قراءة في عقليّة الطاهر بن عاشور المقاصدية (2/ 2)
6 جمادى الأول 1439
خباب الحمد

•    دواعٍ ومقاصد في التنظير للمقاصد:
لم يرَ ابن عاشور البحث في علم المقاصد من باب الترف العقلي وإنما هو ذو غايات عملية تهم المسلمين في حياتهم الفكرية والاجتماعية الراهنة، والقصد منه إغاثتهم ببلالة تشريع مصالحهم الطارئة متى نزلت الحوادث واشتبكت النوازل، وبفصل من القول إذا شجرت حجج المذاهب وتبارت في مناظراتهم تلكم المقانب.

 

ولأن البحث في المقاصد من الأمور التي أهملت في تاريخ العلوم الإسلامية كما رأينا؛ فإنّ ابن عاشور يدرك منذ البداية أن المقدم عليه لن يسير في طريق مطروقة ممهدة؛ ذلك أنّه حتى القواعد التي أصّلها بعض الأئمة مما يتصل بهذا المبحث جاءت متناثرة قد غمرتها الجزئيات التي استدل بها عليها فأبعدها ذلك عن ذاكرة من قد ينتفع بها عند الحاجة إليها.
 

وقد ذكر ابن عاشور أنّ الغرض من البحث في المقاصد؛ تجاوز ما يحدث بين المختلفين في مسائل الشريعة من عسر الاحتجاج إذ كانوا لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلة ضرورية أو قريبة منها يُذعن إليها المُكابر ويهتدي بها المُشبّه عليه؛ كما ينتهي أهل العلم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي إلى الأدلة الضروريات والمشاهدات والأصول الموضوعة، فينقطع بين الجميع الحجاج، ويرتفع من أهل الجدل ما هم فيه من لجاج. ورأيت علماء الشريعة بذلك أولى وللآخرة خير من الأولى.
 

ولكن قد يعترض معترض بقوله أنّ علم أصول الفقه قد تكفّل بذلك، وهو العلم الذي حوى ضوابط الاجتهاد وقواعد الاستنباط، وقنّن مسالك الرأي والنظر في نصوص الشريعة.
 

غير أنّ هذا لم يغب عن ابن عاشور؛ فقد أثاره هو نفسه وردّ عليه بأنّه لا غناء في علم الأصول؛ إذ إنّ معظم مسائله مختل فيها بين النُظّار، مستمر بينهم الخلاف في الفروع تبعاً للخلاف في تلك الأصول، ولهذا فهو يرى أنّ حقيقة الأمر أنّ الخلاف الناشب في أصول الفقه سببه أنّ قواعد الأصول نفسها قد انتزعت من الفروع الفقهية انتزاعاً؛ لأنّ علم الأصول قد جرى تدوينه في مرحلة متأخرة عن تدوين الفقه، ومن ثمّ لا مع في نظر ابن عاشور في بلوغ القطع واليقين بتطلبه بواسطة قواعد علم الأصول، ولذلك جاءت دعوته صريحة وقوية إلى مراجعة مسائل أصول الفقه وإخضاعها لميزان النقد والنظر وتنقيتها؛ لتؤدي بذلك إلى تأسيس علم مقاصد الشريعة؛ وغايته من ذلك الوصول إلى تحديد أصول جامعة لكليات الإسلام تهدي المجتهدين وتعصمهم في إجراء الأحكام وتكون لهم بمنزلة إبرة المغناطيس لربّان السفينة.
 

ومع تسليم ابن عاشور للجهود التي بذلها القرافي والعز بن عبد السلام ولكنهما وقفا دون بلوغ المقصود والمطلوب من رأيه، وقد اعتبر ابن عاشور أنّ الشاطبي هو الرجل الفذ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين؛ لكنّه صرّح أنّ أبا إسحاق قد تطوّح في مسائله إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمّات من المقاصد، بحيث لم يحصل منه الغرض المقصود، على الرغم من كونه أفاد جدّ الإفادة كما يقول ابن عاشور.
 

