قراءة في عقليّة الطاهر بن عاشور المقاصدية (1/ 2)
28 ربيع الثاني 1439
خباب الحمد

الحمد لله واهب كل نعمة، والموفق إلى كل خير، والملهم لكل صواب، والهادي إلى كل رشاد، وبعد:
من المعلوم أنّ كتاب مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور من أكثر الكتب المُعاصرة شهرة، حتّى إذا ذُكِرَ علم المقاصد في عصرنا ينصبّ ذهننا دونَ وكدٍ إلى ما كتبه العلاّمة التونسي المقاصدي: محمد الطاهر بن عاشور في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية).

 

غير أنّ الكتاب حاز مُقدّمة ضافيّة تقع في قرابة مائة وستين صفحة؛ كتبها الذي قام بتحقيق الكتاب وتدريسه وهو د. محمد الطاهر الميساوي، وفي مقدمة الكتاب إشادات وإفادات علميّة تزيد من أهميّة الكتاب والمؤلف؛ لما كان فيها من اهتمام حثيثٍ بعرض طبيعة التفكير العلمي الموضوعي لدى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور – رحمه الله -.
 

وقد ذكر المحقق أنّ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1296 – 1393 هـ / 1879 – 1973م) له سيرة حافلة تغذّت في منبت العلم المُتوطّد في أكنافه كابراً عن كابر، وانصقلت عبر السنين بجدٍ لا يفتر، وكان لديه جودة حفظ، ونفاذ ذهن، وصفاء بصيرة، وزادها نُضجاً تجارب ثرّة في العمل الاجتماعي العام، وخاصّة في مجال التربية والتعليم.
 

وقد نقل المحقق نقولات عن صديق الشيخ الطاهر بن عاشور وهو الشيخ محمد الخضر حسين وذهابهما سويّة للعلم وطلبه عند بعض شيوخ الجامع في تونس، وكذلك مديح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي للشيخ الطاهر بن عاشور حيث قال عنه أنّه فقيه متبحر.
 

وللشيخ الطاهر بن عاشور عناية بعلم الحديث فهو حافظ لكثير من متونه وله إسناد عزيز روى به أحاديث البخاري ومسلم، هذا إلى تحقيقاته وشروحه على مرويات الإمامين مالك وأبي عبد الله البخاري.
 

أما في الفقه فله قدم راسخة في كتابه المقاصد، وكذا في تحقيقه لكتاب تنقيح الفصول في الأصول للقرافي.
 

كما أنّه كانت له عناية بالفلسفة والمنطق، وكان كتاب النجاة من جملة الكتب التي درسها بجامع الزيتونة جنباً إلى جنب مع المقدمة لابن خلدون.
 

وله كتب كثيرة تراكم عليها غبار السنين قابعة لا تزال في رفوف المكتبة العاشورية في تونس، وكأنما تواطأت صروف الزمان على تغييب معلم من معالم الحياة الفكرية، فالرجل لم يلق حظّه بحق كما قال الشيخ الراحل محمد الغزالي – رحمه الله -.
 

•    محنة التجنُّس بالفرنسيّة:

تحدث المحقق عن مسألة استخدمت ذريعة لتشويه الطاهر بن عاشور والحط من قيمته، وهي مسألة التجنيس ففي أكتوبر 1910م صدر قانون التجنس الذي يُخوّل المواطن التونسي الحصول على الجنسية الفرنسية؛ لسعي الفرنسيين على تذويب المسلمين في ثقافتها، وقد قاومتها جُملة من القوى الوطنية، ومع تزايد قوى المقاومة، فقد سعى رأس السلطة الاستعمارية في البلد لاستصدار فتوى من علماء الشرع تُسوّغ مبدأ التجنس، وكان نص السؤال على نحو يُيسر توريط المستفتى إذا كان متساهلاً في الفتوى غيرَ مدقق فيما يعرض عليه من المسائل، وكان جواب الحنفية جواز ذلك إذا حضر لدى القاضي الشرعي ونطق الشهادتين وأعلن أنه مسلم وبناء عليه لو مات فيُصلّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين.
 

