كشف استشكال متعلق بآيتي النساء [78-79]
22 ربيع الثاني 1439
إبراهيم الأزرق

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فقد يتوهم بعض من لم ترسخ في العلم قدمه تناقضاً في بعض الشرع الثابت المحكم، والاختلاف قد يراد به التناقض أو التعارض، وقد يراد به التنوع والتعدد من غير تعارض، فأما الاختلاف بالمعنى الأول فليس في القرآن منه شيء محكم، إلاّ أن يكون منسوخاً بقي لفظه، بينت النصوص نسخه، كفدية مطيق الصوم لو اختار الفطر، وعدة المتوفى عنها زوجها، وحبس اللائي يأتين الفاحشة، فهذه أحكام بينها اختلاف ومعاني انتقلت من الحل إلى الحرمة أو العكس، لكن المحكم واحد منها والأول منسوخ.
 

أما التعارض الذي يقتضي تناقضاً أو تضاداً فهذا لا يوجد في القرآن منه شيء محكم، وقد ألف أهل العلم في بيان ما قد يفهم منه التعارض، وردوا على المتأخرين الملبسين ببعض ما يتشابه على من قصر علمه عن إدراك حقائق التنزيل، ومن أقدم ذلك كتاب الإمام أحمد المسمى بالرد على الجهمية والزنادقة، وذلك لما ظهر أمرهم في عهوده.
 

وقد اشتملت تآليفهم على جواب سؤال يكثر ذكره من قبل من لم يتمعن في القرآن الكريم، ولاسيما في العصور التالية لعصور الصحابة والتابعين وتابعيهم، لمّا كثرت الفتوحات ودخلت العجمة! فوجد حينها من لم يتفهم القرآن على المقتضيات التي تفهمها به المشركون الأولون، ولا غرو فقد كانوا أصحاب لغة وبيان، يعصمهم من اعتراضات كثيرة مضحكة على آيات بينة محكمة!
 

ومن تلك السؤالات المكررة عند المتأخرين استشكال فهم ما جاء في آيتين متتاليتين من سورة النساء هي قوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).. فيزعمون تناقضاً بينهما!
 

ولايخفى على من كان له عقل أن هاتين الآيتين متتاليتان! بمعنى أن أجهل الناس لايمكن أن يقول القول ثم ينقضه! فالذي يقول القول ثم ينقضه بإثره أحمق أو لا يعقل! وكيف يؤمن الصحابة رضي الله عنهم لمن كانت هذه حاله وهم القوم الذين ملكوا الأرض وحكموا الدنيا بعد بتوفيق الله لهم!
 

ولو كان ذلك كذلك لما فوت المشركون الفرصة في الطعن على الدين، ولكنهم فهموا مع شركهم ما لم يفهم بعض من لم يتفقه، وسبب ذلك أنهم يدركون ملابسات النزول ويفهمون منها المراد، فلا يزرون على عقولهم بمثل اعتراضات المتأخرين!
 

وذلك أن الآية الأولى نزلت تحكي حالة المشركين، وقد كانوا إذا نزل بهم خير من مطر أو نعمة قالوا هذه من عند الله.
 

فإذا نزل بهم ما يكرهون من قحط أو جدب أو مصيبة تشاءموا بالنبي صلى الله عليه وسلم ونسبوا ذلك إليه فقالوا: هذه من عندك.
فجاءت الآية الأولى رداً عليهم، وبياناً لكون الجميع من خلق الله وتقديره، ليس شيء منه خلق محمد صلى الله عليه وسلم بل ولا من تسببه، وليس لشيء من الكائنات خالق غير الله تعالى.

 

أما الآية الثانية فخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده، فما أصابك أيها المؤمن من خير فبفضل الله ورحمته وتقديره، ولم يلتفت إلى تسبب العبد هنا لأن تسببه لا يوازي فضل الله ونعمه عليه، ولهذا جاء في حديث الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله"! قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: "ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمته"! ولو وزنت نعمة من نعم الله تعالى بكسب العباد وتسببهم لرجحت عليه جميعاً، فالفضل له وحده. ولهذا لم ينكر على المشركين قولهم: (هذه من عند الله) إذا أصابتهم الحسنة.
 

وأما قوله: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) أي بتسببك أيها العبد وبما جنته يدك، كما قال في الآية الأخرى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى: 30]، فأقدار الله تعالى على العباد دائرة بين الفضل والرحمة من عنده، وبين العدل والمؤاخذة بالجناية، وهذه الأخيرة في الأقدار المكروهة.
 

والمقصود لما كان الخطاب في الآية الثانية لمن لا ينكر خلق الله تعالى وتدبيره، ولا يضيف ذلك إلى ما لا تسبب له فيه ناسب أن يعلق المكروه بسببه، فقال: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك)، ولما كان الخطاب في الآية الأولى للمشركين الذين يزعمون أن الشر من قبل محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا تسبب له فيه ولا تدبير ناسب أن يقال لهم: الخالق لذلك المكروه من جدب أو غيره، المُقَدَّرِ عليكم هو الله تعالى، وتقدير الله تعالى -الذي هو فعله- كُلُّه خير فالشَّر ليس إليه، لكن المقضي أو المخلوق الذي هو كائن فيه الخير، وفيه الشر الذي لا يضاف إلى الله سبحانه، لكونه وإن كان شراً فتقدير الله له ليس بشر لكونه أوجده لحكمة ومصالح رابية.
 

وقد فصل أهل العلم بيان ذلك، حتى إنهم بينوا وجه المصالح في خلق إبليس، وهذا بحث آخر؛ له مقام وجملته: أن الأقدار المكروهة أوجدها الله تعالى لحكم كثيرة، تجعل إيجادها خيراً في الجملة، علم تلك الحكم من علمها وجهلها من جهلها.
 

والمقصود أنه لا تعارض ولا تناقض بين آيتي سورة النساء.
 

ونصيحتنا لمن عرض له عارض من شك في آية، بأن يتصفح بعض الكتب التي اعتنت بهذا الشأن؛ أعني  كشف المشكل ككتاب ابن قتيبة في مشكل القرآن الكريم، أو كتاب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب، وأما من لم يتيسر له ذلك، فليؤمن على سبيل الإجمال بحكمة الله تعالى وإحكامه لكتابه، ثم ليزيل التشويش بسؤال أهل العلم، قبل التحدث والصدور برأي أو اعتقاد عن جهل، والله هو الموفق والمستعان.
والله الموفق.

5 + 5 =