شركة المضاربة في الفقه الإسلامي
5 رجب 1439
عبد الرحمن بن فؤاد الجار الله

إنَّ الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
 

أما بعد:
فإنَّ من الواجب على طلاب العلم أنْ يُلمّوا بشكلٍ كافٍ في العلوم الشرعية وبخاصة علم الفقه، وأصوله، فإنه من أجلِّ علوم الشريعة؛ إذ به يعرف المكلف أحكام عباداته من الأدلة الشرعية.

 

كما أنه من المتحتِّم على العلماء والباحثين أنْ يساهموا في توظيف العلوم الشرعية لدراسة ما يستجدُّ من النوازل والوقائع، ومن أبرزِ ما برزَ من النوازل، علم المعاملات المعاصرة، فهو لا يُعدُّ نازلة، وإنما هو في الحقيقة علمٌ مستقلٌّ، خليطٌ من فقه المعاملات، وعلم الاقتصاد، ومن محاسن الدراسات الأكاديمية، والبحوث العلميِّة المحكمة أنها أولتْ هذا الجانب اهتماماً مشكوراً، وإنْ كان يحتاجُ لمزيدِ اهتمامٍ، يتمثلُ في أمورٍ ليسَ هذا محلها، ومن فروعِ هذا العلم ما يتعلقُ بفقه الشركات كشركةِ المضاربة بالتركيز على صيغةِ التمويل عن طريق المضاربة؛ فهيَ تعدُّ من أهم صيغ استثمار الأموال في الفقه الإسلامي، وهي نوعٌ من المشاركة بين رأس المال والعمل، ومما يندرجُ تحته مراجعةُ القضايا التي تختلف فيها آراء الفقهاء، وتقويم عمليات البنوك الإسلامية في هذا الخصوص،...إلخ.
 

وإني من خلالِ هذه السطور سأتناول ما يختصُّ بـ"شركة المضاربة" دونَ تناول مايختصُّ بالجوانب المعاصرة، كصيغُ التمويلِ عن طريقها، وغيرها؛ إذ لا بدَّ لها من متفننٍ في المعاملات وهذا ما لم يكن للباحث.
 

وحرصت على أنْ يتضمن البحث الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة والنبوية وسواهما، وأن ترتبط الأحكام التفصيلية بالمقاصد العامة للشريعة، وأن لا يقتصر العرض على مذهب واحد بل يبنى على مختلف المذاهب المعتبرة ما أمكن ذلك.
 

وأعلم أنْي بهذا أرتقي مرتقاً صعباً، وألج مولجاً صلباً، وليس مثلي من يقوم به، ولكن مُكره أخاك لا بطل، وإبراء للذمة، وتبعاً لذلك تكليف الدراسة الأكاديمية، لهذا وذاك كان هذا البحث المتواضع، سائلاً الله عز وجل التوفيق والسداد، ومنه وحده العون والطول.
 

ولعلمي بالعجز عن الإحاطة والاستيعاب بجوانب الموضوع، فدون حصره خرط القتاد، وفتُّ الأكباد، فلا يفي بهذا الموضوع الكبير، والبحر الزاخر، بطون الكتب، ومضامين الأسفار، فضلاً عن هذه الأوراق والسطور، فمثله بحاجةٍ إلى دراسات طويلة، مُعمقة، وموضوعية، وكلُّ هذا مما لا يتقنه مثلي.
 

لذلك حرصتُ على الإشارة وعلى عُجالة إلى العناصر المحورية، والجوانب الأصيلة فيه، واجتهدت فيه، والخطأ من لوازم البشرية، ولكنَّ حسبي أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيب. وأعلم أني قد تجاوزت الحدَّ في النطاق المُحدد للصفحات، ولكنَّ عُذري أنَّ الموضوع لا يمكن تناوله بما حدِّدَ، وقد أسهبتُ أول الأمر، ثمَّ حذفت ما رأيت أنه أقلُّ أهمية من غيره، ولذا قد يجدُ القارئ الناقدُ، في بعض الفصول تكلفاً في الربط بين بعض الأفكار، وكلُّ هذا من نتائج ذلك الحذف.
 

وهدفي من هذه الدراسة المتواضعة هو جمع شيءٍ مما تفرق في الموضوع، من خلال جمع مذاهب السلف، وأقوال أهل العلم-رحمهم الله تعالى-، في بعضِ المسائل، من بطون الكتب، ومضامين الأسفار، فكلُّ الخير في اتباعهم:

وخير الأمور السالفات على الهدى *** وشر الأمور المحدثات البدائع

ومع ذلك فلست كالأول حين قال:

وإني وإن كنت الأخير زمانه *** لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل(1)

فإني بالتقصير لمعترفٌ، ومن بحر الخطايا لمغترف، ولكني متشبهٌ بأهل الفضل والعلم، من باب قول الأول:

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إنَّ التشبه بالكرام فلاح(2)

 

على أني-والله- لا أرى للنفس منزلةً تُعدُّ من منازل النبلاء، ولا للذات منهل مورد كمناهل العلماء، كيف ذا؟!، ومن نحنُ إلى جانب تلك الجبال؟!، ولكني أرجو، والرجاء من عادة الموقنين، واليأس من عادة القانطين.سائلاً من الله الإجابة والتوفيق. كما أسأله تعالى مجانبة الزلل، والثبات على صراط الصواب، وأن يثيبني عليه من كرمه سبحانه جزيل الثواب، فمأمولي من الناظر فيه إن رأى حسناً دعا، أو خللاً يُصلَحُ عفا؛ فإن الإنسان غير معصومٍ(3)، على أني متمثل في الحال بقول من قال:

ماذا تؤمل من أخي ثقـة *** حملتـه ما ليس يمكنــه
إن بان عجز منه فهو على *** عـذر يبين إذا يبرهنــه
قدمت فيما قلت معتذرا *** هذا طراز لست أحسنـه

 

التمهيد
المطلب الأول: التعريف اللغوي والاصطلاحي:
الفرع الأول: تعريف الشركة لغةً:
أصلها (شَ رَ كَ) والشَّرِكةُ والشِّرْكَةُ: المُخالَطَةُ، والشريك: هو المُشارك وهو الداخل مع غيره في عمله، وجمع الشَّرِيكِ شُرَكاءُ وأشراكٌ.
وهي: أنْ يكون الشيء بين اثنين أو أكثر للقيام بعمل مشترك، ويقالُ: شاركتُ فلاناً في الشيء إذا صرتُ شريكه، ويقالُ اشْتَركْنَا بمعنى تَشاركنا(4).
وجاء في المعنى اللغوي: قول الله جل ثناؤه في قصة موسى: {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}(5).
وفي الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (من أَعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ فَكَانَ له مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عليه...) الحديث(6)، أي: حصة ونصيباً.
وَتطلق الشركة على الِاخْتِلَاط الذي هو صِفَةٌ لِلْمَالِ، وتطلق على خلط الشريكين الذي هو فِعْلِهِمَا، وتطلق كذلك على الْعَقْدِ نفسه، لكَوْنِهِ سَبَبًا للاختلاط(7).

 

الفرع الثاني: تعريف الشركة في الاصطلاح:
يلحظُ الباحث في الفقه أنَّ بعض الفقهاء قد أغفلَ تعريف الشركة اصطلاحاً بمعناها العام؛ لأنها مختلفة الأنواع متغايرة الأحكام والشروط، وسأورد هنا شيئاً مما وقفت عليه؛ لأنَّه يتحتمُ علينا تعريف المصطلحات على انفراد قبل تعريفها مُركّبةً، ومن ذلك:
1.    الحنفية: عرّف الحنفية الشَرِكَةُ بأنها: أَنْ يَمْلِكَ اثْنَانِ عَيْنًا إرْثًا أو شِرَاءً(8).
2.    المالكية: عَرَّفَهَا ابن عَرَفَةَ بمعناها الأعم: بِقَوْلِهِ:
 هي تَقَرُّرُ مُتَمَوَّلٍ بين مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ مِلْكًا فَقَطْ(9).
3.    الشافعية: عرفها الشافعية بقولهم:
 ثُبُوتُ الْحَقِّ في شَيْءٍ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ على جِهَةِ الشُّيُوعِ(10).
4.    الحنابلة: عرفها الحنابلة بقولهم:
الشَّرِكَةُ: عِبَارَةٌ عن اجْتِمَاعٍ في اسْتِحْقَاقٍ أو تَصَرُّفٍ(11).

 

هذه تعريفات الشركة اصطلاحاً عند بعض الفقهاء، وحيثُ أنَّ موضوع البحث "شركة المضاربة"؛ والأهمُّ فيه تناول لفظِ "المُضاربة" بالتفصيل، فإنني لا أجدُ حاجةً ماسّةً لمناقشة تعريف الشركة عند الفقهاء والترجيح بينها؛ لما فيه من استطراد وتطويل قد يخرجنا عن مقْصدنا(12)(*).
 

الفرع الثالث: تعريف المضاربة:
أولاً: لغة:
أصلها (ض ر ب)، وهي مفاعلة من ضرب في الأرض: إذا سار فيها، وتسمية المضاربة بهذا الاسم في لغة أهل العراق ومنه قوله تعالى: {وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ}(13)، وقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}(14)، أي: سافرتم، وقوله: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ}(15)، يُقال: ضرب في الأرض إذا سار فيها مُسافراً. فكأنه مأخوذ من الضرب في الأرض لطلب الرزق.
وهي- أي: المُضاربة-: أن تعطي إنساناً من مالك ما يتجر فيه على أن يكون الربح بينكما، أو يكون له سهم معلوم من الربح.

ومناسبة الاشتقاق:
لأنَّ العامل إنما استحقَّ الربح بعمله وضربه في الأرض، أو: لأنَّ كلا من الشريكين يضرب بسهم في الربح، فيسمى كلاً منهما مضارباً.
أما أهل الحجاز فيسمون عقد المضاربة: قراضاً أو مقارضة، وهو مشتق من القطع؛ لأنَّ أصل القرض في اللغة: القطع، قال الزمخشري: أصلها من القرض في الأرض وهو قطعها بالسير فيها(16)؛ وذلك لأنَّ المالك قطع للعامل قطعة من ماله وأعطاها له مقارضةً ليتجر فيها (17).
واختار الحنفية والحنابلة التسمية بالمضاربة؛ لكونها موافقة للنصِّ -كما سيأتي-(18)، واختار المالكية والشافعية التسمية بالقراض(19).
ويتضح من ذلك أنَّ المعنى متفق وإنْ اختلف الإطلاق اللغوي(20).

 

ثانياً: اصطلاحاً:
اختلف الفقهاء في تعريف المضاربة، والقِراض، وإيثاراً للاختصار فإني سأورد التعريف المختار مع شرحه، دون التطرق للخلاف في تعريفه:
المضاربة: هي عقدٌ يتضمن مال خاص، وما في معناه، معلومٌ قدره، ونوعه وصفته، من جائزِ التصرف، لعاقل مميز رشيد، يتجِّرُ به، بجزءٍ مُشاع معلوم من ربحه له، حسب الشرط والاتفاق.

 

شرح التعريف:
قولنا: "عقد": يشمل كلَّ عقد بين اثنين أو أكثر.
قولنا: "يتضمن دفع": أي تسليم المال للعامل، لا دينٌ في ذمة المضارب؛ لعدم حضور المال وتسليمه.
قولنا: "مالٍ خاص": وهو كلُّ ما لا تختلف قيمته بالارتفاع والانخفاض من العملات المستعملة.
قولنا: "وما في معناه": أي: معنى الدفع، كالوديعة، والعاريَّة، والمغصوب، إذا قال ربها لمن هي بيده: ضارب بها.
قولنا: "معلومٌ قدره، ونوعه، وصفته": أي: المال المدفوع، كقوله: خذ عشرين ألف ريال سعودي ضارب بها.
قولنا: "من جائز التصرف": وهو: البالغ العاقل المالك للمال، أو من ينوب عنه، وكذا المميز المأذون له في التجارة.
قولنا: "لعاقل مميز رشيد": فلا تصحُّ من مجنون، ولا صبيٍّ غير مميز، ولا سفيه.
قولنا: "يتجر فيه": بالبيع والشراء.
قولنا: "من ربحه": أي: من ربح المال.
قولنا: "له": أي: للعامل.
قولنا: : حسب الشرط والاتفاق": أي: الربح في المضاربة يكون بحسب الشرط بين المتعاقدين(21) (22).

 

المطلب الثاني: مشروعيّة المضاربة وأركانها:
الفرع الأول: مشروعية المضاربة:
ويشمل النقاط التالية:
اتفاق الفقهاء عليها، وأدلة المشروعيّة، من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
اتفاق الفقهاء على مشروعيّة المضاربة:
لا خلاف بين الفقهاء في مشروعيّة المضاربة وجوازها، وأنها كانت في الجاهليّة فأقرها الإسلام (23)، قال ابن عبد البر –رحمه الله-: " والقراض مأخوذ من الإجماع الذي لا خلاف فيه عند أحد من أهل العلم وكان في الجاهلية فأقره الرسول صلى الله عليه وسلم في الإسلام"(24).
قال ابن رشد: "ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام"(25).
قال ابن حَزْمٍ: "وَلَكِنَّهُ إجْمَاعٌ صَحِيحٌ مُجَرَّدٌ وَاَلَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ كان في عَصْرِهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلِمَ بِهِ وَأَقَرَّهُ وَلَوْلَا ذلك لَمَا جَازَ..." (26).
ونقل الإجماع عليه عن ابن المنذر غير واحدٍ من أهل العلم(27).

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد كانَ بعض الناس يذكرُ مسائل فيها إجماعٌ بلا نص كالمضاربة، وليس كذلك، بل المضاربةُ كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش، فإنَّ الأغلب كان عليهم التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد سافر بمالِ غيره قبل النبوة، كما سافر بمالِ خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كانَ أكثرها مضاربةً مع أبي سفيان وغيره، فلما جاء الإسلامُ أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه يُسافرون بمال غيرهم مضاربةً ولم ينهَ عن ذلك، والسنةُ قوله وفعله وإقراره فلما أقرها كانت ثابتةً بالسنة"(28).
 

أدلة مشروعية المضاربة من الكتاب والسنة والآثار والإجماع والقياس:
أولاً: الكتاب: فقد ورد في الكتاب آيات تدل على مشروعية المضاربة، وهي:
1.    قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}(29).
واعتُرض على هذه الآية: بأنها نزلت في جماعة من المسلمين لما تأثموا أنْ يتجروا في موسم الحج؛ فهي خاصة.
ويجابُ عنه: بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(30).
2.    قوله تعالى: {وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}(31).
واعتُرض على هذه الآية: أنها ليست من باب العام، فتشمل الضرب في الأرض بأنواعه، ومنه المضاربة، بل هي مطلقة، تحتمل الضرب في الأرض للمضاربة، وغيرها، وإذا صدق بصورة من صوره على الضرب في الأرض لغير المضاربة، فلا يتعين أنْ يحمل على المضاربة؛ لأنه محتمل له ولغيره.
ويُجاب عنه: بأنَّ الآية من العام الشامل لجميع ما يدلُّ عليه، فتصدق على المضاربة وغيرها من أنواع الكسب، بدليل الآية التالية(32).
3.    قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}(33).
وهذه الآيات تأمر وتحثُّ على الابتغاء من فضل الله، والمضارب يبتغي بسعيه فضل الله، كما يبتغي بعمله الرزق والتجارة، فتكون الآيات دالة على مشروعية المضاربة إجمالاً بعموم النصوص(34).

 

ثانياً: السنة: جاء في السنة ما يدلُّ على مشروعية المضاربة، ومنها:
1.    عن صُهَيْبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْبَيْعُ إلى أَجَلٍ وَالْمُقَارَضَةُ وَأَخْلَاطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لَا لِلْبَيْعِ) (35).
2.    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أنْ لا يسلك به بحرا ولا ينزل به واديا ولا يشتري به ذات كبد رطبة فإن فعل فهو ضامن. فرفع شرطه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه"(36).
3.    أنه صلى الله عليه وسلم ضارب لخديجة رضي الله تعالى عنها بمالها إلى الشام، وأنفذت معه عبدها ميسرة(37)، قبل أن يتزوجها بنحو شهرين وسنة إذ ذاك نحو خمس وعشرين سنة(38)، احتجَّ به الماوردي(39) وغيره(40).
وجه الاستدلال: أنه صلى الله عليه وسلم حكاه بعد البعثة مقرراً له، فدل على جوازه(41).
واعتُرض على الاستدلال به: بأن سفره لخديجة كان على سبيل الاستئجار لا على سبيل المضاربة؛ لما قيل: من أنها استأجرته بقلوصين أي ناقتين.
وأجيب: باحتمال تعدد الواقعة، فمرة سافر على سبيل الاستئجار، ومرة على سبيل المضاربة، أو أنَّ من عبّر بالاستئجار تسمّح به فعبّر به عن الهبة(42).
4.    وَكَذَا بُعِثَ رسول اللَّه ِصلى الله عليه وسلم وَالنَّاسُ يَتَعَاقَدُونَ الْمُضَارَبَةَ فلم يُنْكِرْ عليهم.
وجه الاستدلال: أنَّ في ذَلِكَ إقْرارٌ لهم، وَالإقْرارُ أَحَدُ وُجُوهِ السُّنَّةِ(43)، وقد مرّ كلامُ الأئمة في أول المطلب.