فمنهج ابن عاشور أنّه يعمد إلى تراث السابقين وخصوصاً الشطابي فيأخذ مهماته ويبني عليها؛ لا أن يقوم بمجرد نقله أو اختصاره كما صرّح بذلك في مقدمة الكتاب.
 

وهو يروم من بحثه إلى أن تكون غاية كبرى مقدمة لغيرها؛ بتحديد أصول جامعة لكليات الإسلام. وليست الكليات التي يقصدها هي ما جرى عليه الاصطلاح عند الفقهاء والأصوليين في حديثهم عن الكليات أو الضروريات الخمس؛ فهذه وإن كانت عنده مفاهيم أساسية في بناء تلك الكليات؛ إلاّ أنّها ليست كافية بذاتها لتهدي عملية الاجتهاد وتضيء مسالكها وتقيمها على أساس مكين أو تنتهي بها إلى القطع واليقين، ولهذا فالبحث في مقاصد الشريعة بغرض تحديد أصول جامعة لكليات الإسلام يريده ابن عاشور أن يكون باباً لحصول الوفاق في مدارك المجتهدين أو التوفيق بين المختفين من المقلدين وسبيلاً لانتظام أمر الأمّة وجلب الصالح إليها ودفع الضر والفساد عنها.
 

وقد نبّه ابن عاشور إلى قضية وهي أن علماء الشريعة وفقهاءها وإن استشعروا أهمية علم المقاصد وعملوا له في خصوص صلاح الأفراد؛ فإنّهم لم يتطرقوا إلى بيانه وإثباته في صلاح المجموع العام، خاصّة وأنّ هناك أبواباً مهمّة تنبني عليها أحكام كثيرة ذات تعلق قوي بمصالح الأمة في مجموعها وما يمكن أن يلحقها من مشاق قد أهمل النظر والبحث فيها.
 

•    ما بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة: إشكالات ومداخلات:
لعل ما أراده الطاهر بن عاشور محاولة إنشاء علم أصول الأصول في الفقه، وهو ما ذهب إليه سعيد الأفغاني إذ اعتبر كتاب ابن عاشور في المقاصد خطوة سديدة نحو ذلك.

 

ولكن يُمكن السؤال بصيغة أخرى وهي: هل السعي لتأسيس علم المقاصد سعي لتجاوز علم الأصول؟
 

يرى الأستاذ عبد المجيد تركي أنّه يمكن القول أن الشاطبي اهتدى في بحثه في المقاصد إلى صياغة جديدة محكمة الفصول واضحة البيان لعلم أصول الفقه التقليدي.
 

لكن عبد المجيد الصغير يرى حتمية تأسيس قول أو اجتهاد جديد في الشريعة يضمن القدرة على التكيف، ونخل الشريعة من مطلعها إلى مقطعها، حتى تساير ظروف الانحدار الشامل والسريع، والغاية من هذا القول نخل نظريات تقليدية في ضوء مقاصد الشريعة كما يقول الصغير.
 

لكن هنالك فئة ترى أن الدعوة إلى تأسيس علم مقاصد الشريعة تقتضي بالضرورة التخلي عن أصول الفقه بمناهجه وقواعده ومسائله بدعوى أنّه فقد وظيفته التاريخية وجدواه العلمية.
 

لكن علينا العودة إلى ما قُرِّرَ سابقاً من أنّ النظر في مقاصد الشريعة عموماً وعند ابن عاشور خصوصاً من غاياته تجاوزُ المنحى التجزيئي في تفهم أحكام الشريعة بمراتبها المختلفة، ومن ثمّ معالجة المشكلات التي تواجه المسلمين وفق رؤية كلية تنزل الحلول الشرعية على الوقائع والنوازل من حيث هي حالات جماعية تهم الأمة في مجموعها أو فئات واسعة منها، لا بما هي حالات وقضايا خاصة تهم أفراداً أفذاذاً منعزلاً بعضهم عن بعض.
 

وقد أفاد من منظور ابن عاشور عدد من المفكرين والأساتذة ومنهم: محمد باقر الصدر، محمد مهدي شمس الدين، وحسن الترابي، وعبدالحميد أبو سليمان، ولؤي صافي.
 

