوقها به، فمن يقرأ هذا الكتاب وهو خلو فإنه لا يؤمَن عليه أن يزيغ قلبه، ومما يزيد في الفتنة صياغة الكتاب بأسلوب قصصي جذَّاب يشد القارئ للمتابعة؛ فلابد حينئذ من أن ترتسم هذه الخيالات والأفكار في عقله، فيقع في الهاوية التي وقع فيه صاحب الكتاب، فالحذر الحذر، ومن أنذر فقد أعذر، ومِن أقبح الغش من معلِّم أو معلِّمة الإرشادُ إلى العمل على هذا الكتاب قراءة أو تحقيقا أو تلخيصا، ومن يفعل ذلك من معلِّم أو معلِّمة فهو جاهل ضال، أو متَّهم في عقيدته. نسأل الله السلامة والعافية والثبات على دينه، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. وصلى الله وسلم على محمد. قاله: عبد الرحمن بن ناصر البراك في يوم الخميس 17 ربيع الآخر 1439ه.

عبد الله بن عبد اللطيف الحميدي
د. عبد الرحمن بن عوض القرني
عبد الله بن صالح الفوزان
عبد الله بن صالح الفوزان