 

ثالثاً: الآثار:
 وقد جاءت آثار عن الصحابة رضي الله عنهم تدلُّ على جواز المضاربة، ومنها:
1.    ما رواه عروة بن الزبير عن حكيم بن حزام رضي الله عنه: أنه كان يدفع المال مقارضة إلى الرجل، ويشترط عليه أن لا يمر به بطن واد ولا يبتاع به حيواناً ولا يحمله في بحر، فإنْ فعل شيئا من ذلك فقد ضمن ذلك المال، قال: فإذا تعدى أمره ضمنه من فعل ذلك(44).
2.    عَنِ الْعَلاَءِ بن عبد الرحمن عن أبيه عن جَدِّهِ أنَّ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ رضي الله عنه أَعْطَاهُ مَالاً قِرَاضًا يَعْمَلُ فيه على أنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا(45).
3.    وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه أعطى زيد بن خليدة مالاً مقارضة(46).
4.    عن أسلم قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جيش إلى العراق، فلما قفلا(47)؛ مرّا على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فرحب بهما وسهَّل وهو أمير البصرة فقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلتُ، ثم قال: بلى ههنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح، فقالا: وددنا، ففعلا فكتب إلى عمرَ أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا وربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكُلّ الجيش أسلفه كما أسلفكما؟، قالا: لا، قال عمر: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما؟!، أديا المال وربحه. فأما عبد الله فسلمه، وأما عبيدالله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو هلك المال أو نقص لضمناه. قال: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين: لو جعلته قراضا، فقال: قد جعلته قراضاً، فأخذ عمر المال ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال (48).
 وفيه دلالةٌ على مشروعيّة المقارضة؛ لعمل عمر به، ولم يُنكر عليه أحدٌ في ذلك.
5.    وقد رُوي نحوُه عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم: عمر بن الخطاب(49)، وابنه(50)، وغيرهم.

 

رابعاً: الإجماع:
 وذلك أنَّ الصحابة رضي الله عنهم تعاملوا بالمضاربة، ولمْ يكن فيهم مخالفٌ، ولا ثمتَّ منكرٌ، فيكون عملهم هذا دالاًّ على المشروعيّة، وبه يحصل الإجماع، قال الشوكاني بعدَ سياقه الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم في المضاربة: "فَهَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ على أَنَّ الْمُضَارَبَةَ كان الصَّحَابَةُ يَتَعَامَلُونَ بها من غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ ذلك إجْمَاعًا منهم على الْجَوَازِ"(51).
وقد مرَّ معنا في أول المطلبِ نُقولٌ عن بعضِ من نقلَ الإجماع عليه من أهل العلم.

 

خامساً: الدليل العقلي:
مما يُضاف إلى ما سبق أنّ الحاجة كذلك داعيةٌ إلى مشروعية المضاربة، فالإنسان قد يكون لديه مال لكنه لا يهتدي إلى استثماره، وقد يكون لديه ذكاء وفطنة وحسن تدبير، لكنه لا يملك رأس مال يستثمره(52)، لذلك كان القول بجواز المضاربة متوافقاً مع مقتضى العقل، وكان في تشريع هذا العقد دفعاً لحاجة الغني والفقير، والله سبحانه وتعالى ماشرع العقود إلا لمصالح العباد، ودفع حوائجهم(53).
قال في المقدمات: "والقراض مما كان في الجاهلية فأقر في الإسلام؛ لأن الضرورة دعت إليه لحاجة الناس إلى التصرف في أموالهم وتنميتها بالتجارة فيها وليس كل أحد يقدر على ذلك بنفسه فاضطر فيه إلى استنابة غيره ولعله لا يجد من يعمل له فيه بإجارة لما جرت عادة الناس فيه في ذلك على القراض فرخص فيه لهذه الضرورة واستخرج بسبب هذه العلة من الإجارة المجهولة"(54).

 

سادساً: القياس:

علمنا مما سبق بيانه أنَّ الفقهاء أجمعوا على مشروعيّة المضاربة، لكنَّ جمهور الفقهاء يرون أنَّ المضاربة وإن كانت مشروعة وجائزة، إلا أنها شُرعت على خلاف القياس؛ فهي عندهم رخصة، فالقياس لا يُجيزها؛ لأنَّ القياس يقتضي عدم جواز الاستئجار باجر مجهول، أو بأجر معدوم ولعمل مجهول، وقد ترك هذا القياس للأدلة السابقة من الكتاب والسنة(55).
وذهب بعض الفقهاء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى أنَّ المضاربة قد شُرعت على مقتضى القياس خلافاً للجمهور(56).

 

والذي يترجح والعلم عند الله ما ذهب إليه شيخ الإسلام وهو أنَّ المضاربة قد شُرعت على مقتضى القياس، وأنَّ المضاربة نوعٌ من أنواع الشركات؛ لاشتراك المضارب والعامل في المغرم والمغنم، كما أنَّ المطلوب في المضاربة هو المال، وليس عمل العامل، وبذلك تُخالف الإجارة.
 

ويؤيد هذا ما ذهب إليه بعضُ الفقهاء إلى أنَّ المضاربة من أنواع الشركات، وذلك في معرِض تعدادها(57)، وذلك ظاهرٌ جداً عندَ فقهاء الحنابلة(58)، وجاء في بدائع الصنائع-من الحنفية-: "أَنَّ الْمُضَارَبَةَ عَقْدُ شَرِكَةٍ في الرِّبْحِ"(59).
 

وقال في المبسوط-من الحنفية-: "وجواز عقد الشركة بين اثنين بالمال دليل على جواز هذا العقد؛ لأن من جانب كل واحد منهما هناك ما يحصل به الربح، فينعقد بينهما شركة في الربح، ولهذا لا يشترط التوقيت في هذا العقد، ولكل واحد منهما أن ينفرد بفسخه؛ لأنَّ انعقاده بطريق الشركة دون الإجارة"(60).
 

وما سبقَ ذكره، ونقلهُ عن الأئمة فيه دلالةٌ على أنَّ المضاربة من أنواع الشركات، وأنها على مقتضى القياس، والمسألة مبسوطةٌ في كتب الفقه المطوّلة؛ لذلك لم نُطل البحثَ فيها(61).
 

الفرع الثاني: أركان المضاربة:
يجدُ الباحث أنَّ الفقهاء قد اختلفوا في تحديد أركان شركة المضاربة.
وكذلك منهم من ذكر الأركان، ومنهم من عبّر عنها بالشروط، ولمْ أذكرْ إلا ما اشتهرَ منَ الأقوال، إيثاراً للاختصار، وهيَ كما يلي:
1.    ذهب الحنفية إلى أن ركن المضاربة الإيجاب والقبول بألفاظ تدل عليهما(62)، فالإيجاب: هو كلُّ لفظٍ يدلُّ على المعنى المقصود منها، كلفظ المضاربة، والمقارضة، وما يؤدي مثل هذا المعنى، والقبول: كلُّ لفظٍ يدلُّ على الرضا بذلك، كقول العامل: قبلت، أو رضيتُ ونحوها(63).
2.    وذهب المالكية إلى أنَّ الْقِرَاضُ أَرْكَانُهُ أربعة وهي: الْعَاقِدَانِ: وَهُمَا كَالْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ، وَالْمَالُ، وَالصِّيغَةُ وَالْجُزْءُ الْمَعْمُولُ لِلْعَامِلِ(64)، وزاد بعضهم خامساً، وهو: العمل(65).
3.    والشافعيّة منهم من ذهب إلى أنّ أركانه: صيغة، وعاقد، ومعقود عليه(66)، ومنهم منْ ذهب إلى أنها ستة: مالك، وعامل، وعمل، ومال، وربح، وصيغة(67). وقال في نهاية المحتاج: "ولها خمسة أركان: عاقدان، ومعقود عليه، وعمل، وصيغة"(68).
وقد زادوا في الأركان؛ لأنهم جعلوا العمل ركناً مستقلاً، وغيرهم يجعله تابعاً للمعقود عليه، حيث يشمل المعقود عليه: المال، والعمل معاً(69).
4.    وذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ أركانها هي: صيغة، وعاقدان، ومال، وعمل، وتقدير نصيب العامل(70).
وبالإجمال فإنَّ أركان المضاربة خمسةٌ، وهي: العاقدان، والمعقود عليه، والصيغة، والربح.

 

واعتبار أنَّ العمل داخل في المعقود عليه أولى؛ وهو الأنسب في التقسيم العلمي؛ لأنه مادام وجود العقد متوقفاً على المعقود عليه، فالقول بأنها "أركان" أولى، فتدخل ضمنها(71).
 

وهذه الأركان الخمسة يتوقف عليها تحقق عقد المضاربة، وإنْ فُقدَ أحدها لمْ توجدْ المضاربة، ويكون العقد فاسداً.
والمقصود بـ"العاقدين": صاحب المال، أو وكيله، والعامل.

 

و "المعقود عليه": يشمل:
أ‌-    رأس المال: وهو مالٌ خاص؛ فليست كلُّ الأموال تصلح للمضاربة.
ب‌-    العمل: وهو ما يقوم به المضارب نظير جزء مُشاعٍ معلومٍ من ربح المال.
و"الربح": المراد به: شرطُ جزءٍ مُشاعٍ معلومٍ لكلٍ من صاحب المال، والعامل، من الربح(72) (73).

 

المطلب الثالث: صفة عقد المضاربة (من حيث الجواز واللزوم):
تحرير محل النزاع: عقد المضاربة عند جماهير الفقهاء من العقود الجائزة، فلكل من الطرفين فسخه؛ ذلك أنَّ المضاربة -كما سبق بيانه- نوعٌ من أنواع الشركات، وعقود الشركات عقودٌ جائزة.
فالفقهاء متفقون ومنهم المالكية أنَّ العامل إذا لم يشرع في القراض(74)، أنَّ لكلٍ من المتعاقدينِ فسخه، بل نقل ابن رشد الحفيد الإجماع عليه(75).

 

والخلافُ بينهم فيما إذا شرع العامل في العمل –كما سيأتي-:
قال الكاساني: "وَأَمَّا صِفَةُ هذا الْعَقْدِ: فَهُوَ أَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،...، الْفَسْخُ لَكِنْ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ وهو عِلْمُ صَاحِبِهِ،...، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنًا وَقْتَ الْفَسْخِ،..."(76).
وقوله –رحمه الله- يُبينُ رأي الحنفية في ذلك، وهو جواز الفسخ بشرط علم شريكه بذلك، وكونُ رأس المال عيناً، فلا يجوز أنْ يكون عروضاً.

 

وقال الشربيني –من الشافعية-: "القراض جائزٌ من الطرفين،...، لكل منهما فسخه،...، متى شاء، من غير حضور الآخر ورضاه؛ لأنَّ القراض في ابتدائه وكالة، وفي انتهائه إما شركة، وإما جعالة، وكلها عقود جائزة،...، وللعامل بعد الفسخ بيع مال القراض إذا توقع فيه ربحاً"(77).
وهذا هو رأي الشافعية، وهو مبسوطٌ في كثيرٍ من كتبهم.

 

ورأي الحنابلة كرأي الحنفية والشافعية –كما سبق- في أنَّ المضاربة عقدٌ جائز، قال ابن قدامة: "والمضاربة من العقود الجائزة، تنفسخ بفسخ أحدهما أيهما كان،...، ولا فرق بين ما قبل التصرف وبعده،...، وإن انفسخت والمال عرض فاتفقا على بيعه، أو قسمه، جاز"(78).
 

ويتفق المالكية مع الجماهير فيما إذا لم يشرع العامل في القراض –كما سبقَ-، ويُخالفون الجماهير بعد شروع العامل في العمل، فيرون أنه عقد لازمٌ حيئذٍ(79)، كما أنهم يذهبون إلى أنه عقد يُورث؛ ارتكاباً لأخف الضررين، فإن مات المقارِضُ وكان له بنون أُمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإنْ لم يكونوا أُمناء كانَ عليهم أنْ يأتوا بأمين.
والجماهير على أنه عقد يبطل بموت أحدهما فلا يُورث(80).

 

الراجح: والله أعلم هو القول بأنَّ عقد المضاربة يبطل بموت أحد المتعاقدين، ولا يورث؛ لأنَّ عطاءَ ربِّ المالِ المالَ للمضارب متضمنٌ رضاه عن تصرفه، دون رضاه عن تصرف غيره، فكيف يلزم ربُّ المال بقبول تصرف من لمْ يرضَ به؟!(81).
 

المطلب الرابع: يد المضارب بين الأمانة(82) والضمان(83):
لا خلاف بين الفقهاء في أنَّ المضارب أمينٌ، وأنَّ رأس المال أمانة في يده، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم أن القول قول العامل في قدر رأس المال"(84)؛ وذلك لأنه أمين.
قال الكاساني- من الحنفية-: "رَأْسَ الْمَالِ قبل أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُضَارِبُ بِهِ شيئا أَمَانَةٌ في يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ" (85).
قال ابن عبدالبر – من المالكيَّة-: "والمقارض أمين مقبول قوله فيما يدعيه من ضياع المال وذهابه والخسارة فيه" (86).
قال الشربيني – من الشافعيّة-: "القول في ضمان مال القراض ولا ضمان على العامل بتلف المال أو بعضه؛ لأنه أمين فلا يضمن إلا بعدوان منه" (87).
قال الغزالي الشافعيُّ: "إذا تنازعا في تلف المال فالقول قول العامل؛ لأنه أمين ما لم يتعد. كالمودع وإن تنازعا في الردِّ فكذلك"(88).
قال ابن قدامة: "والعامل أمين في مال المضاربة؛ لأنه متصرف في مال غيره بإذنه لا يختص بنفعه فكان أمينا" (89).

 

ومعنى كون يد المضارب يدُ أمانة: أنها تأخذ حكم الأمين، فلا تتحمل تبعة هلاك ما تحتها من الأموال مالم تتعدَّ أو تفرط في المحافظة عليها. ويُصدق المضارب في دعوى التلف، وما إلى ذلك من أحكامِ الأمين.
 

فإنْ وقع شيءٌ من التعدي أو التفريط صارتْ ضامنةً، ولزمها غرْمُ بدل التالف لمالكه، المثل في المثليّات، والقيمة في القيميات، جاء في مجلة الأحكام العدليّة المادة (768): "الأمانة لا تكون مضمونة: يعني إذا هلكت، أو ضاعت بلا صنع الأمين، ولا تقصير منه، فلا يلزمه الضمان"(90).
وسيأتي مزيدُ تفصيلٍ لذلك.

 

المطلب الخامس: هل تُكيَّفُ شركة المساهمةِ على أنها شركة مضاربة وعِنان؟.
اختلف العلماء المعاصرون في التكييف الفقهي لشركة المضاربة، وهل تُكيَّفُ على أنها شركة مضاربة أو عنان؟، ولنْ أتناول في هذا المبحث التكييفَ الفقهي لشركة المساهمة والخلافَ فيه، وإنما سأقتصر على دخولها في شركة المضاربة والعنان، باختصار:

 

فقد اختلف الباحثون في دخول شركة المساهمة تحتَ شركتيْ المضاربة والعنانِ على قولين:
القول الأول: أنَّ الشركة المساهمة قدْ تكونُ على سبيل المضاربة أو العنان، وعليه فإنَّ نصيب الشريك نافذ على موجودات الشركة.