لهذا يقول المحقق ومُقدّم الكتاب محمد الطاهر الميساوي: ومرّة أخرى نلحظ أنّ الإشكالية ذاتها التي سبق لابن عاشور أن طرحها وسعى إلى علاجها، وإن اختلفت العبارة أو تباين سياق الطرح وعنوانه، ألا وهي إشكالية القطع والظن، والكلي والجزئي في فهم نصوص الشريعة واستخلاص دلالاتها وأحكامها، وصلة ذلك كله بقضايا المجتمع من حيث هي أمور كليّة تهم الأمة وجماعاتها أو فئاتها المختلفة لا مجرد نوازل أو قضايا جزئية تقتصر على أفراد منعزلين.
 

ففي رأي ابن عاشور أنّ المصلحة التي تتحقق بواسطة القياس الفقهي إلحاقاً لجزئي حادث غير معلوم حكمه بجزئي ثابت حكمه في الشريعة (مصلحة جزئية ظنية غالباً لقلة صور العلة المنصوصة)، وإذا كان مثل هذا القياس قد عُدّ حجّة عند الأصوليين والفقهاء؛ فلأن نقول بحجية قياس مصلحة كلية حادثة في الأمة على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي أو ظني قريب من القطعي، أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي.
 

على أنّ هذا لا يعني عند ابن عاشور الذي دعا بقوة ووضوح إلى تأسيس علم مقاصد الشريعة اطّراح علم أصول الفقه والتخلي عنه جملة وتفصيلاً؛ إذ سيستمر يؤدي وظيفة مهمة في النظر الاجتهادي الإسلامي حيث تستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية.
 

•    مقاصد الشريعة وقضايا التنظير الاجتماعي:
البحث في مقاصد الشريعة عند ابن عاشور مرتبط ارتباطاً قوياً ومباشراً بالبحث في نظام الاجتماع الإسلامي، مما يجعل من الضروري البحث عن قواعد أوسع.

 

إنها أربعة مفاهيم أساسية يرى ابن عاشور أنها تكون المحور الذي تدور عليه عقائد الإسلام وتعالميه وتشريعاته، وهي: الفطرة والسماحة والحرية (وترتبط بها المساواة) والحق (بمعناه الاجتماعي القانوني، ويرتبط به العدل).
 

فأم الفطرة فهي عنده الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالماً من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة، وهي حالة صالحة لصدور الفضائل عنها.
 

ومعنى وصف الإسلام بأنه فطرة الله أنّ الأصول التي جاء بها الإسلام من الفطرة، ثم تتبعها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء الإسلام وحرض عليها إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة من مقاصد من الخير سالمة من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة، لهذا يؤكد ابن عاشور أنّ جميع أصول الإسلام وقواعده تنفجر من ينبوع معنى الفطرة.
 

وربما أمكننا التعبير عن مفهوم الفطرة بمصطلح الطبيعة الإنسانية الشائع في الفكر الفلسفي والدراسات الاجتماعية الوضعية؛ إلاّ أنّ هذا المصطلح كما جرى تحديد معناه وتوظيفه في تلك الدراسات يميل في الغالب إلى استبعاد الأبعاد الغيبية والروحية للتكوين الإنساني.
 

ثم ينبثق عن ينبوع الفطرة معنى السماحة فهي عنده أكمل وصف لاطمئنان النفس وأعون على قبول الهدى والإرشاد، وهو يعتبر السماحة أصلاً قطعياً يُستدل عليه من الظواهر الكثيرة المبثوثة في نصوص الشريعة إذ إنّ كثرة الظواهر تفيد القطع، وضد السماحة الشدة والتشدد، وفي التعبير عن السماحة دلالة على السهولة واليسر، وكذلك مفهوم الرخصة باعتباره مظهر من مظاهر السماحة.
 