أما فقهاء المالكية فقد جاءت فتواهم مختلفة إذ إنهم أضافوا شرطاً آخر؛ فأعلنوا أنّه يتعين على المتجنس عند حضوره لدى القاضي التصريح في الوقت نفسه بأنه يتخلى عن الجنسية التي اعتنقها.
 

ولكن (منصورون) الذي كان وزير خارجية بلاده تعذر عليه نشر الجوابين؛ لأنهما لا يتماثلان؛ ونص فتوى المالكية يجعل من المستحيل الإقدام على نشرهما؛ خاصّة أن فتوى الحنفية ليست ذات قيمة في حذ ذاتها لأنّ الأغلبية الساحقة من التوانسة ينتمون للمذهب المالكي.
 

لكن بعض الأطراف السياسية كانت قد أشاعت أن الطاهر بن عاشور أفتى بجواز التجنس استجابة لضغط الحكومة على المجلس الشرعي، ولكن تصدي القوى الوطنية وتعبئتها الرأي العام ضد قانون التجنس قد أفسد عليه أمره.. وكل هذه الإشاعات لم نجد من الطاهر بن عاشور رداً عليها أو تبرئة لساحته؛ وإنما مضى في عمله الإصلاحي تاركاً للتاريخ الحكم له أو عليه.
 

وفي تفسير دواعي البلبلة والإشاعة الذي أحاط بفتوى التجنس وما نتج عنها من تشويه لعلماء الزيتونة عموماً؛ وللشيخ ابن عاشور خصوصاً... يذهب الدكتور بلقاسم الغالي إلى أنّه " ليس من الغرابة أن تصدر الشائعات لتعمل علمها وتثير البلبلة حول رجال العلم، وقد كان من أهداف الاستعمار الفرنسي جعل الهوّة تتسع بين الأمّة وعلمائها... فلابد من إطفاء شعاعهم".
 

وبناء عليه لا يُستغرب أن تتعمد السلطات الفرنسية الاستعمارية ممثلة في المقيم العام الفرنسي، وبعض الأطراف المحلية المتواطئة معها حجب فتوى المجلس الشرعي المالكي الذي كان الشيخ ابن عاشور رئيسه كما كان في الوقت نفسه شيخ الإسلام المالكي.
 

ولعله يُمكن القول أنّ رجال المجلس الشرعي لاذوا بالصمت وخاصّة المالكيون منهم ولم ينشروا الفتوى؛ ليضعوا حداً لتلك الحالة من اللغط والإشاعة التي استهدفت تشويه سمعتهم شخصياً فيريحوا ويستريحوا؛ ولعل الجواب عن هذا التساؤل إذا أخذنا بالحسبان ما كان يُمكن أن يحدث إزاء تصرف كهذا من رد فعل من قبل السلطات الاستعمارية بصورة خاصة التي يبدو أنه كان تفاهم بينها وبين بعض الأطراف المحلية على تمرير مسألة التجنيس؛ وليس بعيداً أن نشر الفتوى سيزيد من غضب الجماهير وثورتها؛ الذي سيُواجه بالبطش والفتك بالمواطنين.
 

•    ابن عاشور وهموم الإصلاح:

سعى ابن عاشور من خلال رؤية إصلاحية شاملة لكل العلوم التي كانت تُدرٍّس في جامعة الزيتونة وفي نظائرها كالقرويين والأزهر؛ وذلك خلال نصف قرن سعياً وتعاوناً مع المبادرات الرامية لتنظيم هياكل التعليم، ومن ذلك إصلاح اللغة حيث كانت صلة تلامذة جامع الزيتونة باللغة الفرنسية والثقافة الأوروبية أوثق وأعمق من صلتهم باللغة العربية والثقافة الإسلامية.
 

وكانت تجربة الطاهر بن عاشور تجربة تجاوزت الفصام بين تيار الأصالة ويُمثّله جامع الزيتونة وتيار المعاصرة الذي كانت المدرسة الصادقية حينها رمزه.
 

وحين قام ابن عاشور بممارسة التعليم الإسلامي مدرساً بجامع الزيتونة والمدرسة الصادقية؛ لم يؤكد هذا لديه إلاّ القناعة الحقيقية بضرورة الإصلاح وتصميمه على المضي فيه فقد بدأ يُهذّب في كتابه المعروف بـ: (أليس الصبح بقريب؟) الذي بدأ تأليفه في صيف 1902م؛ وبدأ يُراجع كتابه على مدار الأصياف الثلاثة حتى استوى كتابه؛ وشمل كثيراً من جوانبه النظام التعليمي ودرجاته ومواده والكتب المعتمدة في التدريس والمدرسين من حيث تأهيلهم ومدى مناسبتهم لدرجات التعليم ومستويات الدارسين.
 