 

القول الثاني: أنَّ شركة المساهمة تختلف عن شركة المضاربة والعنان.
وهو الراجح، ويمكن مناقشة القول الأول:
بأن اختلافَ شركة المساهمة عن شركتي المضاربة والعنان اللتين عرفهما الفقه الإسلامي باعتبارات متعددة، منها:
1.    أن شركة المساهمة من شركات الأموال التي تتجلى فيها الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة عن مُلاكها، بخلاف المضاربة والعنان فإنهما من شركات الأشخاص التي يرتبط تكوينها وماهيتها بأشخاصِ مُلاكها ولهذا تُفصِّلُ القوانين التجارية بين المساهمين الذين يمتلكون "الأسهم" والشركة التي تمتلك "الموجودات".
2.    أنَّ مُلكيَّة الأسهم منفصلة عن ملكية موجوداتها، ولهذا لو صُفِّيتِ الشركةُ فلا يحقُّ لأيٍّ من الشركاء المطالبة بقسمة الموجودات أو بحصته من أعيانها، حتى ولو كانت مثليّة، بخلاف شركتي العنان والمضاربة فإنَّ الأصل فيهما هو التصفية الحقيقية لا الحكمية (التقديرية)، فلو طلب الشريكُ عند التصفية حصته بعينها من الموجودات، أي: المقاسمة لزِمَ الآخر إجابته إلى ذلك، قال ابن قدامة: " وإنْ طَلَبَ أحدهما القسمة والآخر البيع أُجيبَ طالب القسمة دون طالب البيع"(91).
3.    أنَّ السهم-إذا تحقق المتعاقدان بأنفسهما أو بِقَولِ من يثقان به من خُلُوِهِ من المحاذير الشرعية- فإنه يجوز تداوله بيعاً وشراءً وإنْ لم يعلما حقيقة ما يمثله من موجودات الشركة، ولايُعدُّ بذلك من عقود الغرر؛ لأنَّ قصدهما في الربح لا في الموجودات، والغرر إنما يؤثر في العقد إذا كان مقصوداً لا تابعاً، أما حصة الشريك في العنان والمضاربة فلا يجوز بيعها أو شراؤها إلا بعد العلم بموجوداتها تحديداً وإلا كان من عقود الغرر؛ لأنَّ تلك الموجودات مقصودة بذاتها.
4.    أنَّ شركة المساهمة ذاتُ مسؤليةٍ محدودة بخلاف العنان والمضاربة.
5.    قابليةُ السهم في الشركات المساهمةِ للتداول والتسييلِ. بخلاف حصة الشريك في العنان والمضاربة.
6.    اختلافُ القيمة السوقيةِ للسهم عن القيمة الحقيقية (القيمة الدفترية + الأرباح) بخلافِ حصة الشريك في العنانِ والمضاربة فإنَّ قيمتها عند التصفية بقيمة ما تمثله من موجودات.
7.    ثبوتُ حقِّ الشفعة في العنان والمضاربة عند توفر شروطه بخلاف الشركات المساهمة.
فكلُّ هذه الاعتبارات وغيرها تمنع من تطبيق أحكام العنان والمضاربة وغيرها بحذافيرها على الشركات المساهمة، وتجعلُ العلاقة بين السهم وموجوداته أضعف مما هي عليه في شركات الأشخاص؛ ولذا فلا يأخذ حكمه، ولا تُكيَّفُ شركة المساهمة عليهما(92).

 

الفصل الأول: شروط المضاربة.
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: شروط الصيغة.
المبحث الثاني: شروط العاقدين.
المبحث الثالث: شروط رأس مال المضاربة.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: كون رأس المال من الدّراهم والدّنانير.
المطلب الثاني: كون رأس مال المضاربة معلوماً.
المطلب الثالث: كون رأس مال المضاربة عيناً.
المطلب الرابع: كون رأس مال المضاربة مسلّماً إلى العامل.
المبحث الرابع: شروط الرّبح.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: كون الرّبح معلوماً.
المطلب الثاني: كون الرّبح جزءاً شائعاً.
المبحث الخامس: شروط العمل.

 

الفصل الأول: شروط المضاربة
المبحث الأول: شروط الصيغة (93):
عقد المضاربة كسائر العقود محتاج إلى صيغة، تفصح عمَّا في نيّة العاقد؛ فكلُّ عاقدٍ لا بدًّ له من نيّة وإرادة، تُفصحُ عنها الألفاظ التي تصْدُرُ عنه.
فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا بد في المضاربة من الصيغة(94).
والصيغة تتكونُ من الإيجاب(95) والقبول(96): اللذين يترتب على وُجودهما الأثر الشرعي للعقود، ويُشترطُ لهما شروط، وهي:
1.    اتحادُ موضوعهما.
2.    جعلُ ثانيهما إقراراً لأولهما.
3.    مُطابقةُ القبولُ للإيجاب، واتصاله به الاتصال المُعتبرَ في البيع.
4.    كونهما واضحيْ الدلالة على وجود إرادة كلٍّ من العاقدين(97).
والإيجاب في المضاربة يكون بلفظ المضاربة، أو المقارضة، أو المعاملة، أو بما يؤدي معناها، فلا يُشترطُ لفظٌ بعينه.
والقبول كقوله: قبلتُ، أو رضيتُ، ونحوهما مما يدل على الرضا والموافقة، متصلاً بالإيجاب بالطريق المعتبر شرعا في سائر العقود.
لأن المقصود المعنى، فجاز التعبير بكل ما يدل عليه؛ ولأنه أتى بلفظ يؤدي معنى عقد المضاربة، والعبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني.

 

واختلف الفقهاء في اشتراطِ اللفظِ في المضاربة على قولين:
القول الأول: اشتراط اللفظ في كلٍّ منَ الإيجاب والقبول في عقد المضاربة. وهو قولٌ عند الحنفية، وإليه ذهب جماهير المالكيّة، وهي الروايةُ الأشهر عند الشافعيّة(98).
القول الثاني: أنه لا يشترط في القبول قولُ: قبلت، ونحوه أو التلفظ به، بل القبول بالفعل، وتكون مباشرته قبولاً للمضاربة كالوكالة. وهيَ روايةٌ عند الحنفية، قال الكاساني: "فَالْإِيجَابُ هو لَفْظُ الْمُضَارَبَةِ وَالْمُقَارَضَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وما يُؤَدِّي مَعَانِيَ هذه الْأَلْفَاظِ"(99).
 وهو قولٌ عند المالكية(100)، والشافعية، قال الشيرازي: "وينعقد بلفظ القراض؛ لأنه لفظ موضوع له في لغة أهل الحجاز، وبلفظ المضاربة؛ لأنه موضوع له في لغة أهل العراق، وبما يؤدي معناه؛ لأن المقصود هو المعنى، فجاز بما يدل عليه، كالبيع بلفظ التمليك"(101).
وهو مذهبُ الحنابلة، قال ابن قدامة: "إنها تنعقد بلفظ المضاربة والقراض؛ لأنهما لفظان موضوعان لهما، أو بما يؤدي معناها؛ لأن المقصود المعنى، فجاز بما ذلك عليه، كلفظ التمليك في البيع"(102).
ومن هُنا نرى أنّ جماهير الفقهاءِ على أن المعوَّلَ عليه في انعقاد المضاربة إنما هو المعنى. فكلُّ ما يدل على المعنى ويؤديه فإنَّ الشركةَ تنعقدُ به(103).

 

وهناك خلاف بين الفقهاء في انعقاد الصيغة إذا كانت مؤقتة أو معلقة أو مضافة إلى زمان في المستقبل، مبسوطٌ في كتب الفقه.
 

المبحث الثاني: شروط العاقدين:
لم يخصَّ الفقهاء شروطَ العاقدين في المضاربة بالكلام على وجه الخصوص، فأحال أكثرهم على شروط الموكل والوكيل في الوكالة؛ لأنَّ المضاربة فيها معنى التوكيل؛ لأنَّ ربَّ المال يأذنُ للمضارب في التصرف بماله بالجزءِ الذي يتفقان عليه، ولهذا اشترطَ الفقهاء في العاقدين فيها ما يُشترطُ في الموكل والوكيل.

 

 وتفصيل ذلك فيما يلي:
1.    مذهب المالكية والشافعية: أنه يُشترط لصحة المضاربة أنْ تقع من أهل التصرف: وهو الحر البالغ الرشيد الذي يصح منه التوكيل والتوكل، أي المتأهل لأن يوكل غيره ويتوكل لغيره؛ لأنَّ كلَّ واحد من العاقدين وكيلٌ عن صاحبه وموكل لصاحبه، فمن جاز له أن يوكل ويتوكل جاز له عقد شركة المضاربة، وعلى ذلك لا تصح المضاربة من عبد إلا بإذن سيده أو كان مأذونا له في التجارة، وكذا غيره من المحجور عليهم.
 قال الخرشيُّ عند قول خليل: "القراض توكيل..."، قال: "عُلم من قوله: توكيلٌ، أنَّ ربَّ المال والعامل لا بد أن يكونا من أهل التوكيل..." (104).
وقال الدردير عندَ قول خليل: "وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل"، قال: "أيْ: ممن فيه أهلية لهما، بأنْ يوكّل غيره، ويتوكل لغيره، وهو الحرُّ البالغ الرشيد"(105).
وقال الشربيني: " (وشرطهما) أي: المالك والعامل، (كوكيل وموكل) في شرطهما؛ لأنَّ القراض توكيل وتوكل بعوض، فيشترط أهليّة التوكيل في المالك، وأهلية التوكل في العامل، فلا يكونُ واحدٌ منهما سفيهاً ولا صبياً ولا مجنوناً ولا رقيقاً بغير إذن سيده"(106).
وقال الرملي: "ويجوز لولي صبي، أو مجنون، أو سفيه، أنْ يُقارض من يجوز إيداعه المال المدفوع إليه، وله أن يشترط له أكثر من أجرة المثل إن لم يجد كافياً غيره، ومحل ما تقرر أنْ لا يتضمن العقد الإذن في السفر، وإلا فالمتجه في المطلب أنه كإرادته السفر بنفسه. أما المحجور عليه بفَلَسٍ فلا يصحُ أنْ يُقارض، ويجوز أنْ يكون عاملاً، ويصحُ من المريض، ولا يحسبُ ما زادَ على أُجرة المثل من الثلث؛ لأنَّّ المحسوب منه ما يفوته من ماله، والربح ليس بحاصل حتى يفوته، وإنما هو شيء يتوقع حصوله، وإذا حصل كان بتصرف العامل..." (107).

 

2.    مذهبُ الحنفية: أنه يُشترط في ربِّ المال والمضارب أهلية التوكيل والوكالة لأن المضارب يتصرف بأمر رب المال وهذا معنى التوكيل، قال الكاساني: "أَمَّا الذي يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدَيْنِ وَهُمَا رَبُّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبُ فَأَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ وَهَذَا مَعْنَى التَّوْكِيلِ"(108)، ويشترطُ في الْمُوَكِّلِ "أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ فِعْلَ ما وَكَّلَ بِهِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَفْوِيضُ ما يَمْلِكُهُ من التَّصَرُّفِ إلَى غَيْرِهِ، فما لَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ كَيْفَ يَحْتَمِلُ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِ؟!، فَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ من الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الذي لَا يَعْقِلُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ من شَرَائِطِ الْأَهْلِيَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ التَّصَرُّفَ بِأَنْفُسِهِمَا؟!"(109).
ويشترط في الْوَكِيلِ "أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، فَلَا تَصِحُّ وَكَالَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الذي لَا يَعْقِلُ،...، وَأَمَّا الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ، فَلَيْسَا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَتَصِحُّ وَكَالَةُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَالْعَبْدِ، مَأْذُونَيْنِ كَانَا أو مَحْجُورَيْنِ"(110).

 

3.    مذهبُ الحنابلة: لا يصح شيء من الشركة -ومنها المضاربة عندهمْ(111)- "إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقدٌ على التصرف في المال فلم يصح من غير جائز التصرف في المال كالبيع"(112)، وجائز التصرف: هو الحرُّ المكلفُ الرشيد(113).
تبيّن مما سبقَ أنَّ الفقهاء متفقونَ على أكثر شروط العاقدين في الجملة، وهناك خلافٌ في بعض الجزئيات من الشروط، كالخلاف في صحة تصرف الصبي الممميز(114)، وغيرها مما لا يتسع المقام لذكرها(115).

 

المبحث الثالث: شروط رأس مال المضاربة:
رأس المال هو محلُّ عمل المضارب، والأموال تختلفُ اختلافاً بيّناً ظاهراً في صفاتها؛ لذلك اشترط الفقهاء في رأس المال شروطاً يلزم تحققها، وهي:
أن يكون نقداً من الدراهم والدنانير، وأن يكون معلوماً، وأن يكون عيناً، وتسليمُ رأس المال إلى العامل، وسنعرِضُ لكلٍّ منها باختصارٍ –بإذنِ الله تعالى-.
المطلب الأول: كون رأس المال من الدراهم والدنانير:
وقد أجمع الفقهاء - في الجملة- على أنه يجوز أن يكون رأس مال المضاربة، قال ابن رشد: "اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير والدراهم واختلفوا في غير ذلك"(116).

 

 واستدل بعض الشافعيّة عليه بـ:
1.    الإجماع -كما نقله الجويني من الشافعية-.
2.    إجماع الصحابة رضي الله عنهم -كما قال غيره منهم-.
قال الشربيني: "(ويشترط لصحته كون المال) فيه (دراهم أو دنانير خالصة) بالإجماع كما نقله الجويني، وقال في الروضة: بإجماع الصحابة"(117).
وعندَ الحنابلة: لا خلاف في أنه يجوز جعلُ رأس المال من الدراهم والدنانير، قال ابنُ قدامة: "وما جاز أن يكون رأس مال الشركة جاز أن يكون رأس مال المضاربة"(118).
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: "لا تكون المضاربة إلا بالدراهم والدنانير"، وهو قول أبي يوسف -رحمه الله-، وعلّلَ السرخسي ذلك بأنَّ ما يحصلُ للمضارب فيها يكون ربحَ ما قد ضمن، بخلاف العروض؛ لأنها أمانة في يده، وتتعيّن بالتعيين(119).
قال الكاساني: "وَأَمَّا الذي يَرْجِعُ إلَى رَأْسِ الْمَالِ فَأَنْوَاعٌ منها: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ من الدَّرَاهِمِ أو الدَّنَانِيرِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ"(120).
قال مَالِكٌ: "لاَ يَصْلُحُ الْقِرَاضُ إلا في الْعَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ وَلاَ يَكُونُ في شَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ…"(121).
وما سبق في اشتراط الفقهاء كونُ رأس المال من الدراهم والدنانير، وأما حُكْمُ جعلِ مال المضاربة من العروض، فإليك بيانها:

 

اختلف الفقهاء في جعل رأس المال من النقدين أو العَروض على قولين:
القول الأول: أنه لابدّ أن يكون رأس مال المضاربة من النقدين، وعدم جواز جعلُ رأس المال فيها من العروض. وإليه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكيّة والشافعيّة والحنابلة في رواية.
واستدلوا على ذلك: بأنَّ رأس مال المضاربة إذا كانَ عَرضاً كانَ فيه غرراً؛ لأنه يقبض العَرَض وهو يساوي قيمة ما، ويرده وهو يُساوي قيمةًً غيرها، فيكون رأس المال والربح مجهولاً (122).
جاء في الفتاوى الهنديّة في الكلام على رأس المال في المُضاربة: "أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أو دَنَانِيرَ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أو فُلُوسًا رَائِجَةً حتى إذَا كان رَأْسُ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ما سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ لم تَجُزْ الْمُضَارَبَةُ إجْمَاعًا"(123)، أي: باتفاق الحنفيّة.
وقد سبقتْ مقُولة الإمام مالك في الموطأ.
وقال الشيرازي: "ولا يصح إلا على الأثمان، وهي: الدراهم والدنانير، فأما ما سواهما من العروض والنقار والسبائك والفلوس، فلا يصح القراض عليها؛ لأن المقصود بالقراض ردُّ رأس المال والاشتراك في الربح"(124).
وقال ابن قدامة: "وحكمها حكم شركة العنان في جوازها، وانفساخها، وفي ما يكون رأس المال فيها وما لا يكون..." (125).

 

القول الثاني: جواز كون العروض رأس مال المضاربة. وإليه ذهب ابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، وطاووس، والأوزاعي، وهي رواية عند الحنابلة جاء في المغني: "وقال الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله يُسأل عن المضاربةِ بالمتاع، قال: جائز"(126).
 

الترجيح: الراجح –والله أعلم- هو القول بجواز كون العروض رأس مال المضاربة، كما جازَ كون الأثمان رأس مالٍ لها.
ويُجاب عمّا استدل به الجمهور: بأنَّ تقويم العروض وقت العقد، ومعرفة قيمتها الحقيقية يُزيل الغرر والجهالة. وإذا فُسخت المضاربة ورأسُ المال عرضاً فإنها تُقوّمُ أو تُباع، فيكون الفرقُ في المال بينَ وقتِ الدخول في المضاربة ووقتُ الانفصال منها زيادةً أو نقصاً هو ما حققته المضاربةُ ربحاً أو خسارة.
وعلى ذلك فيكون الربحُ معلوماً لا جهالة فيه، كما كانَ رأس المال معلوماً قبل ذلك بتقويم العروض وقتَ العقد

 

كذلك مما يُرجح جواز كون العروض رأس المال في المضاربة: أنَّ حاجةَ الناس داعيةٌ إلى القول بجوازه؛ لأنَّ العامل قد يجدُ من يدفع له عروضاً، ولا يجدُ من يُعطيه دراهم أو دنانير، ومنعُ ذلك فيه مشقةٌ وتضييقٌ على الناس، ومبنى المسألة على الاجتهاد وإلا فلم يردْ دليلٌ يُلزمُ كونَ الأثمان رأس مال في المضاربة دونَ ما عداها؛ ولذا فلا مانعَ من القول بجواز المضاربةِ بالعروض(127).
 