على أنّ ابن عاشور لا يرسل الكلام على عواهنه لينفتح الباب لمن شاء أن يقدر ما شاء وكيف شاء، رخصة كان أم سواها، مما هو متعلق الأحكام الشرعية؛ فالأمر عنده يتطلب علماء أهل نظر سديد في فقه الشريعة، وتمكن من معرفة مقاصدها، وخبرة بمواضع الحاجة في الأمة، ومقدرة على إمدادها بالمعالجة الشرعية لاستبقاء عظمتها، واسترفاء خروقها، ووضع الهناء بموضع النقب من أديمها، وحتى لا يكون هذا خارجاً من اجتهاد فردي ولكي يكون له حدوده فقد دعا منذ الأربعينيات إلى جمع مجمع علمي من أكابر علماء الإسلام ليبسطوا بينهم حاجات الأمة ويصدروا فيها عن وفاق فيما يتعين عمل الأمة عليه.
 

ويكافئ مفهومي الفطرة والسماحة أهمية مفهوم الحرية ويتكامل معها في النظر المقاصدي لابن عاشور، ففضلاً عن كون الحرية مقصداً من مقاصد الشريعة فهي كذلك أصل من أصول المجتمع الإسلامي الذي حاول أن يرسم معالمه في أصول النظام الاجتماعي في الإسلامي.
 

وقد بيّن الطاهر بن عاشور أنّ الحريّة لها أصلان لغويان:
الأول: الحرية ضد العبودية وذلك بأن يكون تصف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة تصرفاً غير متوقف على رضا أحد آخر.

 

وأما المعنى الثاني فهو ناشئ عن الأول بطريقة المجاز في الاستعمال، وهو تمكن الشخص من التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض.
 

والحريّة كما يقرر ابن عاشور أنّها خاطر غريزي في النفوس البشرية، فبها نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل، وبها تنطلق المواهب العقلية متسابقة الابتكار والتدقيق.
 

ويبيّن الشيخ أنّ مفهوم الحريّة من خلال سيرورته وصيرورته من أفق التجربة التاريخية الإنسانية فيؤديه للتأمُّل في مسيرتها إلى أنّ أفراد البشر وجماعاته قد تعرضوا من جراء التصرف بالحرية دون اتزان إلى كوارث لحقت الأشخاص وتشاجر حدث بين الجماعات.
 

ولم يكن ابن عاشور غافلاً عن سيرة مفهوم الحرية في الثقافة الغربية الحديثة وما اتخذه من معانٍ وأبعاد خصوصاً منذ اندلاع الثورة الفرنسية التي قوّضت النظام الملكي الإقطاعي وأقامت مكانه نظاماً جمهورياً.
 

لهذا فهو يتوقف عند الحريات الأربع التي قام حولها نوع من الإجماع في الفكر السياسي والاجتماعي الحديث وهي:
1.    حرية الاعتقاد.
2.    حرية التفكير.
3.    حرية القول.
4.    حرية الفعل.

 

فيقرر أنّها محدودة في نظام الاجتماع الإسلامي بما حددت به شريعة الإسلام أعمال الأمّة الإسلامية في تصرفاتهم الفردية والجماعية في داخل بلاد الإسلام ومع الأمم المجاورة والمتعاملة، من جلب مصلحة المسلمين ودرء المفسدة عنهم، وترجيح درء المفسدة على جلب المصلحة إن تعذر الجمع بين الأمرين، ومن سلوك أمثل الطرق السياسية لتأمين الأمة من غوائل العدو ومكر من يتربص بهم الدوائر.
 

وقد وقف الشيخ الطاهر بن عاشور في موضوع حرية الاعتقاد عند مسألة الردة التي تُمثّل واحداً من أهمّ موارد الاعتراض على الفكر الإسلامي في العصر الحديث فيرى فيها الرأي السائد بين جمهور الفقهاء والقائل بعقوبة القتل فيها؛ إلاّ أنّه يُقدّم تفسيراً لشرعية هذه العقوبة يُمكن اعتباره من أجمع التفسيرات التي قدمت لها، بل يُمكن أن نزعم أن التفسير السياسي والاجتماعي لعقوبة الردة الذي قال به عدد كبير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين في تنظيرهم لمفهوم الدولة الإسلامية ونظامها السياسي لم يخرج عمّا قرّره ابن عاشور.
 