ولقد اندرجت حركة الإصلاح التي قام بها ابن عاشور ضمن سياق حركة الإصلاح التي سرت في تونس وفي العالم الإسلامي عامة منذ منتصف العقد الخامس من القرن التاسع عشر الميلادي في ظل إمارة المشير أحمد باي.
 

وقد لخّص ابن عاشور أسباب تأخر التعليم الإسلامي والعلل التي أصابته من (أسباب عامة قضت بتأخر المسلمين على اختلاف أقاليمهم وعوائدهم ولغاتهم، وأسباب راجعة إلى تغير نظام الحياة في أنحاء العالم تغيراً استدعى تبدل الأفكار والأغراض والقيم العقلية مما استدعى تغير أساليب التعليم ومقادير العلوم المطلوبة وقيمة كفاءة المتعلمين لحاجات زمانهم).
 

وقد قدّم الطاهر بن عاشور في كتابه عرضاً وافياً للأطوار التاريخية التي مرّ بها التعليم الإسلامي ومؤسساته في مختلف ربوع دار الإسلام عبر القرون، وذكر أنّ الاهتمام به يزداد والحاجة إلى دراسته تشتد عند ابتداء النهضة حين يشعر الناس بوجوب تأريخ حالهم لوزانٍ مستقبلهم بماضيهم.
 

ولما كانت العلوم في نشوئها ونموها وتكاملها مرتبطة بحاجة الحياة الاجتماعية إذ تختلف أعدادها باختلاف الحاجات الداعية إليها؛ فإن دراسة تاريخ العلوم للوقوف على أحوال تطورها وأطوار نموها ولتحديد علل قصورها وأسباب تقهقرها، تصبح مطلباً رئيساً من مطالب أية محاولة للنهوض والإصلاح.
 

ويشترط ابن عاشور فيمن يقوم بمثل هذه الدراسة النقدية التقويمية للتعليم الإسلامي أن يكون مِمّن أنشأه ذلك التعليم نفسه عارفاً بحاجات الزمان وغايات العلوم نظّاراً إلى الروح لا إلى الجثمان، بعيداً عن درجة السفاسف، خبيراً بما أصاب مزاج التعليم من العلل وبأنواع أدويتها.
 

كان العلاّمة الطاهر بن عاشور حريصاً على تتبع الحركة العلمية الإصلاحية في تونس، دراسة أفول العلم، ولكنّه مع هذا كان يضع بصماته في قضايا قد لا ينتبه لها أيّ منتبه ليُبرز من خلالها أهميّة تحكّم العلماء والولاة الفضلاء؛ فقد نقل ابن عاشور عن الوزير ابن السرّاج في تاريخه: (الحلل السندسية بالأخبار التونسية) أن وباءين أصابا تونس في عامي 1053ه،، و1100 قد ذهبا بالعلم بما كان فيهما من قبض العلماء، ولكن ابن عاشور يُعقّب عليه بأنّ إهمال الدولة وتحكم الجهلة الموجهين من البلاد التركية قد كان أوبأ له – أي للعلم – من هذين الوباءين، وأنّ الاستبداد بالسلطة وإهمال الدولة لجانب العلم وشد المظالم التي غلّت العقول، كلها كانت أسباباً لموت مرابع العلم).
 

وهو بهذا لا يتردد في القول أنّ الاستبداد السياسي بالسلطة والظلم للرعية والاضطراب السياسي والاجتماعي وغلّ العقول هي العوامل المؤدية إلى تدهور العلم وانحساره.
 

والحقيقة أنّ يمكن أن نلاحظ هنا أن مفهوماً أساسياً ينتظم هذه الاعتبارات جميعاً، ألا وهو مفهوم الحرية الذي احتل مكانة عالية في تفكير الشيخ ابن عاشور واهتماماته، حتى جعلها أصلاً من أصول نظام الاجتماع الإنساني في الإسلام، فهي بذلك في المبتدأ والمنتهى في النظر الإسلامي إلى الإنسان.
 