المطلب الثاني: كون رأس المال معلوماً:
وهذا الشرطُ مما اتُفقَ عليه؛ إذ الجهل برأس المال يؤدي إلى جهالة الربح. فكونُ الربح معلوماً شرطٌ لصحة المضاربة، كما أنَّ الجهل فيه يوصِلُ إلى النزاع والشقاق، حيثُ لا يُدرى بكم يُرجعُ عند المفاصلة.
قال الكاساني في شروط المضاربة: "وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا فَإِنْ كان مَجْهُولًا لَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ لِأَنَّ جَهَالَةَ رَأْسِ الْمَالِ تُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الرِّبْحِ وَكَوْنُ الرِّبْحِ مَعْلُومًا شَرْطَ صِحَّةِ الْمُضَارَبَةِ"(128).
قال خليل - في تعريف القراض-: "إن علم قدرهما"(129)، قال الشارح: "أي: المال والجزء، كربعٍ أو نصف، واشترط علم قدر الأصل(130)؛ لأنَّ الجهل به كما لو دفع له مالاً غير معلوم العدد والوزن، يؤدي إلى الجهل بالربح"(131).
وشرطَ ابنُ عرفة في المال كونه معلوماً(132).
 قال الشربيني: "(و) لا بدَّ أنْ يكون المال المذكور (معلوماً) فلا يجوز على مجهول القدر دفعاً لجهالة الربح"(133).
قال ابن قدامة: "ومن شرط المضاربة أن يكون رأس المال معلوم المقدار، ولا يجوز أن يكون مجهولاً...؛ وذلك لأنَّه لا يدري بكم يرجعُ عند المفاصلة؛ ولأنَّه يُفضي إلى المنازعة والاختلاف في مقداره، فلم يصح..." (134).

 

المطلب الثالث: كون رأس مال المضاربة عيناً:
كونُ رأس المال في المضاربة عيناً لا دَيناً مما اتفق عليه الفقهاء، قال ابن المنذر: "أجمع كلُّ منْ نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا يجوز أنْ يجعل الرجل دينا له على رجل مضاربة" (135).
قال الكاساني: "وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنًا لَا دَيْنًا فَإِنْ كان دَيْنًا فَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ"(136).
قال مَالِكٌ: "إذا كان لِرَجُلٍ على رَجُلٍ دَيْنٌ فَسَأَلَهُ أن يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا أن ذلك يُكْرَهُ حتى يَقْبِضَ مَالَهُ ثُمَّ يُقَارِضَهُ بَعْدُ أو يُمْسِكَ وَإِنَّمَا ذلك مَخَافَةَ أنْ يَكُونَ أعسر بِمَالِهِ فَهُوَ يُرِيدُ أنْ يُؤَخِّرَ ذلك على أن يَزِيدَهُ فيه"(137).
قال الدردير: "(لابدين) لرب المال،...، على العامل"(138)، أي: لا تجوز المضاربة بدينٍ لرب المال...
قال الشربيني: "ولو قال: اعزل مالي الذي في ذمتك. فعزله، ولمْ يقبضه، ثم قارضه عليه، لم يصح؛ لأنَّه لا يملك ما عزله بغير قبضٍ"(139).
قال الخرقي: "ولا يجوزُ أنْ يُقال لمن عليه الدينُ: ضاربْ بالمال الذي عليك"(140).
قال ابن قدامة -في شرحه-: "نصَّ أحمد على هذا وهو قولُ أكثر أهل العلم، ولا نعلمُ فيه مخالفاً،...
وقال بعضُ أصحابنا: يُحتمل أنْ تصحَّ المضاربةُ؛ لأنَّه إذا اشترى شيئاً للمضاربة فقد اشتراه بإذن ربِّ المال، ودفع الدين إلى منْ أذن له في دفعه إليه، فتبرأ ذمته منهُ ويصيرَ كما لو دفع إليه عرضاً وقال: بعه، وضارب بثمنه...

 

والمذهبُ هو الأول؛ لأنَّ المال الذي في يدي من عليه الدين له، وإنما يصيرُ لغريمه بقبضه، ولم يوجد القبض ها هُنا"(141).
فتبيّن مما سبق اتفاق المذاهب الأربعة على عدم جوازِ جعل الدين الذي في ذمة العامل رأس مالٍ المضاربة، غير احتمال في مذهب الحنابلة قال بخلافِهِ.

 

والراجحُ: -والله أعلم- صحة الاحتمال عندَ الحنابلة؛ إذ لا مانعَ من أن يتفقَ المدينُ مع ربِّ المال على المضاربة بالدين، فإذنُ المالك له بالتصرف فيه مضاربة يكون بمنزلة قبضه، فيخرج بذلك عن كونه مضموناً إلى الأمانة، إذا تحققنا أنَّ المدينَ مليءٌ، وليس بمماطلٍ، ويجبُ الإشهاد حينئذٍ قطعاً للنزاع(142).
 

المطلب الرابع: كون رأس مال المضاربة مسلّماً إلى العامل:
وعبّر بعضهم عنه بالتّخلية بينه وبين رأس المال، وعبّر عنه آخرون بأنّه تسليمُ رأس المال إليه(143).
ويُرادُ به: أنَّ المضاربة انعقدت على رأس مال من أحدِ المتعاقدينَ، وعملٍ من الآخر، وهذا لا يتمُّ إلا بعدَ خروج رأسِ المال من يدِ صاحبه، وبذلك يتمكن العامل من الاستقلال في التصرف في المال بالبيع والشراء الذي يحصل به الربح، الذي هو المقصدُ من المُضاربة، وهو المقرّرُ عندَ جماهيرِ الفقهاء.
والحنابلةُ قد تساهلوا في هذا الشرط –كما سيأتي-.
قال الكاساني: "وَمِنْهَا(144) تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ إلَى الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وهو التَّخْلِيَةُ كَالْوَدِيعَةِ، وَلَا يَصِحُّ مع بَقَاءِ يَدِ الدَّافِعِ على الْمَالِ؛ لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ مع بَقَاءِ يَدِهِ، حتى لو شَرَطَ بَقَاءَ يَدِ الْمَالِكِ على الْمَالِ فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ،...، وَسَوَاءٌ كان الْمَالِكُ عَاقِدًا أو غير عَاقِدٍ لَا بُدَّ من زَوَالِ يَدِ رَبِّ الْمَالِ عن مَالِهِ لِتَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ"(145).
قال الدسوقي: "(مُسْلَمٌ من رَبِّهِ لِلْعَامِلِ) أَيْ: بِدُونِ أَمِينٍ عليه، لَا بِدَيْنٍ عليه أو بِرَهْنٍ أو وَدِيعَةٍ،...وَلَا إنْ جَعَلَ عليه أَمِينًا فإن تَسْلِيمَهُ حِينَئِذٍ كَلَا تَسْلِيمٍ"(146).
قال النووي: "ومسلماً إلى العامل فلا يجوز شرط كون المال في يد المالك"(147).
قال الشربيني -في شرحه-: "وليس المراد اشتراط تسليم المال إليه حال العقد أو في مجلسه، وإنما المراد: أنْ يستقل العامل باليد عليه والتصرف فيه، ولهذا قال: (فلا يجوز) ولا يصحُّ الإتيانُ بما ينافي ذلك، وهو (شرط كون المال في يد المالك) أو غيره، ليوفي منه ثمن ما اشتراه العامل"(148).
والمشهور من مذهب الحنابلة التسامح في هذا الشرط، حيثُ يكفي عندهم إطلاق التصرّف في مل غيره بجُزءٍ مُشاعٍ مُعيّن، ولو بدون استقلال. وهذا يظهر من كلام ابن قدامة، حيثُ ذكرَ جواز اشتراك بدنيين بمال أحدهما، وعملٍ منهما، والربحُ بينهما، وذكرَ أنَّ أحمدَ نصَّ على ذلك في روايةِ أبي الحارث، وتكون مضاربة، لأنَّ منْ لم يكن منه مال، يستحق المشروط له بعمله في مال غيره، وهذا هو حقيقة المضاربة(149).

 

قال ابن قدامة: " قال أبو عبدالله بن حامد، والقاضي، وأبو الخطاب: إذا شرط أنْ يعمل معه ربُّ المال، لم يصح، قال: ولا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل ويُخلّي بينه وبينه؛ لأنَّ المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب، فإذا شرط عليه العمل فلم يسلمه لأن يده عليه فيخالف موضوعها، وتأول القاضي كلامَ أحمد والخرقي على أنَّ ربَّ المال عمِلَ من غير اشتراط"(150).
ولكنَّ ابن قدامة رجح الأول، وقال: "ولنا أنَّ العمل أحدُ ركني المضاربة فجاز أنْ ينفرد به أحدهما، مع وجود الأمرين من الآخر، كالمال، وقولهم: إنَّ المضاربة تقتضي تسليم المال إلى العامل. ممنوعٌ إنما تقتضي إطلاقَ التصرف في مال غيره، بجزء مشاع من ربحه، وهذا حاصلٌ مع اشتراكهما في العمل، ولهذا لو دفع ماله إلى اثنين مضاربةً صحَّ، ولم يحصل تسليمُ المال إلى أحدهما"(151).

 

لعلَّ الحالة التي منعها فقهاء المذاهب الثلاثة، هي فيما إذا كانَ العامل مقيّداً من المالك، بحيثُ إذا باعَ وَزَنَ، وإذا اشترى نَقَدَ الثمنَ، بدون أنْ يكون للعامل اختيارٌ في هذا. فيصبح كالأجيرِ له.
وهذه الحالة لا إخالُ الحنابلة يُقرّونها، وإنما مرادهم –والله أعلم- أنْ يكون التصرف منهما جميعاً، من غيرِ تقييدِ تصرف أحدهما بالآخر، وبذلك يكون العامل استقلّ بالتصرف بما في يده من المال، وهذه الحالة غيرُ ممنوعةٍ عندَ الجميع، فلا خلافَ بينهم في النهاية، حسْبَ ما يظهر(152).

 

المبحث الرابع: شروط الربح:
الأصل في الربح كونه مشتركاً بين العامل وربِّ المال؛ لأنَّ ذلك موجبُ عقد المضاربة؛ فالمال والعمل متقابلان، فوجب اشتراكهما في الربح بجزءِ مُشاعٍ معلومٍ، ولا يجوزُ اختصاص أحدهما أو كلاهما بدراهم معلومة، سواءً كانت زائدة عن جزئه المشاع، أو كانت هي نصيبه فقط؛ لما في ذلك من الجهالة والغرر.
وذلك كلهُ يتبيّنُ بشروط الربح، كما يلي:

 

المطلب الأول: كون الربح معلوماً:
ويُرادُ به: معرِفةُ ما لكلٍ من ربِّ المال، والعامل فيه؛ لأنَّ المعقودَ عليه هو الربح، وجهالةُ المعقود عليه تُوجِبُ فساد العقد(153).وهو الشرطُ الأول.
ذهَبَ الحنفيّة(154) والمالكيّة(155) والشّافعيّة في الأصحّ(156) والحنابلة(157): إلى أنَّه يكفي في الإعلامِ ذكرُ أنهما شريكانِ فيه، كما لو دفعَ إليه مالاً مضاربةً، على أنّهما يشتركان في الرّبح؛ لأنَّ هذا اللفظ يُفيد التساوي عُرفاً، فلا جهل فيه فيكونُ جائزاً؛ ولأنّ الشّركة تقتضي المساواة، قال اللّه تعالى: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}(157).
ومثلُ هذا لو قال: والربحُ بيننا، فتصحُّ، وتكون مضاربة بالنصف؛ لإضافتهِ إليهما إضافةً واحدة، ولا مُرجِّح فاقتضى ذلك التسوية.
كما لو قالَ: هذه الأرضُ بيني وبينك؛ لأنَّ كلمةَ (بينَ) تنصيصٌ على الاشتراك، ومطلقُ الاشتراك يقتضي المساواة، بدليل قول الله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ}(159)، فالمراد: التسوية بدليل قول الله تعالى: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}(160).
قال الدّردير: "لو قال الرّبح مشترك بيننا أو شركة فهو ظاهر في أنّ له النّصف؛ لأنّه يفيد التّساوي عرفاً، بخلاف ما لو قال له: اعمل فيه ولك في الرّبح شرك، فإنّ المضاربة لا تجوز إلا إذا كانت هناك عادة تعيّن إطلاق الشّرك على النّصف مثلاً فيعمل عليها"(161).

 

المطلب الثاني: كون الربح شائعاً:
ذهب الفقهاء إلى أنّه يشترط أن يكون المشروط لكلٍّ من المضارب وربّ المال من الرّبح جزءاً شائعاً نصفاً أو ثلثاً أو ربعاً، فإن شرطا قدراً معيناً بأن شرطا أنْ يكون لأحدهما قدراً محدداً من الرّبح والباقي للآخر، فلا يجوز، والمضاربة فاسدة؛ لأنَّ المضاربة نوع من الشّركة، وهي الشّركة في الرّبح، وهذا شرط يوجب قطع الشّركة في الرّبح؛ لجواز أنْ لا يربح المضارب إلا هذا القدر المذكور، فيكون ذلك لأحدهما دون الآخر فلا تتحقّق الشّركة، وربما كانَ أضعافاً مضاعفة، فيتضرر الآخر(162).
قال الكاساني: وكذا إن شرطا أن يكون لأحدهما النّصف أو الثلث ومائة درهمٍ، أو قالا: إلا مائة درهمٍ، فإنّه لا يجوز؛ لأنّه شرط يقطع الشّركة في الرّبح، لأنّه إذا شرط لأحدهما النّصف ومائةً فمن الجائز أنْ يكون الرّبح مائتين فيكون كل الرّبح للمشروط له، وإذا شرط له النّصف إلا مائةً فمن الجائز أنْ يكون نصف الرّبح مائةً فلا يكون له شيء من الرّبح. ولو شرطا في العقد أنْ تكون الوضيعة عليهما بطلَ الشّرط، والمضاربة صحيحة؛ لأنَّ الوضيعة جزءٌ هالك من المال فلا يكون إلا على ربّ المال؛ ولأنَّ المضاربة وكالة، والشّرط الفاسد لا يعمل في الوكالة(163).
وقال ابن عابدين: "لو شرط بعض الرّبح للمساكين أو للحجّ أو في الرّقاب أو لامرأة المضارب أو مكاتبه صحّ العقد ولم يصحّ الشّرط، ويكون المشروط لربّ المال.
ولو شرط البعض لمن شاء المضارب، فإن شاء لنفسه أو لربّ المال صحّ الشّرط، وإلا بأنْ شاءه لأجنبيّ لا يصح.
ومتى شرط البعض لأجنبيّ، إن شرط عمله صحّ، وإلا فلا، وفي القهستانيّ: يصح مطلقاً.
والمشروط للأجنبيّ إنْ شرط عمله وإلا فللمالك.
ولو شرط البعض لقضاء دين المضارب أو دين المالك جاز، ويكون للمشروط له قضاءُ دينه ولا يلزم بدفعه لغرمائه"(164).

 

وقال النووي: "الرّبح، وله أربعة شروطٍ:
الأوّل: أن يكون مخصوصاً بالمتعاقدين، فلو شرط بعضه لثالث لم تصحّ المضاربة، إلا أنْ يشرط عليه العمل معه فيكون قراضاً مع رجلين.

 

الثّاني: أن يكون مشتركاً بينهما، ليأخذ المالك بملكه والعامل بعمله فلا يختص به أحدهما، فلو شرط اختصاص أحدهما بالرّبح لم تصحّ المضاربة.
 

الثّالث: أن يكون معلوماً، فلو قال: ضاربتك على أنَّ لك في الرّبح شركاً فسدت المضاربة.
 

الرّابع: أن يكون العلم من حيث الجزئيّة لا من حيث التّقدير، فلو قال: لك من الرّبح، أو لي منه، درهم أو مائة والباقي بيننا نصفان لم تصحّ المضاربة"(165).
قال الكاساني: "وَلَوْ شَرَطَ جَمِيعَ الرِّبْحِ لِلْمُضَارِبِ فَهُوَ قَرْضٌ،...، لأَنَّهُ إذَا لم يُمْكِنْ تَصْحِيحُهَا مُضَارَبَةً تُصَحَّحُ قَرْضًا، لِأَنَّهُ أتى بِمَعْنَى الْقَرْضِ وَالْعِبْرَةُ في الْعُقُودِ لِمَعَانِيهَا. وَعَلَى هذا إذَا شَرَطَ جَمِيعَ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ فَهُوَ إبضاع عِنْدَنَا لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِبْضَاعِ"(166).