وقد قدّم ابن عاشور تفسيرات لعقوبة حد الردة وأنّ الشخص حين دخل الإسلام قناعة قد قطع على نفسه عهداً يحق الوفاء به؛ فإذا ارتد عن الإسلام فإنّه يكون حينئذٍ قد نقض عهده وذلك سلوك يُصيّره مثلاً سيئاً يجب على أمّته أن تطهر نفسها من وجوده لئلا ينفرط عقد الجامعة بالانسلال منه، ولئلا يتهاون الداخل في الإسلام بأن يدخله تجربة فإن وافق أهواء أعماله استمر فيه وإلاّ انخزل عنه، ولئلا يتوهم ضعاف العقل بانخزاله أنّه جرّب الدين فوجده غير مرضٍ ولئلا يكون الدخول في الدين من ذرائع التجسس على الأمّة.
 

وقد حاول محقق الكتاب د. محمد الطاهر الميساوي أن يذكر اعتبارات أخرى تُعزّز قول من قال أنّ حد الردة كان ظرفياً لأن الأمّة الإسلامية كانت في أطوارها الأولى في التكوين؛ مما جعل من الضروري سد الذرائع أمام كل ما من شأنه أن يُسبب خللاً في كيانها الثقافي وتماسكها الاجتماعي؛ أمّا وقد استوى عودها، وأصبح وجودها على ما به من ضعف ممتداً على نطاق العالم أجمع، فقد يبدو أنّ العقوبة على الارتداد يُمكن أن لا تؤدي إلى تحقيق المقصد منها الذي صرّح به ابن عاشور في كلامه.
 

وبالنسبة لحرية الفكر عند ابن عاشور فليست ذات اتجاه واحد بمعنى أن يُعرب المرء عن رأيه دون حاجز أو مانع أو خوف من أحد، وإنما يكتمل أمرها ويستقيم حالها بأن يكون الآخرون على استعداد لتلقي الرأي المخالف بالاحترام، ذلك أنّه من الأسباب في تقدم الأمة بعلومها وقبولها لمرتبة التنور وأهليتها للاختراع في معلوماتها أن تسب على احترام الآراء.
 

يقول الطاهر الميساوي: إن ابن عاشور يبدو مفرط الحساسية في كلامه عن الحرية، شديد الحرص على معانيها وتعميق الشعور بقيمتها في عقول المسلمين وضمائرهم، وكفى قوة ووضوحاً في موقفه إزاءها أن جعلها في المقدمة من مقاصد الشريعة التي عليها مدار نصوصها وأحكامها، مثلما نظر إليها بوصفها أصلاً من أصول نظام الاجتماع الإسلامي، فهي عنده في المبتدأ والمنتهى.
 

ولا ينفصل البحث في مسألة الحرية عند ابن عاشور عن الكلام على مفهوم الحق؛ لأنّ استعمال الحرية محوط بسياج من الحقوق، وتحديد الحرية مرجعه إلى مراعاة الحقوق التي تدحض الانطلاق في استعمال المرء حريته كما يشاء.
 

والحق والعدل في نظر ابن عاشور متصلان ومتلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، بل إنّ ماهيّة العدل عنده أنّه تمكين صاحب الحق بحقه بيده أو يد نائبه وتعيينه له قولاً أو فعلاً.
 

والعدل شأنه شأن الحرية هو الآخر مستقر حسنه في الفطرة الإنسانية، ذلك أن كل نفس تنشرح لمظاهر العدل ما كانت النفوس بمعزل عن هوى يغلب عليها في قضية خاصة، أو في مبدأ خاص تنتفع فيه بما يُخالف العدل بدافع إحدى القوتين الشاهية والغاضبة.
 

وقد نبّه ابن عاشور أنّ الباحث في نظام الاجتماع الإنساني وظواهره وحركته أحوج إلى قواعد أوسع من قواعد أهل أصول الفقه؛ ذلك أنّ هداية الوحي الخاصة بشؤون الحياة الإنسانية عامة والبصائر التي يقدمها عن الوجود الاجتماعي للإنسان بأبعاده المختلفة وظواهره المتعددة لا تقتصر على ما اعتاد علماء الفقه والأصول غالباً النظر فيه والتركيز عليه مما عُرف بآيات الأحكام وما لحقها من الأحاديث النبوية.
 