ولعل ما يشرح هذا أنّه في تاريخ الحفصيين تعطل إقراء العلم، حتى إن درس تفسير القرآن انقطع من جامع الزيتونة مدة سبعين سنة، وجاء عهد الدولة الحسينية والتي انحاز أهلها لمؤسسها الباي حسين بن علي الذي حكمها بين عامي (1705 – 1735)، وقد أعاد هذا الباي ربوع العلم بعد اندراسها، ورتب بجامع الزيتونة ثلاثين درساً وجعل للقائمين بتلك الدروس جرايات معلومة، فازدهرت العلوم، وبدأت العلوم تزدهر في حكم أحمد باي، ومحمد الصادق، حتى كان في عهد محمد الصادق خير الدين التونسي باشا (ت 1308 هـ / 1889) وقد كان بلور مشروعه الإصلاحي في كتابه ذائع الصيت: (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) ولعل خير الدين اهتم بالجانب السياسي لأن تونس في عهده كانت تشكو من الوطأة المباشرة للقصور الكبير في هذه الجوانب، بسبب النفوذ الاستعماري الأوروبي.
 

وكان مشروع خير الدين التونسي قائماً على التسليم بضرورة التكامل والتعاضد بين العلماء والحكام حتى تتحقق مقاصد الإصلاح الذي يتطلع إليه، وعنده أنه لا مجال للعلماء للتفصي من هذه الخلطة؛ لأن إدارة أحكام الشريعة كما تتوقف على العلم بالنصوص فإنها تتوقف على معرفة الأحوال التي تعتبر في تنزيل تلك النصوص، ومن ثمّ فإنّ (العلماء الهداة جديرون بالتبصر في سياسة أوطانهم، واعتبار الخلل الواقع في أحوالها الداخلية والخارجية، وإعانة أرباب السياسة بترتيب تنظيمات منسوجة على منوال الشريعة، معتبرين فيها من المصالح أحقَّها، ومن المضار اللازمة أخفّها، ومن نكص عن ذلك من العلماء عازلاً نفسه عن أرباب السياسة فقد سدّ عن نفسه أبواب معرفة الأحوال المشار إليها، وفتح أبواب الجور للولاة، لأنّهم إذا استعانوا به فامتنع صاروا يتصرفون بلا قيد) على حد تعبير خير الدين التونسي.
 

لهذا حاول خير الدين التونسي أن يقوم بمشروع إصلاحي في مجال التعليم يتمثل في:
1.    إنشاء المدرسة الصادقية، قام فيها بتوسيع التعليم العربي الديني الإسلامي، بتعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية، والرياضيات والاجتماعيات، ورجى تنسيق التعليم بالمدرسة الصادقية مع التعليم الزيتوني بحيث يصح أن ينتقل الطالب في رتبة معينة من الدراسة الثانوية لإكمال دراسة العلوم الدينية بجامع الزيتونة، أو يتمحض لإتمام التعليم العصري

 

2.    إصلاح التعليم الزيتوني.
 

3.    إنشاء المكتبة العبدلية.
 

4.    تشجيع حركة الطباعة والنشر.
 

تلك هي أهم محاولات الإصلاح التي شهدها التعليم الإسلامي بجامع الزيتونة كما رصدها ابن عاشور في نهايات القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر، ساعياً إلى تبين مآلاتها واستخلاص عبرتها، ولقد كان لمحاولة خير الدين أثر مهم إذ تحقق فيها الكثير مما جاهد في سبيله دعاة الإصلاح طيلة أربعين عاماً.
 

•    العلوم الإسلامية: أوجه قصورها وأسباب تأخرها ومداخل إصلاحها:

مع اهتمام الشيخ ابن عاشور بالمحاولات الإصلاحية للتعليم الإسلامي ونجاعتها؛ لكنه لم يكن مطمئناً لها لأنّه غلب عليها الاهتمام بالجوانب الشكلية والخارجية، وفاتها أمر جوهري هو أن يستوفي النظر والقول فيه، وهو جانب الأوضاع الداخلية والشروط الذاتية لذلك التعليم.
 