 

ويقرب من هذا مذهب المالكيّة، حيثُ قال الخرشي: "يجوز اشتراط ربح القراض كله لرب المال أو للعامل أو لغيرهما؛ لأنه من باب التبرع، وإطلاقُ القِراض عليه حينئذ مجازٌ"(167).
وقال ابن قدامة: إنْ قال رب المال: خُذْ هذا المال فاتّجر به وربحه كله لك، كان قرضاً لا قراضاً؛ لأنَّ قوله: خذه فاتّجر به، يصلح لهما وقد قَرَنَ به حكم القرض فانصرف إليه، وإن قال مع ذلك: ولا ضمان عليك، فهذا شرط فيه نفي الضّمان فلا ينتفي بشرطه، كما لو صرّح به فقال: خذْ هذا قرضاً ولا ضمان عليك، وإن قال: خذه فاتّجر به والرّبح كله لي، كان إبضاعاً، وإنْ قال: خذه مضاربةً والرّبح كله لك، أو كله لي فهو عقد فاسد، وإلى هذا ذهب الشّافعيّة في الأصحّ عندهم.
وفي قولٍ مقابلٍ للأصحّ عند الشّافعيّة أنَّ من قال للعامل: قارضتك على أنّ كلّ الرّبح لك فهو مضاربةً صحيحة، وإن قال رب المال: كل الرّبح لي فهو إبضاع(168).

 

المبحث الخامس: شروطُ العمل:
ذهب الفقهاء -في الجملة- إلى أنَّه يُشترط في العمل بالمضاربة شروطٌ تصح بوجودها، وتفسد إنْ تخلفت هذه الشروط أو بعضها، وهي:
1.    أنْ يكونَ العمل مقصوراً على التجارةِ(169).
2.    أنْ لا يضيِّقَ ربُّ المال على العاملِ في عمله(170).
3.    أنْ لا يخالف العاملُ مقتضى العقد(171).

 

الفصل الثاني: تصرفات المضارب والشروط في المضاربة.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تصرفات المضارب.
المبحث الثاني: الشروط في شركة المضاربة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اشتراط جزء معين من الربح.
المطلب الثاني: اشتراط ضمان رأس مال المضاربة.

 

الفصل الثاني: تصرفات المضارب، والشروط في المضاربة:
المبحثُ الأول تصرفات المضارب:
من فقهاء الحنفية من قسَّم تصرفات المضاربْ في المضاربة المطلقة(172) إلى ما يجوز للعامل عمله، ومالا يجوز، ومنهم من لم يُقسّمها إلى ذلك، ورأيتُ أنْ أذكر أجمعَ هذه التقاسيم، باختصارٍ، وإليكَ بيانها.

 

فتصرفات المضارب عند الحنفيّة على أقسامٍ أربعة:
1.    أَنْ يَعْمَلَهُ من غَيْرِ الْحَاجَةِ إلَى التَّنْصِيصِ عليه، وَلَا إلَى قَوْلِ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ فيه: فإذا لم يعين رب المال للمضارب العمل أو المكان أو الزمان أو صفة العمل أو من يعامله، بل قال له: خذ هذا المال مضاربة على كذا فله البيع، وله الاستئجار، وله التوكيل، وله الرهن، وله الإبضاع، والإحالة؛ لأنَّ كل ذلك من عمل التجار(173). ويقرب منه ما ذهب إليه جمهور الفقهاء: فقد صرَّح الشافعية بأنَّ للعامل البيع والشراء بعرض وإن لم يأذن له المالك إذ الغرض الربح وقد يكون فيه(174). ونصَّ الحنابلة على أن حكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله من البيع والشراء أو القبض والإقباض ونحو ذلك. وإن أطلق رب المال فلا خلاف عندهم في جواز البيع حالاً(175) (176).
2.    ما ليس له أَنْ يَعْمَلَ وَلَوْ قِيلَ له: اعْمَلْ فيه بِرَأْيِكَ، إلَّا بِالتَّنْصِيصِ عليه.
3.    ما له أَنْ يَعْمَلَهُ إذَا قِيلَ له: اعْمَلْ فيه بِرَأْيِكَ، وَإِنْ لم يَنُصَّ عليه.
4.    ما ليس له أَنْ يَعْمَلَهُ رَأْسًا وَإِنْ نَصَّ عليه(177).

 

قال ابن قدامة: "وفي البيع نسيئة روايتان:
إحداهما: ليس له ذلك: -وهو قول مالك وابن أبي ليلى والشافعي-؛ لأنه نائب في البيع فلم يجز له البيع نسيئة بغير إذن صريح فيه، كالوكيل؛ وذلك لأنَّ النائب لا يجوز له التصرف إلا على وجه الحظ والاحتياط، وفي النسيئة تغرير المال، وقرينة الحال تُقيِّدُ مطلق الكلام، فيصير كأنه قال: بِعْهُ حالّاً.

 

والثانية: أنه يجوز له البيع نساء: -وهو قول أبي حنيفة واختيار ابن عقيل-؛ لأنَّ إذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذا عادة التجار؛ ولأنَّه يقصد به الربح، والربح في النساء أكثر، ويفارق الوكالة المطلقة فإنها لا تختص بقصد الربح وإنما المقصود تحصيل الثمن فحسب، فإذا أمكن تحصيله من غير خطر كان أولى..." (178).
 

والراجح: والله أعلم عدم جواز بيع العامل مال المضاربة نسأ إنْ لم يُصرِّح به صاحب المال، أو تكون هناك قرينة تدل على ذلك؛ لما فيه من مشاكل وعقبات تؤدي غالباً إلى النزاع، وخصوصاً في زمن انهماك الناس في المادة وتكالبهم عليها، وإنْ كان البيع مؤجلاً صفة من صفات البيع إلا أنَّ المتبادر هو البيع بالحال، وغيره يحتاج إلى تصريح به (179).
وصرح الشافعية(180) والحنابلة(181): بأنَّ للعامل شراء المعيب إنْ رأى ذلك؛ لأن المقصود طلب الحظ، وقد يكون الربح في المعيب.
 قال الشربيني: "(وله) أي: العاملُ عندَ الجهلِ (الردُّ بعيبٍ تقتضيه) أي: الردُّ (مصلحةٌ)،...(فإنْ اقتضت) المصلحةُ (الإمساكً) للمعيب (فلا) يرده العامل (في الأصحِّ)؛ لإخلاله بمقصودِ العقد"(182).

 

المبحث الثاني: الشروط في شركة المضاربة:
المطلب الأول: اشتراط جزء معيّن من الربح:

لا يجوزُ أنْ يُحدَّدَ لأحدهما مبلغٌ معيَّن، ولا أنْ يُشترطَ لأحدهما حصةٌ شائعةٌ مع مبلغٍ مُحدد، كنصف الربح مع عشرة دراهم، أو مخصوماً منها، كنصف الربح ألا عشرةَ دراهم.
ويدلُّ عليه الإجماع، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة"(183).
ولأنَّ في اشتراطِ أحدهما مبلغاً محدداً إضراراً بأحد العاقدين، والضرر يُزال، قال ابن قدامة: "أنه إذا شرط دراهم معلومة احتمل أنْ لا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح واحتمل أن لا يربحها فيأخذ من رأس المال جزءاً، وقد يربح كثيراً فيستضر من شرطت له الدراهم"(184).
و"العامل متى شرط لنفسه دراهم ربما توانى في طلب الربح؛ لعدم فائدته فيه، وحصول نفعه لغيره، بخلافِ ما إذا كانَ له جزءاً من الربح"(185).

 

قال الكاساني: "فَإِنْ شَرَطَا عَدَدًا مُقَدَّرًا: بِأَنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ من الرِّبْحِ أو أَقَلُّ أو أَكْثَرُ وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ، لَا يَجُوزُ وَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ نَوْعٌ من الشَّرِكَةِ، وَهِيَ الشَّرِكَةُ في الرِّبْحِ وَهَذَا شَرْطٌ يُوجِبُ قَطْعَ الشَّرِكَةِ في الرِّبْحِ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَرْبَحَ الْمُضَارِبُ إلَّا هذا الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ فَيَكُونُ ذلك لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَا تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ فَلَا يَكُونُ التَّصَرُّفُ مُضَارَبَةً"(186).
وقد سبق تناول شيء من الموضوع في المطلب الثاني من المبحث الرابع"كونُ الربح جُزءاً شائعاً"(187).

 

المطلب الثاني: اشتراط ضمان رأسِ مالِ المضاربةِ:
اختلف الفقهاء في حكم اشتراط الضمان على الأمين في العقد، كما لو اشترطه على المضارب، على أقوال:
القول الأول: أنَّ الشرط باطل؛ لمنافاته لمقتضى العقد، وهو قول الحنفية(188)، والشافعيّة(189)، والمالكية(190)، والحنابلة في المشهور(191).

 

ولكنْ هل يفسدُ العقد لفساد الشرط المقترنِ به؟، اختلفوا على قولين(192):
الأول: للحنفيّة والحنابلة في المشهور: أنَّ الشرط باطلٌ والعقد صحيح.
الثاني: للشافعية والمالكية وأحمد في رواية: أنَّ الشرطَ باطل والعقد باطل.
القول الثاني: أنَّ الشرطَ صحيحٌ مُلزمٌ، وهو قول قتادة(193)، وعبيد الله بن الحسن العنبري(194)، وأحمد في رواية عنه(195)، وهو المذهب الذي رجحه وانتصر له الشوكاني من المتأخرين(196)؛ إذ الأمين قدْ رضيَ لنفسهِ بذلك التزامَ ما لم يكنْ يُلزمه واختارهُ، والتراضي هو المناطُ في تحليل أموال العباد، والمسلمون على شروطهم(197).

 

والراجح: -والله أعلم- جوازُ اشتراطِ الضمان على المضاربْ، وأنه صحيحٌ ملزمٌ، إذا لمْ يُتخذ حيلةً إلى قرضٍ ربوي، فإنْ ترتب عليه ذلك كانَ الشرطُ حراماً باطلاً، كسائر الحيل المذمومة التي تهدفُ إلى إبطال مقصود الشارع في أحكامه، إذ العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، والمطلوب من الأوامر والنواهي حقائقها، لا مجرد صورها.
وتجويزُ ذلك الشرطِ بناءً على الحاجة، والمصلحةِ الراجحةِ، وسدِّ الذرائع إلى إتلاف الأموال وتضييعها على أربابها خيرٌ وأولى من التشديدِ بالمنع، ثمَّ اللجوء إلى تضمينه عن طريق الحِيلِ المحمودة(198)(199).

 

الفصل الثالث: آثار شركة المضاربة:
وفيه مبحثان:
 المبحث الأول: آثار شركة المضاربة الصحيحة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ما يستحقه المضارب في المضاربة الصّحيحة.
المطلب الثاني: ما يستحقه ربُّ المال في المضاربة الصّحيحة.
المبحث الثاني: آثار المضاربة الفاسدة.

 

الفصل الثالث: آثار شركة المضاربة
المبحث الأول: آثار المضاربة الصحيحة:
المطلب الأول: ما يستحقه المضارب في المضاربة الصحيحة:

إنْ صحتْ المضاربة، استحق المضارب بعمله في مال المضاربة شيئين:
أولاً: النفقة:

 

 اختلف الفقهاء في نفقة المضاربة:
قال الكاساني: "وَأَمَّا الذي يَسْتَحِقُّهُ الْمُضَارِبُ،...، بِعَمَلِهِ في مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا النَّفَقَةُ،...، والْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ في بَابِ الْمُضَارَبَةِ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، وَالْعَاقِلُ لَا يُسَافِرُ بِمَالِ غَيْرِهِ لِفَائِدَةٍ تَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ مع تَعْجِيلِ النَّفَقَةِ من مَالِ نَفْسِهِ فَلَوْ لم تُجْعَلْ نَفَقَتُهُ من مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَامْتَنَعَ الناس من قَبُولِ الْمُضَارَبَاتِ مع مِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَكَانَ إقْدَامُهُمَا على هذا الْعَقْدِ -وَالْحَالُ ما وَصَفْنَا- إذْنًا من رَبِّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ بِالْإِنْفَاقِ من مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَكَانَ مَأْذُونًا في الْإِنْفَاقِ دَلَالَةً، فَصَارَ كما لو أَذِنَ له بِهِ نَصًّا؛ وَلِأَنَّهُ يُسَافِرُ لِأَجْلِ الْمَالِ لا على سَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَلَا بِبَدَلٍ وَاجِبٍ له لَا مَحَالَةَ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ في الْمَالِ...

 

وَأَمَّا شَرْطُ الْوُجُوبِ فَخُرُوجُ الْمُضَارِبِ بِالْمَالِ من الْمِصْرِ الذي أَخَذَ الْمَالَ منه مُضَارَبَةً، سَوَاءٌ كان الْمِصْرُ مِصْرَهُ أو لم يَكُنْ، فما دَامَ يَعْمَلُ بِهِ في ذلك الْمِصْرِ فإن نَفَقَتَهُ في مَالِ نَفْسِهِ لَا في مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَإِنْ أَنْفَقَ شيئا منه ضَمِنَ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِذْنِ لَا تَثْبُتُ في الْمِصْرِ، كَذَا إقَامَتُهُ في الْحَضَرِ لَا تَكُونُ لِأَجْلِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ كان مُقِيمًا قبل ذلك، فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ ما لم يَخْرُجْ من ذلك الْمِصْرِ، سَوَاءٌ كان خُرُوجُهُ بِالْمَالِ مُدَّةَ سَفَرٍ أو أَقَلَّ من ذلك، حتى لو خَرَجَ من الْمِصْرِ يَوْمًا أو يَوْمَيْنِ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ من مَالِ الْمُضَارَبَةِ،...لِوُجُودِ الْخُرُوجِ من الْمِصْرِ لِأَجْلِ الْمَالِ، وإذا انْتَهَى إلَى الْمِصْرِ الذي قَصْدَهُ، فَإِنْ كان ذلك مِصْرُ نَفْسِهِ أو كان له في ذلك الْمِصْرِ أَهْلٌ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ حين دخل؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فيه لَا لِأَجْلِ الْمَالِ، وَإِنْ لم يَكُنْ ذلك مِصْرَهُ وَلَا له فيه أَهْلٌ، لَكِنَّهُ أَقَامَ فيه لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ ما أَقَامَ فيه، وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا، ما لم يَتَّخِذْ ذلك الْمِصْرَ الذي هو فيه دَارَ إقَامَةٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا لم يَتَّخِذْهُ دَارَ إقَامَةٍ كانت إقَامَتُهُ فيه لِأَجْلِ الْمَالِ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ وَطَنًا كانت إقَامَتُهُ لِلْوَطَنِ لَا لِلْمَالِ فَصَارَ كَالْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ،...، وَلَوْ خَرَجَ من الْمِصْرِ الذي دَخَلَهُ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ إلَى الْمِصْرِ الذي أَخَذَ الْمَالَ فيه مُضَارَبَةً فإن نَفَقَتَهُ من مَالِ الْمُضَارَبَةِ حتى يَدْخُلَهُ، فإذا دَخَلَهُ: فَإِنْ كان ذلك مِصْرَهُ أو كان له فيه أَهْلٌ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا،...
 

وَكُلُّ من كان مع الْمُضَارِبِ مِمَّنْ يُعِينُهُ على الْعَمَلِ فَنَفَقَتُهُ من مَالِ الْمُضَارَبَةِ، حُرًّا كان أو عَبْدًا، أو أَجِيرًا يَخْدُمُهُ أو يَخْدُمُ دَابَّتَهُ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ له السَّفَرُ إلَّا بِهِمْ،...
 

ما فيه النَّفَقَةُ فَالنَّفَقَةُ في مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَهُ(200) أَنْ يُنْفِقَ من مَالِ نَفْسِهِ ما له أَنْ يُنْفِقَ من مَالِ الْمُضَارَبَةِ على نَفْسِهِ وَيَكُونُ دَيْنًا في الْمُضَارَبَةِ، حتى كان له أَنْ يَرْجِعَ فيها؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ من الْمَالِ وَتَدْبِيرَهُ إلَيْهِ، فَكَانَ له أَنْ يُنْفِقَ من مَالِهِ وَيَرْجِعَ بِهِ على مَالِ الْمُضَارَبَةِ،...، لَكِنْ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَالِ حتى لو هَلَكَ الْمَالُ لم يَرْجِعْ على رَبِّ الْمَالِ بِشَيْءٍ -كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ في الْمُضَارَبَةِ-؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمُضَارِبِ من مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فإذا هَلَكَ هَلَكَ بِمَا فيه، كَالدَّيْنِ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، وَالزَّكَاةِ تَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ، وَحُكْمِ الْجِنَايَةِ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْعَبْدِ الْجَانِي...
 

وَأَمَّا ما تُحْتَسَبُ النَّفَقَةُ منه: فَالنَّفَقَةُ تُحْتَسَبُ من الرِّبْحِ أَوَّلًا إنْ كان في الْمَال رِبْحٌ، فَإِنْ لم يَكُنْ فَهِيَ من رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ جُزْءٌ هَالِكٌ من الْمَالِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْهَلَاكَ يَنْصَرِفُ إلَى الرِّبْحِ؛ وَلِأَنَّا لو جَعَلْنَاهَا من رَأْسِ الْمَالِ خَاصَّةً أو في نَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ من الرِّبْحِ لَازْدَادَ نَصِيبُ الْمُضَارِبِ في الرِّبْحِ على نَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ..." (201).
 