وكذلك ذكر الطاهر الميساوي أنّ القرآن يُقدّم في قصصه التاريخي عن الأنبياء وأقوامهم وفي وصفه لظواهر المجتمع بل وظواهر الطبيعة أيضاً مُعطيات ومعلومات غزيرة ذات صلة وثيقة بفهم الوجود الاجتماعي والتاريخي للإنسان يحتاج للتعامل معها والاستفادة منها إلى منهج علمي من التفسير والتأويل والتحليل والتركيب غير ما يوفره علم أصول الفقه للاجتهاد الفقهي التشريعي؛ فضلاً عن أنّ الآيات الكثيرة التي تتحدث عن الخلق وتقرر عقائد الإيمان من توحيد وبعث وجزاء وغيرها، وتلك التي تتحدث عن الأمانة التي حُمّلها الإنسان والاستخلاف الإلهي له، أو ما يُمكن أن نُعبّر عنه بالرؤية الإسلامية الكليّة للوجود والحياة.
 

إنّ العلاقة بين البحث في المقاصد والبحث في التاريخ والاجتماع البشري معتبرة وبينها صلة وطيدة، وقد ذكر الشاطبي أنّ كليّات الشريعة التي يحددها بالضروريات والحاجيات والتحسينيات ويقرر أنها وإن تفاوتت في المرتبة فقد استوت في أنها كليات معتبرة في كل ملة، أما ابن خلدون فهو يؤكد بعد أن يقرر المقاصد الشرعية في الأحكام أنّها كلها مبنية على المحافظة على العمران، أن الاجتماع البشري في أجيالهم المختلفة إنما هو للتعاون على تحصيل معاشهم بالابتداء بما هو ضروري منه وبسيط قبل الحاجي والكمالي.
 

لهذا كانت غاية الشاطبي الوصول لكليات مقتبسة من الشريعة تُضاهي الكليات المقتبسة من الوجود وتستوي معها في العموم والاطراد، والثبوت من غير زوال، والحكومة على ما سواها من قول أو فعل.
 

أما ابن خلدون فغايته وهو ينظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران تمييز ما يلحقه من الأحوال لذاته، وبمقتضى طبعه، وما يكون عارضاً لا يعتد به، وما لا يُمكن أن يعرض له؛ ليكون ذلك لنا قانوناً في تمييز الحق من الباطل في الأخبار والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه؛ ولا يمكن بلوغ ذلك كما يؤكد ابن خلدون إلا باعتبار المطابقة في صدق الوقاع وصحتها..
 

وهكذا فنحن أمام محاولة للبحث عن الأصول العامة والكليات الثابتة المطردة التي تكون معياراً وميزاناً لغيرها؛ فالشاطبي يريد أن يتجاوز بهذه الأصول والكليات حالة التشتت والجزئية في النظر إلى نصوص الشريعة وأحكامها التي آل إليها أمر الفقهاء غفلة منهم عن المنطق العام الذي ينتظمها والمقاصد الكلية المنوطة بها، أما ابن خلدون فيريد أن يضع بها حداً لذهول المؤرخين وغفلتهم عن أسباب العمران وعلله وسننه.
 

فكأنما الرجلان قد شعرا بالحاجة المُلِحّة إلى رؤية كلية شاملة للشريعة والاجتماع الإنساني.
 

•    ابن عاشور وبحث المقاصد في العصر الحديث:
إن كان الشاطبي المعلم الأول في علم المقاصد على الصعيد المنهجي والتأسيس العلمي؛ فإنّ ابن عاشور هو مُعلّمها الثاني حيث وسّع دائرة البحث في المقاصد وأعطاه وجهة جديدة تتجاوز به حدود السعي لتأسيس مجرد أصول تشريعية عقلية كلية قطعية.