وقد ذكر ابن عاشور أن القصور عن الوفاء بحاجات المسلمين في العصر الحديث في ظل أوضاع تغير فيها نظام الحياة في أنحاء العالم تغيراً استدعى تبدل الأفكار والأغراض والقيم العقلية مما نتج عنه تغير أساليب التعليم، ومقادير العلوم، وقيمة كفاءة المتعلمين لحاجات زمانهم.
 

وقد تبرّم الطاهر بن عاشور من طريقة بعضهم حيث إنّك لتنظر للرجل ابن القرن الرابع عشر فتحسه في معارفه وعلمه وتفكيره من أهل القرن التاسع أو العاشر، مما هو معلول لوقوف تقدم التآليف عند الحد الذي تركه الواقفون، فرزئ الناس فائدة الانتفاع بأخلاقهم وعوائدهم ومكتشفاتهم، وسُلبوا شرف النفس باعتيادهم التقليد والاستكانة لكلام الغير، واعتقادهم أن ما أتى به الأقدمون هو قصارة ما تصل إليه قُدَرُ البشر، فهم إذن عالة عليهم في العلم، والعبارة، والصورة، والاختيار أيضاً).
 

ذلك – عند ابن عاشور - هو الحال العام للمسلمين في علومهم وأوضاعهم الفكرية والثقافية، مقارناً إلى ما تطورت إليه أحوال غيرهم من الأمم.
 

أما أسباب الفساد الذي أصاب التعليم الإسلامي فهو يُلَخّصه في عوامل ثلاثة:
1.    فساد المعلم.
2.    فساد التأليف.
3.    فساد النظام العام.

 

ويرى أنّ أجلى مظاهر الخلل في هذه الجوانب الثلاثة: " جهل المعلم أو المؤلف أو واضع نظام التعليم بمراتب الأفكار ومقدار قبولها، وبمراتب العلوم بالنسبة إلى قابلية الأفكار.
 

وقد ذكر ابن عاشور أنّ إصلاح التعليم على أهميته؛ لكن الأولى منه إصلاح العلوم؛ فلو أنّ الناس أحسنوا التآليف ونظروا في عوائق التحصيل فاستدركوا ناقصاً وأصلحوا مختلاً لما كان التلميذ يقرأ النحو طول زمانه وهو عاجز عن التكلم بكلام معرب، ولا كان يقرأ الأصول وهو يوم يختم المحلى لا يُحسن اختيار رأي بله استنباط حكم.
 

وقد اهتم ابن عاشور بمسألة تدوين العلوم والتأليف فيها لأنّ ذلك في رأيه من مبادئ نهضة الفكر البشري لا يجحده الإنسان إلاّ إذا لم يشعر أولاً بالحاجة إلى العلم وبسعته وبأنّه يتكامل بتلاحق الأفكار، وبأنّ الأفكار لا تستوي في منشآتها.
 

وقد ساق ابن عاشور خمسة عشرة سبباً ذات صبغة نفسية واجتماعية وثقافية يرى أنّها قعدت بالعلوم الإسلامية وأصابتها بالجمود والانكفاء.
 

ومن أهمها ما ذكره ابن عاشور أنّ العلوم في تاريخ المسلمين عَرَضَ لها توقف فجئي مع نهاية العصر العباسي بما قام من الفتن التي استأصلت الدولة العباسية وأضرمت ناراً في العالم كله، فأودت زهر العلوم في العالم الإسلامي، ووقف كل علم عند الحد الذي تركه المتقدمون".
 

إضافة لأسباب نفسية وفكرية عائدة للبيئة العلمية ذاتها المتمثلة في الإعجاب بآراء المتقدمين كيف كانت، وتنزيهها عن الخطأ، مع انعدام مَلَكة النقد وسيادة عقلية التقليد.
 

ويرى ابن عاشور أنّ الطالب عليه أن يقرأ تلك الكتب لتخدم فكره لا لتستعبد فكره، ولو اقتصر الطالب على التقليد لن يؤهل إلا للحصول على بعض ما أسسوه وحفظ ما استنبطوه.
 