"وَالْأَصْلُ أَنَّ الْهَلَاكَ يَنْصَرِفُ إلَى الرِّبْحِ؛ وَلِأَنَّا لو جَعَلْنَاهَا من رَأْسِ الْمَالِ خَاصَّةً أو في نَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ من الرِّبْحِ لَازْدَادَ نَصِيبُ الْمُضَارِبِ في الرِّبْحِ على نَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ"(202).
 

"وَأَمَّا تَفْسِيرُ النَّفَقَةِ في مَالِ الْمُضَارَبَة: فَالْكِسْوَةُ وَالطَّعَامُ وَالْإِدَامُ وَالشَّرَابُ وَأَجْرُ الْأَجِيرِ وفراشٌ يَنَامُ عليه، وَعَلَفُ دَابَّتِهِ التي يَرْكَبُهَا في سَفَرِهِ وَيَتَصَرَّفُ عليها في حَوَائِجِهِ، وَغَسْلِ ثِيَابِهِ، وَدُهْنِ السِّرَاجِ وَالْحَطَبِ وَنَحْوِ ذلك. وَلَا خِلَافَ بين أَصْحَابِنَا في هذه الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ لَا بُدَّ له منها، فَكَانَ الْإِذْنُ ثَابِتًا من رَبِّ الْمَالِ دَلَالَةً.
 

وَأَمَّا ثَمَنُ الدَّوَاءِ وَالْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ وَالتَّنَوُّرِ وَالْأَدْهَانِ وما يَرْجِعُ إلَى التَّدَاوِي وَصَلَاحِ الْبَدَنِ فَفِي مَالِهِ خَاصَّةً، لَا في مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في مُخْتَصَرِهِ في الدُّهْنِ خِلَافَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ في مَالِ الْمُضَارَبَةِ عِنْدَهُ، وَذَكَرَ في الْحِجَامَةِ وَالْإِطْلَاءِ بِالنُّورَةِ وَالْخِضَابِ قَوْلَ الْحَسَنِ بن زِيَادٍ أَنَّهُ قال على قِيَاسِ قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ،...، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكُونُ في مَالِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لِلْمُضَارِبِ في الْمَالِ لِدَلَالَةِ الأذن الثَّابِتِ عَادَةً، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ، هذا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ يَقْضِي بِالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَلَا يَقْضِي بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
 

وَأَمَّا الْفَاكِهَةُ فَالْمُعْتَادُ منها يَجْرِي مَجْرَى الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ، وقال بِشْرٌ -في نَوَادِرِهِ-: سَأَلْتُ أَبَا يُوسُفَ عن اللَّحْمِ، فقال: يَأْكُلُ كما كان يَأْكُلُ؛ لِأَنَّهُ من الْمَأْكُولِ الْمُعْتَادِ..." (203).
 

"فإذا رَجَعَ الْمُضَارِبُ إلَى مِصْرِهِ فما فَضَلَ عِنْدَهُ من الْكِسْوَةِ وَالطَّعَامِ رَدَّهُ إلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ له بِالنَّفَقَةِ كان لِأَجْلِ السَّفَرِ، فإذا انْقَطَعَ السَّفَرُ لم يَبْقَ الْإِذْنُ، فَيَجِبُ رَدُّ ما بَقِيَ إلَى الْمُضَارَبَةِ"(204).
 

"وَأَمَّا قَدْرُ النَّفَقَةِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْرُوفِ عِنْدَ التُّجَّارِ من غَيْرِ إسْرَافٍ، فَإِنْ جَاوَزَ ذلك ضَمِنَ الْفَضْلَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ ثَابِتٌ بِالْعَادَةِ فَيُعْتَبَرُ الْقَدْرُ الْمُعْتَادُ"(205).
 

وَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ إلا في المضاربة الصحيحة؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ الْفَاسِدَةَ في مَعْنَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَجِيرُ لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ في الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، ونفقة الأجير على نفسه (206).
 

وقال المالكية: جاز له(207) الإنفاق من مال القراض على نفسه، ويُقضى له بذلك بشروط، وهي:
1.    إن سافر أو احتاج لما يشرع به فيه لتنمية المال -ولو دون مسافة قصر-: من طعام وشراب وركوب ومسكن وحمام وحجامة وغسل ثوب، ونحو ذلك على وجه المعروف حتى يعود لوطنه. ومفهوم الشرط: أنه لا نفقة له في الحضر. قال اللخمي: "ما لم يشغله عن الوجوه التي يقتات منها"(208)، أي: بأن كانت له صنعة مثلا ينفق منها فعطلها لأجل عمل المضاربة، فله الإنفاق من مالها. قال الدردير: "وهو قيد معتبر"(209).

 

2.    ألَّا يبني بزوجته التي تزوج بها في البلد التي سافر إليها لتنمية المال: فإن بنى سقطت نفقته؛ لأنه صار كالحاضر، فإن بنى بها في طريقه التي سافر فيها لم تسقط.
 

3.    أنْ يحتملَ مالُ المضاربةِ الإنفاقَ: بأن يكون كثيراً عرفاً، فلا نفقة له في اليسير.
 

4.    أنْ يكون سفره لأجل تنمية المال: أما لو كان سفره لزوجة مدخولٍ بها، وحجٍّ، وغزو، فلا نفقة له من مال المضاربة، لا في حال ذهابه ولا في حال إقامته في البلد التي سافر إليها، وأما في حال رجوعه فإن رجع من قربة فلا نفقة له، وإن رجع من بلد له بها أهلٌ فله النفقة؛ لأنَّ سفر القربة والرجوع منه لله، وليس الرجوع من عند الأهل كذلك.
 

والنفقة بالمعروف تكون في مال المضاربة لا في ذمة رب المال، ولو أنفق من مال نفسه رجع به في مال المضاربة، فإنْ تلف فلا رجوع له على ربه، وكذا لو زادت النفقة على المال لا رجوع له على ربه بالزائد. وللعامل أن يتخذ خادماً من المال في حال سفره، إن كان أهلاً لأنْ يُخدم بالشروط السابقة. وليس للعامل نفقة الدواء، وليس من الدواء الحجامة والحمام وحلق الرأس بل من النفقة. وللعامل أنْ يكتسي من مال المضاربة إنْ طال سفره حتى امتهن ما عليه، ولو كانت البلد التي أقام بها غير بعيدة، فالمدارُ على الطول ببلد التجر، والطول بالعرف، وذلك مع الشروط السابقة. ويوزع الإنفاقَ إنْ خرج العامل لحاجةٍ غير الأهل والقربة مع خروجه للمضاربة على قدرِ الحاجة والمضاربة، فإنْ كان ما ينفقه على نفسه في حاجته مائة وفي المضاربة مائة، فأنفق مائة كان نصفها عليه ونصفها من مال المضاربة، وإن كان ما ينفقه على نفسه في اشتغاله بالمضاربة مائتين وزَّع الإنفاق على الثلث والثلثين(210).
 

وقال الشربيني: ولا ينفق منه(211) على نفسه حضراً جزماً، وكذا سفرا في الأظهر كما في الحضر؛ لأنَّ له نصيبا من الربح فلا يستحق شيئا آخر؛ ولأن النفقة قد تكون قدر الربح فيؤدي إلى انفراده به، وقد تكون أكثر فيؤدي إلى أن يأخذ جزءاً من رأس المال وهو ينافي مقتضاه، فلو شرط له النفقة في العقد فسد.
 

وفي مُقابل الأظهر: أنَّه ينفق من مال المضاربة بالمعروف ما يزيد بسبب السفر كالإداوة والخف والسفرة والكراء؛ لأنه حبسه عن الكسب والسفر لأجل القراض، فأشبه حبس الزوجة بخلاف الحضر، ويحسب هذا من الربح فإن لم يكن فهو خسران لحق المال(212).
 

وقال الشيخ منصور البهوتي: "(وليس للمضارب نفقة) من مال المضاربة (ولو مع السفر) بمال المضاربة؛ لأنه دخل على أنْ يستحق من الربح شيئا فلا يستحق غيره، إذ لو استحقها لأفضى إلى اختصاصه به حيث لم يربح سوى النفقة (إلا بشرط...).
قال الشيخ تقيُّ الدين: أو عادة (فإن شرطـ)... النفقة رب المال (لـ).. ـلمضارب (وقدرها فحسن) قطعاً للمنازعة (فإن لم يقدر)... النفقة (واختلفا)... في قدر النفقة (فله نفقة مثله عرفا من طعام وكسوة) كالزوجة؛ لأنَّ إطلاق النفقة يقتضي جميع ما هو ضروراته المعتادة"(213).

 

ثانياً: الرِّبْحُ الْمُسَمَّى:
 ويشمل مايلي: قسمةُ الربح في المضاربة، وشرطُ جوازها، واستيفاء ربِّ المال رأس المال في المضاربة –وتأتي ضمناً-:
استحقاقُ الْمُضَارِبُ بِعَمَلِهِ فِي الْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ الرِّبْحَ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ فِيها رِبْحٌ، لَا خِلَافَ فِيهِ بينَ الفقهاء(214). وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَمْلِكُ الْمُضَارِبُ فِيهِ حِصَّتَهُ مِنْ رِبْحِ الْمُضَارَبَةِ، وإليكَ بيانه:

 

القول الأول: وهو قول الجمهور، وهو قول الحنفية، والمشهور عندَ المالكية، والشافعية في الأظهر والحنابلة في رواية، إلى أنَّ المضارب يملك حصته من الربح بالقسمة لا بالظهور؛ لأنَّ المضارب لو ملكَ حصته من الربح قبل القسمة لاختصَّ بربحها فكان شريكاً لربِ المالِ شركةَ عنانٍ، فلو هلكَ شيءٌ هلك من المالين.
 

قال الكاساني: "يستحق المضارب بعمله في المضاربة الصحيحة الربح المسمى -إن كان فيها ربحٌ- وإنما يظهر الربح بالقسمة، وشرطُ جوازِ القسمةِ قبضُ(215) رأسِ المال، فلا تصح قسمة الربح قبل قبض رأس المال،...؛ ولأنَّ الربحَ زيادةٌ، والزيادة على الشيء لا تكون إلا بعد سلامة الأصل؛ ولأنَّ المال إذا بقي في يد المضارب فحكم المضاربة بحالها، فلو صححنا قسمة الربح لثبتتْ قسمةُ الفرعِ قبلَ الأصل فهذا لا يجوز"(216).
 

وقال المالكية: "لا يقسم فيه ربحٌ إلا بعد كمالِ رأس المال،...، فما بقي بعد تمام رأس المال كان بينهما على ما شرطا"(217). وقالوا: "ولا يقتسمان أَيْ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ الرِّبْحَ حتى يَنِضَّ رَأْسُ الْمَالِ، أو يَتَرَاضَيَا على قِسْمَةٍ، فإنْ طَلَبَ أحدهما نَضُوضَهُ،...، فَالْحَاكِمُ يَنْظُرُ في ذلك من تَعْجِيلٍ أو تأخيرٍ، فما كان صَوَابًا فَعَلَهُ، وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الْعُرُوضِ إذا تَرَاضَوْا عليها وَتَكُونُ بَيْعًا.
وإنما لم تجزْ قِسْمَتُهُ قبل نَضُوضِهِ إلا بِرِضَاهُمَا؛ لأنَّه إذا قُسِمَ قد تَهْلِكُ السلعُ أو تَتَحَوَّلُ أسواقها فَيَنْقُصُ رأس الْمَالِ، فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ لِرَبِّ الْمَالِ بِعَدَمِ جَبْرِ الْمَالِ بِالرِّبْحِ"(218).

 

وقال الشربيني: "والأظهر عند الأكثرين -كما في المحرر- أنَّ العامل في المضاربة يملكُ حصته من الربح الحاصل بعمله بالقسمة للمال لا بظهور الربح"(219).
 

القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة، وهو قول مقابلٌ للأظهرِ عند الشافعية: أنَّ المضارب يملك حصته من الربح بالظهور قبل القسمة.
قال الشيرازي: "وإن ظهر في المال ربحٌ ففيه قولانِ: ...والثاني: أن العامل يملك حصته من الربح لأنه أحد المتقارضين فملك حصته من الربح بالظهور كرب المال"(220).
وَعَنْ الإمامِ أحمدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أنَّ العاملَ يَمْلِكُ حصته منَ الرِبحِ بِالْمُحَاسَبَةِ وَالتَّنْضِيضِ وَالْفَسْخِ قبل الْقِسْمَةِ وَالْقَبْضِ، وَنَصَّ عليها وَاخْتَارَهُا شَّيْخُ الإِسلام -رَحِمَهُ اللَّهُ- وغيره(221).
قال المرداوي: "يَسْتَقِرُّ الْمِلْكُ فيها بِالْمُقَاسَمَةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَلَا يَسْتَقِرُّ بِدُونِهَا، وَمِنْ الْأَصْحَابِ من قال: يَسْتَقِرُّ بِالْمُحَاسَبَةِ التَّامَّةِ -كابن أبى مُوسَى وَغَيْرِهِ-، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أبو بَكْرٍ، قال في الْقَوَاعِدِ: وهو الْمَنْصُوصُ صَرِيحًا عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ"(222).

 

الراجح: -والله أعلم- أنَّ المضاربَ يملك حصته من الربح بمجرد الظهور، بأيِّ كيفية ظهر ذلك، لكنَّ هذا الملك لا يستقرُّ إلا بالمقاسمة والمحاسبةِ التامة؛ لأنَّه لا يُؤمن أن تخسر الشركة فيكون جبران الخسران بهذا الربح الظاهر، ولعلَّ في هذا القول جمعاً بينَ القولين(223).
 

ثمرة الخلاف: وتظهر ثمرة الخلاف في مسائل منها:
1.    إذا اشترى العاملُ مَنْ يعتقُ عليه، فإنْ ظهرَ بعدما اشتراه ربحٌ.
فإن قلنا: إنه لا يملك حصته إلا بالقسمة، لم يعتُقْ عليه، وإنْ قلنا: إنه يملك بالظهور، فإنه يعتُقُ عليه(224).

 

2.    إذا انفسخَ عقدُ المضاربةِ والمال من غير جنس رأس المال –عَرَضٌ- فإنْ طلبَ العاملُ البيعَ وامتنع ربُّ المال أُجبِرَ؛ لأنَّ حقَّ العامل في الربح، ولا يحصل إلا بالبيع. فإن قال ربُّ المال: أنا أعطيك ما لكَ فيه من الربح، وامتنعَ العاملُ.
فإن قلنا: إنَّه يملك حصته من الربح بالظهور، لمْ يُجْبر على أخذهِ، كما لو كان بينهما مالٌ مشترك، وبذَلَ أحدهما للآخر عِوَضَ حقه، وإنْ قُلنا: إنه لا يملك، ففيه وجهان: بناءً على القولين في العبد الجاني إذا امتنع المولى عن بيعه، وضمن للمجني عليه قيمته،...، الثاني: أنَّه يُجبر؛ لأنَّه ربما زادَ مزايد، ورَغِبَ راغبٌ، فزادَ في قيمته(225).
المطلب الثاني: ما يستحقه رب المال في المضاربة الصحيحة:
"الذي يَسْتَحِقُّهُ رَبُّ الْمَالِ الرِّبْحُ الْمُسَمَّى إذَا كان في المال رِبْحٌ، وَإِنْ لم يَكُنْ فَلَا شَيْءَ له على الْمُضَارِبِ"(226).

 

المبحث الثاني: آثار المضاربة الفاسدة:
وسأتطرق في ثنايا هذا المبحث إلى ما يستحقه المُضاربُ في المُضاربة الفاسدة، وأجرةُ المثل في المضاربة الفاسدة، والربحُ في المُضاربة الفاسدة.

 

وقدْ سبقَ أنَّ المضاربةَ إنْ تخلَّف شرطٌ من شروط صحتها، أو اشتُرِطَ فيها شرطٌ فاسدٌ يعود بجهالة الربح، أو يمنع موجبَ العقد، أنَّها تفسدُ(227)، وقد اتفقَ الفقهاء عندَ فسادها على أمور:
1.    فسخ العقدِ وردُّ المال إلى صاحبهِ، ما لمْ يَفُتْ بالعمل. قال ابن رشد: "واتفقوا على أنَّ حكم القراض الفاسد فسخه ورد المال إلى صاحبه ما لم يفت بالعمل"(228).
2.    نفاذُ تصرف المضارب فيما فاتَ بالعمل، قبلَ معرِفةِ الفساد.
3.    كونُ جميعِ الربح لربِّ المال، والخسارةُ عليه.
4.    عدمُ تضمينِ العامل ما تلف من المال، ما لمْ يُفرِّطْ(229).