 

ولعلّ من كتب في علم المقاصد من بعده الأستاذ علال الفاسي لكن الفاسي لم يكن مقصده على المقاصد نفسها بل سلك مسلك الاستطراد في عدة قضايا وموضوعات ثانوية جرّه إليها – في تقدير الطاهر الميساوي – منزع المجادلة والمساجلة، وذلك واضح في كلامه عن فكرة القانون الطبيعي عند اليونان، وقانون الشعوب عند الرومان، والمعتزلة الجدد، وهذا ليس بعيداً عنه فقد كان مناضلاً وزعيماً سياسياً يُجادل أهل المذاهب الفكرية ويجادل أهل السياسة.
 

ومع أن علال الفاسي ذكر في مقدمته أن من كتب في المقاصد لم يتجاوزوا الحد الذي وقف عنده الشاطبي ولم يبلغوا ما إليه قصد، أو أن بعضهم خرج عن الموضوع إلى محاولة تعليل كل جزء أجزاء الفقه آخذاً للمقاصد بمعناها الحرفي.
 

ومع أن الفاسي لم يذكر في مراجعه سوى كتاب قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام، وكتاب ولي الله الدهلوي إضافة لقواعد ابن فرحون وقواعد المقري وقواعد ميارة.
 

غير أن الطاهر الميساوي ذكر أن كتاب ابن عاشور الذي صدر عام 1366هـ / 1946م هو الكتاب الذي ظهر بعد الموافقات وخصص القسم الثالث منه لدراسة المقاصد الخاصة بأبواب المعاملات؛ فلعل من قصده الأستاذ علال الفاسي هو صاحب كتاب المقاصد ابن عاشور؛ مع ان الفاسي لم يذكر ابن عاشور مجرد ذكر في كتابه.
 

وقد خلص الميساوي أن ابن عاشور كان هو الحاضر الغائب عند الفاسي وهو يؤلف كتابه؛ فهو غائب حين جرى تجاهله، وحاضر نظراً لأن كثيراً من الأفكار التي دوّنها بشأن المقاصد قد ساعدت الفاسي على تأليفه، وذكر بعض النماذج في هذا التي استفادها الفاسي من ابن عاشور مع إغفاله لذكر الكتاب وصاحبه؛ كنموذج في سد الذرائع، وعلاقة الحِيَل بسد الذرائع، والمقصد العام من الشريعة، ومقامات الرسول صلى الله عليه وسلم في التشريع.
 

وذكر الطاهر الميساوي أن مراده هنا ليس أن نُزجي مدحاً لابن عاشور أو قدحاً للفاسي؛ وإنما ظاهرة عدم التواصل العلمي والتكامل التي أصابت الفكر الإسلامي؛ وهذا يُذكّرنا بما ذكره مالك بن نبي من غياب شبكة العلاقات الثقافية التي تسمح بالتفاعل والتواصل والتكامل بين علماء الأمة ومفكريها بدل أن يعيشوا وكأنما هم في جزر منعزل بعضها عن بعض.
 

لقد اهتم ابن عاشور في مقاصد الشريعة بموضوع السنة وأنها معظمها تشريعات جزئية لأنها في قضايا عينية؛ ولهذا فإن دراسة الأحوال الاجتماعية والسياسية والبيئة الثقافية التي تنزلت فيها والقضايا التي عالجتها تمثل مطلباً ضرورياً لتمييز ما اشتملت عليه كما يقول من موارد التشريع وإلحاق كل نص بنوعه.
 

واختتم الطاهر الميساوي مقدمته بوجود حضور قوي فاعل للهم المقاصدي في الفكر الإسلامي الحديث، وأن ما بدأه بهذه الرحلة مع ابن عاشور من هموم في إصلاح العلوم الإسلامية، وما أثاره من إشكالات وما طرحه من تساؤلات، يؤكد أن التحدي ما زال قائماً وأن المشروع ما زال مفتوحاً على المستقبل، يتحدى أهل الذكر وينتظر الإنجاز، سواء على مستوى إعادة بناء العلوم الإسلامية عموماً أو على مستوى تأسيس علم المقاصد كما تطلع ابن عاشور.
والله وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

5 + 0 =