وفي المقابل فإنّ ابن عاشور يرى الاهتمام بتراث المتقدمين وهو يدعو إلى موقف وسط قوامه أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده، لا أن نعتكف فيه أو أن نبيده، لأن العلماء السابقين إنما غرسوا لننمي، وأسسوا لنشيد، وابتدؤوا لنزيد.
لا أن يكون المرء قائماً على طريقة علماء عهود التقليد الذين مجّدوا أساتذتهم فعدُّوا كلامهم نهاية العلم؛ ولعلّ من أسباب ذلك كما يرى ابن عاشور انصباغ سائر المسلمين بالطرائق الصوفية بحيث قلّ أن تجد فيها مسلماً غير منتسب إليها، وليس خلاف الشيخ مع جانب الزهد وحسن العبادة والسلوك الموجود ضمن التصوف المحمود؛ بل المعارضة لما ترتب عليه من تعوُّد النفس لقبول ما لا يُفهم والاقتناع به ولو كان ذلك رموزاً ومغلقات؛ فضلاً عن كون بعض زعماء التصوف حقّروا من العلوم العقلية كعلم أصول الفقه والمقاصد والبلاغة والتاريخ والعمران، وقد أثّر هذا كثيراً على تراجع العلوم.

 

وقد تحدث عن دور الفلسفة في البحث عن الدقائق الفكرية وإنارة العقل وتدريبه على فتح أبواب الحقائق المصفودة، والحُكم الأعلى على عموم العلوم، ومع أنّ القرآن أتى بتعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال في أفانين مجادلاته للمعاندين وفي دعوته إلى النظر؛ فكان الواجب امتثال منهج القرآن في ذلك في طريقة التفكير.
 

وقد تحدث الطاهر بن عاشور عن دور الأوضاع الخلقية التي تنصبغ ببيئة تغيب فيها الدراسات التجديدية والعقلية حتى تؤثر في عقل المتعلمين والعلماء ويحصل سوء التفاهم بين العلماء في خلافياتهم وسرعتهم إلى نبز المخالفين وإشاعة التشنيع والسباب حتى تصبع فيئة الغالط إلى الحق أشدّ عليه من وقع الحسام لأجل الحميّة التي تشب فيه من اعتراض المعترضين.
 

وقد نقل ابن عاشور بعض الأمثلة التي يتناقلها الأشاعرة عن المعتزلة مذاهب يُقرّرونها بوجه يشك سامعه هل لهؤلاء المعتزلة عقل؛ وليس هذا في الحقيقة من قولهم بل هو من قبيل التهويل على المخالف، وهذا يجعلنا ننتهي إلى كثرة تحريف المخالفين كلام مخالفيهم وذلك شيء يعسر الاستثناء فيه.
 

ولعلّ هذه من أهم الأسباب التي أدّت في تقدير ابن عاشور إلى جمود العلوم الإسلامية، ولهذا يحتاج الأمر عنده إلى الإلمام بأسباب تأخر كل علم في ذاته من العلوم الإسلامية المتداولة؛ ليكون هذا البحث نبراساً تضيء به مسالك ما ينتحيه الأساتذة وما يهجرونه مما يمر بهم في أوقات المطالعة والتحرير؛ وليكون ذلك ممهداً لتأليف كتب قيمة في العلوم.
 

وقد ذكر المحقق الدكتور محمد الطاهر الميساوي عن ابن عاشور في استعراضه لبعض العلوم ما تحتاجه من تجديد وما حصل فيها من تدهور.
 

-    أولا: التفسير:
يرى ابن عاشور أنّ عد التفسير علماً تسامح، ولا يقبل بعده كذلك إلاّ كما لو كان شرحُ الشعر علماً؛ ولتأييد هذا الرأي والاحتجاج له يقدم تحديداً لمعاني العلم ينهض في جزء مهم منه على التعريف الأرسطي الشائع للعلم الذي تبناه وبنى عليه كثير من النظار الإسلاميين من متكلمين وفلاسفة وأصوليين.

 

ونظراً لكون علم التفسير منبع العلوم فإنّ ابن عاشور ينظر فيه على هذا الاعتبار خاصة وأنّ لأسباب تأخره أثراً قوياً في تأخر كثير من العلوم الإسلامية، خصوصاً الفقه والنحو واللغة.
 

وابن عاشور يأخذ على علماء التفسير أنّهم انصرفوا عن الاشتغال بانتزاع كليات التشريع إلا في مواضع قليلة.
 