 

واختلف الفقهاء في بعض ما يترتب على فسادِ المضاربة، وإليكَ الخلافَ في المسألة:
القول الأول: ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة: إلى أنه يترتب على فساد المضاربة أمورٌ، وهي:
1.    أنَّ الربح -إن حدثَ- يكون كله لرب المال؛ لأنَّ الربح نماء ماله، وإنما يستحق المضارب شطرا منه بالشرط، ولم يصحَّ الشرط؛ لأنَّ المضاربة إذا فسدت فسد الشرط، فلم يستحق المضارب من الربح شيئا، وكان كله لربِّ المال.
2.    أنَّ المضارب له أجر مثله -خسر المال أو ربح-؛ لأنَّ عمله إنما كان في مقابلة المسمى، فإذا لم تصح التسمية وجَبَ ردُّ عمله عليه، وذلك متعذر، فوجب له أجرة المثل؛ ولأنَّ المضاربة الفاسدة في معنى الإجارة الفاسدة، والأجيرُ لا يستحق المسمى في الإجارة الفاسدة، وإنما يستحق أجر المثل(230).
قال في الدر المختار: "(وإجارة فاسدة إن فسدت فلا ربح) للمضارب (حينئذٍ بل له أجر) مثل (عمله مطلقاً) ربح أو لا (بلا زيادة على المشروط) خلافاً لمحمد والثلاثة"(231).
قال ابن عابدين –في شرحه-: "قوله: (مطلقاً) هو ظاهر الرواية، قوله: (ربح أو لا) وعن أبي يوسف إذا لم يربح لا أجر له، وهو الصحيح؛ لئلا تربو الفاسدة على الصحيحة"(232).
وقال: "قوله: (خلافاً لمحمد) فيه إشعارٌ بأنَّ الخلاف فيما إذا ربح، وأما إذا لم يربح فأجر المثل بالغاً ما بلغْ؛ لأنَّه لا يمكن تقديره بنصف الربح المعدومِ،...، لكنْ في الواقعات: ما قاله أبو يوسف مخصوص بما إذا ربح، وما قاله محمد إنَّ له أجر المثل بالغاً ما بلغ فيما هو أعمُّ"(233).

 

القول الثاني: ذهب إليه المالكية: إذْ الأصلُ عندهم أنَّ كلَّ مسألة خرجت عن حقيقة المضاربة من أصلها ففيها أجرة المثل، وأما إنْ شملتها المضاربة لكن اختل منها شرط ففيها مضاربة المثل. وقالوا: إذا فسدت المضاربة فإنَّ ما يستحقه المضارب يختلف باختلاف الأحوال، على ما يلي:
1.    يستحق المضارب أجرة مثله ومضاربة مثل المال في ربحه إن ربح، ومن ذلك:
أ‌-    إذا كان رأس المال عرضاً دفعهُ ربُّ المال وتولى المضارب بيعه وعمل بثمنه مضاربة.
ب‌-    إذا كانَ رأسُ المال رهناً أو وديعة، أو ديناً وكّلَ ربُّ المال المضاربَ على تخليصه والعمل بما خلصه مضاربة.
ت‌-    إذا كان أحد النقدين دفعه ربُّ المال إلى المضارب ليصرفه ثم يعملُ بما صرفه مضاربة. فللمضاربِ إنْ عمل أجرُ مثله في توليهِ بيعَ العرض، أو تخليصَ الرهنِ، أو الوديعةِ، أو الدينِ، أو في توليهِ الصرف، وهذا الأجرُ يكون في ذمة رب المال. وللمضارب في كلِّ هذه الصور معَ أجرِ المثلِ مضاربةُ مثلِ المال في ربحه -إن ربح- لا في ذمةِ ربِّ المال، حتى إذا لم يحصل ربح لم يكن له شيء.

 

2.    يستحقُّ المضاربُ مضاربةَ مثلِ المالِ، في حالةِ ما إذا انتفى علمُ نصيبِ العامل من الربح، أو إذا أُبهمت المضاربة، أو أُجلت ابتداء أو انتهاء، أو ضمن العامل، أو شَرط عليه شراء ما يقل وجوده.
فللمضارب في كلِّ صورةٍ مضاربة المثل في الربح إنْ عمل وربح المال، وإلا فلا شيءَ له في ذمة ربِّ المال.

 

3.    يستحقُّ المضارب أجرَ مثله. وذلك في غيرِ ما سبق -ونحوه- من المضارباتِ الفاسدة، كاشتراط يده، أو مشاورته، أو أمين عليه، أو كخياطة أو خرزٍ، أو تعيين محلٍ، أو زمن، أو شخصٍ، أو مشاركةٍ، أو خلط.
 

وفرَّق المالكية بين ما فيه مضاربة المثل وما فيه أجر المثل من المضاربات الفاسدة من وجوه:
1.    أنَّ ما فيه مضاربةُ المثل لا شيءَ للمضارب فيه إنْ لم يحصل ربحٌ، بخلافِ أجرة المثل فإنها لا ترتبط بحصول ربح، بل تثبت في ذمةِ ربِّ المال ولو لم يحصل ربح. وهذا هوَ مشهورُ مذهبِ المالكية، وقال ابنُ حبيب: "أنَّ له أُجرة المثل من الربح، فإنْ لم يكن فلا شيء له"(234).
2.    أنَّ ما فيه مضاربةُ المثلِ يُفسخُ قبل العملِ ويفوتُ بالعملِ، وما فيه أُجرة المثل يفسخ متى اطُلِعَ عليه وله أجرةُ ما عمل.
3.    أنَّ العاملَ يكونُ أحقَّ من الغرماءِ إذا كان له مضاربة المثلِ، ويكون أسوتهم إذا كان له أجر المثل. على ظاهر المدونة والموازية، ما لم يكن الفساد باشتراط عمل يده -كأنْ يشترط عليه أن يخيط مثلاً- فإنه حينئذٍ يكون أحق به من الغرماء؛ لأنَّه صانع(235).

 

نقلَ في الفتاوى الهندية: "وَكُلُّ ما جَازَ لِلْمُضَارِبِ في الْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ من شِرَاءٍ أو بَيْعٍ أو إجَارَةٍ أو بِضَاعَةٍ أو غَيْرِ ذلك، فَهُوَ جَائِزٌ له في الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ،...، كَذَا في الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ"(236).
 

تصرفات العامل في المضاربة الفاسدة:
فقد ذهب الشافعية والحنابلة: إلى أنَّ تصرفات العامل في المضاربة الفاسدة نافذة كتصرفاته في الصحيحة؛ لإذن رب المال له في التصرف(237).
قال الرملي: "إذا فسد القراض وبقي الإذن لنحو فوات شرط -ككونه غير نقدٍ- والمقارض مالكٌ نفذَ تصرفُ العامل؛ نظراً لبقاء الإذن كالوكالة الفاسدة. أما إذا فسدَ –القراض- لعدمِ أهليِّة العاقد، أو والمقارض وليٌّ، أو وكيلٌ، فلا ينفذ تصرفه"(238).
وقال الحنفية والحنابلة: "لا ضمان على العامل في المضاربة الفاسدة؛ لأن ما لا ضمان في صحيحه لا ضمان في فاسده"(239).

 

الفصل الرابع: الاختلاف في المضاربة وانفساخها.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: اختلاف ربّ المال والمضارب.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الاختلاف في تلف رأس المال.
المطلب الثاني: الاختلاف في الرّبح الحاصل بالمضاربة.
المبحث الثاني: انفساخ شركة المضاربة.
وفيه أربع مطالب:
المطلب الأول: موت ربّ المال أو المضارب.
المطلب الثاني: فقدان أهليّة أحدهما أو نقصها.
المطلب الثالث: فسخ المضاربة.
المطلب الرابع: تلف رأس مال المضاربة.

 

الفصل الرابع: الاختلاف في المضاربة وانفساخها:
المبحث الأول: اختلاف ربّ المال والمضارب:
المطلب الأول: الاختلاف في تلف رأس المال:

 اتفق الفقهاء على أنه إذا اختلف العامل ورب المال في تلف المال، بأن ادعاه العامل وأنكره رب المال. فالقول قول العامل؛ لأنَّه أمين، والأمين مُصدَّقٌ فيما أؤتمنَ عليه، والأصل عدم الخيانة، هذا إذا لم تقمْ بيّنة على كذبه وخِيانته وإلا ضمنَ؛ لأنَّه صار بذلكَ جاحداً، فيضمن بالجحود، ويكون القول قول ربِّ المال(240).

 

قال النووي: "فادعى التلف(241) بسببٍ خفيٍّ كالسرقة، صُدِّق بيمينه، وإنْ ادعاه بسببٍ ظاهرٍ كالحريق والغارة والسيل، فإنْ لم يعرف ما ادعاه بتلك البقعة لم يقبل قوله في الهلاك به، وإنْ عَرَفَ بالمشاهدة أو الاستفاضة، نظرَ إنْ عرف عمومه صدق بلا يمين، وإنْ لم يعرف عمومه واحتمل أنه لم يصب الوديعة صدق باليمين"(242).
وأضاف الدردير والبهوتي: محلُّ ذلك إذا لم تقم على كذبه أو تشهد بخلاف ذلك، قرينةٌ أو بيِّنةٌ إنْ قبضهُ بلا بيِّنة تُوَّثقُ(243)، وزاد البهوتي: "وإن ادعى الهلاك بأمرٍ ظاهرٍ كُلِفَ بينة تشهد به، ثم حلف أنه تلف به"(244).
قال الصاوي في بُلغة السالك: "هذا هو الراجح –يعني باليمين-، وقيلَ: بغير يمين، والخُلْفُ جارٍ على الخلاف في أيمان التهمة، وفيها أقوال ثلاثة: قيل: تتوجه مطلقاً، وهو المُعتمد، وقيل: لا مطلقاً، وقيل: تتوجه، إنْ كان متهماً عند الناس"(245).

 

المطلب الثاني: الاختلاف في الربح الحاصل بالمضاربة:
إذا اختلف العامل والمالك في الربح، فقال العامل: ما ربحت، أو ما ربحت إلا ألفاً، فقال المالك: بل ألفين.
فقد ذهب الشافعية(246) والحنابلة(247): إلى أنَّ القول قول العامل، وصرَّح الشافعية بأنَّ العامل يصدق بيمينه(249). وقالوا: "إذا قال: ربحت في المال ألفاً، وادعى أنه غلط فيه، وأظهر ذلك خوفاً من نزع المال من يده لم يقبل قوله؛ لأنَّ هذا رجوع عن الإقرار بالمال لغيره فلمْ يُقبل... في حصةِ الآخر"(249).

المبحث الثاني: انفساخ شركة المضاربة:
تنفسخُ المضاربة بأسباب منها، وفيما يلي تفصيلُ بعضها.
 

المطلب الأول: موت رب المال أو المضارب:
وقد اختلف الفقهاء في انفساخ المضاربة به على قولين:
القول الأول: وإليه ذهبَ جمهورُ الفقهاء -من الحنفية(250) والشافعية(251) والحنابلة(252)-: إلى أنَّ المضاربة تنفسخ بموتِ ربِّ المال أو المضارب لأن المضاربة كالوكالة، أو تشتمل عليها، والوكالة تبطل بموت الموكل أو الوكيل، غير أنهم ذهبوا إلى أنَّ رأس المال إذا كان عند الموت عرضا فإن للمضارب البيع لتنضيضه(253).

 

القول الثاني: وإليه ذهبَ المالكية: أنه إنْ مات عامل المضاربة قبل نضوض رأس مالها فلوارثه الأمين -دون غيره- أنْ يكمل العمل على حكم مورثه، فيبيع ما بقي من سلع المضاربة ويأخذ حظ مورثه من الربح(254)، "ولا ينفسخ عقد المضاربة بموتِ العامل... ارتكاباً لأخف الضررين، وهما: ضررُ الورثة في الفسخ، وضرر رب المال في إبقائه عندهم، ولا شك أنَّ ضرر الورثة بالفسخ أشدّ؛ لضياع حقهم في عمل مورثهم"(255). وإن لم يكن وارث العامل أمينا أتى الوارث بأمين، كالعامل الأول الذي مات في الأمانة والثقة، يكمل العمل في مال المضاربة ويكون بصيرا بالبيع والشراء، "بخلاف أمانة الوارث فلا يشترط فيها مساواتها لأمانة المورث، والفرق أنه يحتاط في الأجنبي ما لا يحتاط في الوارث"(256).
 

قال الدسوقي: "وَبَعْضُهُمْ اكْتَفَى بِمُطْلَقِ الْأَمَانَةِ في الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ لم تَكُنْ مِثْلَ الْأَمَانَةِ في الْأَوَّلِ،...، (وَإِلَّا يَأْتِ)...وَارِثُ الْعَامِلِ بِأَمِينٍ كَالْأَوَّلِ، أَيْ: وَالْفَرْضُ أَنَّ ذلك الْوَارِثَ غَيْرُ أَمِينٍ. قَوْلُهُ: (هَدَرًا): أَيْ: تَسْلِيمًا هَدَرًا لِأَنَّ عَمَلَ الْقِرَاضِ كَالْجُعَلِ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ فيه شيئا إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ"(257). والمراد بـ(هدراً): "أي: بغير أخذ شيءٍ من ربح أو أجرة في نظير عملِ منْ مات" (258). وفي المدونة: "فإنْ ماتَ ربُّ المال (قال): فهؤلاء على قراضهم بحال ما كانوا إنْ أراد الورثة ذلك، فإنْ أراد الورثة أخذ مالهم كانوا بمنزلة ما وصفت لك في الرجل إذا قارض رجلا فاشترى سلعة ثم أراد أخذ ماله-يعني فليسَ لهم ذلك- وهذا قول مالك"(259)، "ولكن ينظر فيما في يديه من السلع: فإنْ رأى السلطانَ وجه بيعٍ باع فأوفاك رأس مالك، وكانَ ما بقى من الربح على ما اشترطتما، وإنْ لمْ يرَ السلطان وجه بيعٍ، أخَّر السلع حتى يرى وجهَ بيعٍ"(260)، "إنْ مات ربُّ المال والمال في يدي المقارض ولمْ يعمل به بعد... قال مالك: لا ينبغي أنْ يعمل به ويؤخذ منه، قلتُ -أي سحنون-: فإنْ لم يعلم العامل بموت ربِّ المال حتى اشترى بالمال بعد موت رب المال، قال: هو على القراض حتى يعلم بموته"(261).
 

فاتضح أنَّ المضاربة عند الجماهير تنتهي بموتِ أحدهما، فموتُ ربِّ المال ينهي المضاربة؛ لأنها تعتمدُ على الإذن منه للمضارب في التصرف بمال المضاربة، وبوفاة صاحب المال ينتهي الإذن.
 

وموت العامل كذلك يُنهي المضاربة؛ لأنَّ الإذن من ربِّ المال صادرٌ له هو، ولا يتصور بقاء الإذن بعد وفاة المُضارب(262).
المطلب الثاني: فقدان أهليَّة أحدهما أو نقصها:

 

قد يعرض لأهليِّة رب المال أو المضارب من عوارض الأهلية ما يذهبها أو ينقصها، مما قد يكون سببا في إنهاء المضاربة، ومن هذه العوارض:
أولاً: الجنون: ذهب الفقهاء -من الحنفية(263)، والمالكية(264)، والشافعية(265)، والحنابلة(266)-: إلى أنَّ الجنونَ المُطبق إذا اعترى أحدُ طرفي عقد المضاربة فإنه يُبطل العقد.

 

ثانياً: الإغماء: نصَّ الشافعية على أنَّ الإغماء سببٌ تنفسخ به المضاربة، قال النووي: "ولو مات أحدهما أو جن أو أغمي عليه انفسخ"(267)، قال الشربيني: "وكالجنون الإغماء المفهوم بالأولى"(268).
 

ثالثاً: الحجر: نص الحنفية(269)، والحنابلة: على أنَّ المضاربة تبطل بالحجر يطرأ على أحد العاقدين.
 

فأما ربَّ المال؛ لأنَّه محل التصرف، وكان ماله لغرمائه.
وأما العامل لسفهه؛ لأنَّه متصرف في مال غيره بإذنه، والسفيه لا يُحسنُ التصرف في ماله، فكيفَ يتولى مالَ الآخرين؟(270).
قال البهوتي: "(وإذا مات أحد المتقارضين أو جُنَّ) جنوناً مُطبقاً (أو توسوس) بحيث لا يُحسن التصرف (أو حُجِرَ عليه لسفهٍ انفسخ القراضُ)؛ لأنَّه عقدٌ جائز من الطرفين فبطلَ بذلك كالوكالة"(271).

 

المطلب الثالث: فسخ المضاربة:
ينتهي عقد المضاربة عن طريق الفسخ بأحد أمرين:
الأول: اتفاق العاقدين على الفسخ بإرادتهما؛ لأنَّ الحق لهما لا يعدوهما.
الثاني: انتهاء المضاربة بفسخِ أحدهما بإرادته المنفردة.

 

ويحصل الفسخ بـ: القول: فسختُ المضاربة، أو رفعتها، أو أبطلتُها، أو بقولِ المالك للعامل: لا تتصرف بعد هذا. ونحو ذلك.
 أو بالفعل: كاسترجاع ربِّ المال رأس مال المضاربة كله. وغير ذلك.
وعقد المضاربة –كما سبق- من العقود الجائزة غير اللازمة، والأصل فيه أنه يجوز لكل من رب المال والمضارب فسخ العقد بإرادته المنفردة متى شاء، رضِيَ صاحبه أو لمْ يرضَ.