ويرى أنّ ولعهم بالتوقيف والنقل اتقاء الغلط الذي عظّموا أمره في القرآن، وقد نتج عن ذلك أن أصبح الناس يغتفرون في التفسير النقل ولو كان ضعيفاً أو كاذباً ويتقون الرأي ولو كان صواباً حقيقياً؛ لأنّهم توهّموا أنّ ما خالف النقل عن السابقين إخراج للقرآن عمّا أراد الله به.
 

ويرى ابن عاشور أن من توابع التوقيف في التفسير ولع المفسرين بما ادعوه من أسباب النزول التي أصلها أنّ آيات نزلت على مناسبات فتوسّعوا فيها توسعاً ضيّق معاني القرآن العليا، مع أنّ وزان الآية العامة النازلة على سبب خاص وزان تذييلات القرآن المناسبة لما سبقها من الأحكام.
 

كما حمل ابن عاشور على من حشى كتب التفسير بالروايات الضعيفة ولم ينبّهوا على مراتبها قوة أو ضعفاً؛ حتى أوهموا كثيراً من الناس أنّ القرآن لا تنزل آياته إلا لأجل حوادث تدعو إليها، مع أنّ القرآن أتى لما فيه صلاح الأمة وصلاح الأحول الفردية والجماعية والعمرانية.
 

كما نبّه على الضعف اللغوي وأنّ التفسير قد عرض له الضعف وأصابه التأخر نتيجة الضعف في اللغة والبلاغة وقلّة المبرزين فيهما من المفسرين.
 

ولهذا فهو يؤكد على أن تفسّر التراكيب القرآنية جرياً على معاني الكلمات القرآنية بحسب استعمال اللغة العربية، ثم أخذ المعاني من دلالة الألفاظ والتراكيب وخواص البلاغة، ثم استخلاص المعاني المدلولة منها بدلالات المطابقة والتضمن والالتزام.
 

وابن عاشور اهتم بعلاقة العلوم المختلفة بالقرآن الكريم وتفسيره، وأن التوافق بين معاني القرآن وحقائق العلوم على الرغم من أنه يختلف باختلاف المقامات إلا أنّه ليس مطلقاً على عواهنه بدون ضوابط، وإنما تحكمه أصول ومعايير وشرطه أن لا يخرج عما يصلح له اللفظ عربية، ولا يبعد عن الظاهر إلا بدليل، ولا يكون تكلفاً بيّناً ولا خروجاً عن المعنى الأصلي، وفي ضوء ذلك وبعد مناقشة ونقضٍ لما ذهب إليه الشاطبي في المقدمة الخامسة من الموافقات حيث أنكر أن تكون للقرآن صلة بعلوم الأوائل والأواخر على السواء بناء على ما قرره من أميّة الشريعة وجريانها على معتاد العرب في الفهم والإفهام يرتب ابن عاشور علاقة العلوم المختلفة بالقرآن على أربع مراتب وهي:
1.    علوم تضمنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم (التاريخ)، وتهذيب الأخلاق، والفقه والتشريع، والاعتقاد، والأصول العربية والبلاغية.

 

2.    علوم تزيد المفسر علماً كالحكمة والهيئة والأصول العربية والبلاغية.
 

3.    علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له؛ كعلم طبقات الأرض والطب والمنطق.
 

4.     علوم لا علاقة لها به لبطلانها، كالزجر والعيافة والميثولوجيا، وإما لأنها لا تعين على خدمته كعلم العروض والقوافي.
 

-    ثانياً: علم الكلام:
إذا كان البحث في الوجود والموجود مسألة طبيعية تجيش بها النفس الشاعرة؛ فإنّ علم الكلام في إثباته عقائد الإسلام والاحتجاج لها يُمكن عدّه نظير قسم الإلهيات في الفلسفة.

 

وهكذا يُمهد ابن عاشور لتسجيل مأخذه على هذا العلم، وقد خلص إلى أنّ أهم أسباب تأخره: الخلاف في الاصطلاحات والصفات وتعديدها وكثرة الخلاف اللفظي، ونشأ عن ذلك عدم تحرير مواضع النزاع وتحديد المسائل تحديداً علمياً منضبطاً يرفع كثيراً من سوء التفاهم بين المختلفين والمتناظرين.
 

-    ثالثا: علوم اللغة (النحو والصرف):
يرى ابن عاشور أن اللغة التي أُلْهِمَها البشر منذ النشأة الأولى هي مبدأ حركة الفكر الإنساني الذي بمقتضاه جُعِلَ الإنسان بطبعه متعلماً ومُعلّماً.

 

ولكنها أصيبت بالجمود حين ألمّت الأمراض الاجتماعية بالمسلمين في القرن الخامس للهجرة، حتى إن المرء ليقرأ مسائل النحو كاملة ثمّ لا يكون من بعد قادراً على تحرير رسالة أو قول كلام معرب؛ فانطبق عليه قول من قال: (النحو صنعتنا واللحن عادتنا).
 

ويرى أنّ من الأسباب التي أخّرت علم النحو والصرف كثرة التطويل في إيراد خلاف البصريين والكوفيين مع أنّ أغلبه – برأيه – يرجع إلى اللفظ.
 

-    رابعاً: المنطق:
المنطق علم يعصم الذهن من الوقوع في الخطأ؛ وهو ليس مختصاً بالعبقرية اليونانية؛ وإن كان أرسطو هو الذي جمع أصوله إلا أنّه يمكن القول أنّ مثل هذه النظرة للمنطق هي التي حدت بالفيلسوف الإنجليزي جون لوك في سياق نقده للفكر الفلسفي المدرسي في العصور الأوروبية الوسطى إلى أن يقول قولته الساخرة: (إنّ الله لم يكن من البخل بحيث يخلق الإنسان ويجعل له رجلين، ثم يترك لأرسطو أن يجعله كائناً عاقلاً يفكر تفكيراً منطقياً).

 

وقد رأى ابن عاشور أنّ من أسباب الإخلال التي أصابت المنطق سوء الترجمة والغفلة عن التطبيق على أسلوب العربية التي نُقل لأجلها؛ لأنّه علم لساني لا عقلي؛ فضلاً عن كون بعض العلماء قد قالوا بتحريمه.
 

-    خامساً: الفقه وأصوله:
حاول ابن عاشور أن يستقصي حركات التفريع والاستنباط الفقهي كما انتهت إليه في كتب الفقه فوجد أنّه يُمكن تقسيمها قسمين:
أ‌.    قسم تذكر فيه الفروع وأنواع الحوادث مُذَيّلة بأحكامها مثل المدونة المروية عن الإمام مالك ومثل الجامع لمحمد بن الحسن الشيباني.

 

ب‌.    قسم تذكر فيه الكليات الفقهية التي يسميها المتأخرون الأصول القريبة، ويُفرّعون عليها المسائل الجزئية، مثل: قواعد القرافي، والأشباه والنظائر لابن نجيم..
 

لكن اقتصار الأغلبية من الفقهاء على ذلك وميلهم للتقديرات وتكرير الفروع كان في رأي ابن عاشور أقدم فساد أوجب تأخر الفقه وأطمع فيه القاصرين حيث رأوه غير محتاج إلى نظر أو خدمة علوم أخرى، بل هو صور لها أحكام تؤخذ مسلّمة.
 

وإذ كان للفقه علاقة بالأصول والعكس كذلك؛ فإنّ أيّ تأثر أو تأخر يصيب أحدهما سيصيب الآخر، ومن ذلك إبطال النظر في الترجيح والتعليل، وهذا يُفضي للتوقف في أحكام محدثات كثيرة، ويلزم منه إهمال النظر في مقاصد الشريعة، ويرى أنّ هذا كان سبباً للجمود، وأن أشأم ما نشأ عنه مسألة الحيل التي ولع بها الفقهاء بين مُكثر ومُقل.
 

كما ذكر أنّ من أنواع الضعف الذي قعد بالفقه؛ الضعف في علوم الاجتماع وحاجة الأمة إليه؛ مما نتج عنه مثلاً إهمال أحكام صور من البيوع إذ نزّل العلماء على بيوع الناس اليوم أحكام بيوع الآجال التي كانت في القرون الأولى من الهجرة، ولم يعتنوا بتخريج أحوال البيوع الحاضرة.
كما ذكر أنّ الفقهاء أوغلوا النظر في فقه الشعائر، وتضخّم هذا على حساب النوازل والمحدثات والوقائع الجديدة.

9 + 7 =