 

وهذا باتفاق الفقهاء في الجملة، غير أنهم اختلفوا بعد ذلك:
فقال الشافعية والحنابلة: لكل من العاقدين فسخ عقد المضاربة متى شاء دون اشتراط علم الآخر وكونُ رأس المال ناضاً.
قال الشافعية: "وَالْعَامِلُ بَعْدَ الْفَسْخِ يَبِيعُ مَالَ الْقِرَاضِ جَوَازًا إذَا تَوَقَّعَ رِبْحًا، بِأَنْ ظَفِرَ بِسُوقٍ أو رَاغِبٍ،... وَلَا يَشْتَرِي لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ مع كَوْنِهِ لَا حَظَّ له فيه" (272)، "(ويلزم العامل الاستيفاء) لدين مال القراض (إذا فسخ أحدهما) أو هما أن انفسخ،...؛ لأنَّ الدين ناقص، وقد أخذ منه(273) ملكاً تاماً فليرد كما أخذ، سواء كان في المال ربح أم لا،...ولو رضي المالك بقبول الحوالة جاز.
(و) يلزم العامل أيضاً (تنضيض رأس المال إن كان) عند الفسخ (عرضاً) وطلب المالك تنضيضه، سواء أكان في المال ربح أم لا"(274).

 

وقال ابن قدامة: "وإن انفسخت والمال عرض فاتفقا على بيعه أو قسمه جاز؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما. وإن طلب العامل البيع وأبى رب المال وقد ظهر في المال ربح أجبر رب المال على البيع،...؛ لأنَّ حق العامل في الربح ولا يظهر إلا بالبيع، وإن لم يظهر ربح لم يجبر،...، وإن انفسخ القراض والمال دين لزم العامل تقاضيه سواء ظهر في المال ربح أولم يظهر"(275).
 

وقال الحنفية: لكلٍّ منْ ربِّ المال والمضارب الفسخ بشرط عِلْمِ صاحبه، وكونِ رأسِ المال عيناً عند الفسخ.
قال الكاساني: "لو نهى رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارِبَ عن التَّصَرُّفِ وَرَأْسُ الْمَالِ عُرُوضٌ وَقْتَ النَّهْيِ لم يَصِحَّ نَهْيُهُ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهَا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِيَظْهَرَ الرِّبْحُ، فَكَانَ النَّهْيُ وَالْفَسْخُ إبْطَالًا لَحَقِّهِ في التَّصَرُّفِ فَلَا يَمْلِكُ ذلك، وَإِنْ كان رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أو دَنَانِيرَ وَقْتَ الْفَسْخِ وَالنَّهْيِ صَحَّ الْفَسْخُ وَالنَّهْيُ، لَكِنْ له أَنْ يَصْرِفَ الدَّرَاهِمَ إلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّنَانِيرَ إلَى الدَّرَاهِمِ(276) لِأَنَّ ذلك لَا يُعَدُّ بَيْعًا(277) لِاتِّحَادِهِمَا في الثَّمَنِيَّة"ِ(278).

 

وقال المالكية: حقُّ كلٍّ منهما في الفسخ مقيَّدٌ بكونه قبل شراء السلع بالمال.
قال الصاوي: "(وإن نهاه(279)...)... العامل... قبل أن يعمل به، قال له: يا فلان لا تعمل. فيحينئذٍ ينحلُّ عقد القراض، ويصير المال كالوديعة، فإذا عمل بعد ذلك كان الربح للعامل وحده،...(وليس لرب المال عليه إلا رأس ماله)" (280).

 

المطلب الرابع: تلف رأس مال المضاربة:
يمكن تقسيم تلف رأس المال إلى قسمين:
الأول: تلف المال كله:
فقد ذهب الفقهاء إلى أن المضاربة تنفسخ بتلف مال المضاربة الذي تسلمه المضارب قبل التصرف فيه؛ لأنَّ محل التصرف الذي تعين للمضاربة، وتعلق به عقدها قد هلك وزال، فبهلاكه يفوتُ المحل.
وأما إذا هلك بعد تحريكه في عمليات البيع والشراء للمضاربة ارتفع عقد المضاربة وانفسخ. وذلك في الجملة.

 

الثاني: تلف بعض المال:
المضاربة في هذه الحالة تنفسخُ بقدر ما تلف من رأس المال ويظلُّ باقيهِ على المضاربة.
وإذا هلك بعد العمل فيه ارتفعت المضاربة بقدر ما تلف أو هلك، ويكون رأس مالها ما بقي بعد الهلاك. وذلك عند بعض الفقهاء وفي أحوال ذكروها(281).
قال الكاساني –من الحنفية-: "وَتَبْطُلُ بِهَلَاكِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ في يَدِ الْمُضَارِبِ قبل أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ شيئا في قَوْلِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِعَقْدِ الْمُضَارَبَةِ بِالْقَبْضِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ كَالْوَدِيعَةِ، وَكَذَلِكَ لو اسْتَهْلَكَهُ الْمُضَارِبُ أو أَنْفَقَهُ أو دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ فَاسْتَهْلَكَهُ...، فَإِنْ أَخَذَ مثله من الذي اسْتَهْلَكَهُ كان له أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ على الْمُضَارَبَةِ، كَذَا رَوَى الْحَسَنُ عن أبي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَخَذَ عِوَضَ رَأْسِ الْمَالِ فَكَانَ أَخْذُ عِوَضِهِ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ ثَمَنِهِ فَيَكُونُ على الْمُضَارَبَةِ.

 

وَرَوَى ابن رُسْتُمَ عن مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لو أَقْرَضَهَا الْمُضَارِبُ رَجُلًا فَإِنْ رَجَّعَ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ بِعَيْنِهَا رَجَعَتْ على الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَعَدَّى يَضْمَنُ لَكِنْ زَالَ التَّعَدِّي فَيَزُولُ الضَّمَانُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ، وَإِنْ أَخَذَ مِثْلَهَا لم يَرْجِعْ في الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ قد اسْتَقَرَّ بِهَلَاكِ الْعَيْنِ، وَحُكْمُ الْمُضَارَبَةِ مع الضَّمَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ.
 

هذا إذَا هَلَكَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ قبل أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُضَارِبُ شيئاً. فَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِأَنْ كان مَالُ الْمُضَارَبَةِ أَلْفًا فَاشْتَرَى بها جَارِيَةً ولم يَنْقُدْ الثَّمَنَ الْبَائِعَ حتى هَلَكَتْ الْأَلْفُ، فَقَدْ قال أَصْحَابُنَا: الْجَارِيَةُ على الْمُضَارَبَةِ، وَيَرْجِعُ على رَبِّ الْمَالِ بِالْأَلْفِ فَيُسَلِّمُهَا إلَى الْبَائِعِ وَكَذَلِكَ إنْ هَلَكَتْ الثَّانِيَةُ التي قَبَضَ يَرْجِعُ بِمِثْلِهَا على رَبِّ الْمَالِ.
 

وَكَذَلِكَ سَبِيلُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وما بَعْدَ ذلك أَبَدًا حتى يُسَلِّمَ إلَى الْبَائِعِ، وَيَكُونَ ما دَفَعَهُ أَوَّلًا رَبُّ الْمَالِ وما غَرِمَ كُلُّهُ من رَأْسِ الْمَالِ،...لِأَنَّ الْمُضَارِبَ مُتَصَرِّفٌ لِرَبِّ الْمَالِ فَيَرْجِعُ بِمَا لَحِقَهُ من الضَّمَانِ بِتَصَرُّفِهِ له كَالْوَكِيلِ، غير أَنَّ الْفَرْقَ بين الْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ: أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا هَلَكَ الثَّمَنُ في يَدِهِ فَرَجَعَ بمثله إلَى الْمُوَكِّلِ ثُمَّ هَلَكَ الثَّانِي لم يَرْجِعْ على الْمُوَكِّلِ، وَالْمُضَارِبُ يَرْجِعُ في كل مَرَّةٍ"(282).
 

وقال المالكية: إنَّ تلف جميع مال المضاربة من يد العامل انفسخ العقد، وإنْ تلف بعض المال انفسخت فيما تلف وظلت قائمة فيما بقي. وقالوا: "لرب المال التالف بيد العامل كله أو بعضه (الخلف) لما تلف كلاً أو بعضاً، فإن تلف جميعه لم يلزم العامل قبوله(283)، وأما إنْ تلف بعضه فيلزمه قبوله إنْ تلف البعض بعد العمل لا قبله(284)؛ لأنَّ لكلٍّ منهما الفسخ، (و) إذا اشترى العامل سلعة للقراض، فذهب ليأتي لبائعها بثمنها فوجد المال قد ضاع وأبى ربه من خلفه (لزمته السلعة) التي اشتراها، فإنْ لم يكن له مال بيعت عليه وربحها له وخسرها عليه"(285).
 

"أما إنْ تلف جميع مال المضاربة من يد العامل، وأراد رب المال الخلف فإن العامل لا يلزمه قبول الخلف؛ لانفساخ المضاربة وانقطاع المعاملة بينهما"(286). والمشهورُ من مذهب المالكية أنَّه "لَا يُجْبَرُ التَّالِفُ بِرِبْحِ الْخَلَفِ سَوَاءٌ كان التالف كُلَّ الْمَالِ أو بَعْضَهُ -كما قال اللَّخْمِيُّ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ عن التُّونُسِيِّ-"(287)، خِلَافًا لِما قاله بعضهم: "أَنَّهُ إذَا تَلِفَ الْبَعْضُ وَأَخْلَفَهُ رَبُّهُ فإنه يُجْبَرُ تَلَفُ الْأَوَّلِ بِرِبْحِ الثَّانِي"(288). وقالوا: "أَنَّ الْعَامِلَ وَرَبَّ الْمَالِ إذَا جَنَى أَحَدُهُمَا على شَيْءٍ من مَالِ الْقِرَاضِ، أو أَخَذَ أَحَدُهُمَا شيئاً منه قَرْضًا،...، (فَكَأَجْنَبِيٍّ فَيُتْبَعُ)... الْآخِذُ وَالْجَانِي بِمَا أَخَذَهُ وما أَتْلَفَهُ بِجِنَايَتِهِ، (وَلَا يُجْبَرُ ذلك)... بِالرِّبْحِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ إنَّمَا يَجْبُرُ الْخُسْرَ وَالتَّلَفَ وَأَمَّا الْجِنَايَةُ وَالْأَخْذُ منه قَرْضًا فَلَا يُجْبَرَانِ بِهِ لِأَنَّ الْجَانِيَ يُتْبَعُ بِمَا جَنَى عليه وَالْآخِذُ قَرْضًا يُتْبَعُ بِمَا أَخَذَهُ، (وَالرِّبْحُ له خَاصَّةً)؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ الْمَالِ، وَالرِّبْحُ إنَّمَا هو لِرَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يُعْقَلُ رِبْحٌ لِلْمَأْخُوذِ مع أَنَّهُ لم يُحَرِّكْ، (فَقَدْ رضي بِـ)...أَنَّ الْبَاقِيَ رَأْسُ الْمَالِ، (وَلَا فَرْقَ في الْجِنَايَةِ أو الْأَخْذِ بين أَنْ يَكُونَا قبل الْعَمَلِ أو بَعْدَهُ)" (289)، "وإن كان العامل اتبع به في ذمته كالأجنبي ولا ربح لما في الذمة"(290)، قال الدسوقي: "أَيْ في كَوْنِ رَأْسِ الْمَالِ هو الْبَاقِي، وَلَا يُجْبَرُ ذلك بِالرِّبْحِ وَيُتْبَعُ الْآخِذُ بِمَا أَخَذَهُ وَالْجَانِي بِمَا جَنَى عليه وَهَذَا هو الصَّوَابُ"(291).
 

وقال الشربيني -في الأصح-: "(لو تلف بعضُـ)... مال القراض (بآفة) سماويةٍ كحرق وغرق (أو غصب أو سرقة)، وتعذر أخذه أو أخذ بدله (بعد تصرف العامل) فيه بالبيع أو الشراء محسوب من الربح(292)...، والثاني: لا(293)؛ لأنَّه نقص لا تعلق له بتصرف العامل وتجارته، بخلاف الحاصل بالرخص وليس ناشئاً من نفس المال بخلاف المرض والعيب.
(وإنْ تلف) بما ذكر (قبل تصرفه) فيه ببيع أو شراء (فـ)...فيحسب ما تلف من (رأس المال) لا من الربح (في الأصح)؛ لأنَّ العقد لمْ يتأكد بالعمل.

 

والثاني: من الربح؛ لأنَّه بقبض العامل صار مال قراض،...ولو تلف... كله فإنْ القراض يرتفع، سواءً أتلف بآفة سماوية، أم بإتلاف المالك، أم العامل، أم أجنبي، لكن يستقر نصيب العامل من الربح في الثانية(294)...، ويبقى القراض في البدل إن أخذه في الرابعة(295)..."(296).
 

وقال البهوتي: "(وإنْ تلف بعض رأس المال قبل تصرفه) أي: العامل (فيه انفسخت فيه) أي: التالف، (المضاربة وكان رأس المال) هو (الباقي خاصة)؛ لأنَّه مال هلك على جهته قبل التصرف أشبه التالف قبل القبض، وفارق ما بعد التصرف لأنه دار في التجارة. وشرع فيما قصد بالعقد من التصرفات المؤدية للربح، (وإن تلف المال) قبل التصرف (ثم اشترى) المضارب (سلعة في ذمته للمضاربة فـ...) السلعة،...، للمضارب (وثمنها عليه) سواء (علم) المضارب (تلف المال قبل نقد الثمن أو جهله)؛ لأنَّه اشتراها في ذمته، وليست من المضاربة لانفساخها بالتلف فاختصت به، ولو كانت للمضاربة لكان مستديناً على غيره، والاستدانة على الغير بغير إذنه لا تجوز (إلا أن يجيزه رب المال) فيكون له.
 

... (وإن تلف) مال المضاربة (بعد الشراء قبل نقد ثمنها) أي: السلعة (بأنْ اشترى...)... للمضاربة سلعة في ذمته ثم تلف مال المضاربة قبل إقباضه، (أو تلف هو)... مال المضاربة (والسلعة فالمضاربة) باقية (بحالها)؛ لأنَّ الموجب لفسخها هو التلف ولم يوجد حين الشراء ولا قبله، (والثمن على رب المال)؛ لأنَّ حقوق العقد متعلقة به كالموكل (ويصير رأس الثمن دون التالف) لفواته (ولصاحب السلعة مطالبة كل منهما)...بالثمن لبقاء الإذن من رب المال ولمباشرة العامل، فإنْ غرمه ربِّ المال لم يرجع على أحدٍ؛ لأنَّ حقوق العقد متعلقة به، (ويرجع به العامل) إنْ غرمه على ربِّ المال"(297).
 

الخاتمة
الحمد لله أولاً وآخراً، والآن وبعد هذه المسيرة المتواضعة مع هذا الموضوع الواسع "شركة المضاربة" آن لي أنْ أحط الرحال، وقبل هذا لا بد من خاتمة تحوى خلاصة البحث.
فقد توصلت من خلال هذا البحث إلى النتائج التالية:
1.    أنَّ المضاربة فى الاصطلاح مأخوذةٌ من الضربِ فى الأرض، أي: السعي فيها في طلب الرزق والمعاش.
2.    أنَّ عقد المضاربة عقدٌ يكونُ بين طرفين أحدهما يملك المال ولا يملك الخبرة فى تشغيله واستثماره وهذا هو: رب المال، والطرف الآخر لديه الخبرة فى تشغيل الأموال فى الأسواق ولكنه لا يملك المال وهذا هو: المضارب. ويتفق ربُّ المال مع صاحب العمل على أن يعطيه مالاً يستثمره له والربح يقسم بينهما بنسبة معلومة شائعةٍ في الربح وليس من رأس المال.ويُنظر التعريفُ المختار.
3.    أنَّ عقد المضاربة عند الجماهير من العقود الجائزة، فلكلٍ منَ الطرفين فسخه؛ لأنَّ المضاربة من أنواع الشركات، وعقود الشركات عقودٌ جائزة. والعامل إذا لم يشرع في المضاربة فلكلٍ من المتعاقدينِ فسخه بالإجماع، وبعد شروع العامل في العمل، فإنه يلزمُ حيئذٍ، كما أنه يبطل بموت أحد المتعاقدين، ولا يورَّثُ، على الراجح. والله أعلم.
4.    أنَّ يد المُضارب يدُ أمانة على المال الذي استلمه، وكذلك السلع التي اشتراها به أو بجزء منه؛ ولذا فإنه في الأصلِ لا يضمن ما تلف في يده من مال المضاربة إلا إذا تعدى أو فرَّط، ومن التعدي أن يفعل ما ليس له فعله. على التفصيل المذكور في موضعه.
5.    أنه يُشترطُ لصيغة عقد المضاربة من الإيجاب والقبول شروط، وهي: اتحادُ موضوعهما، وجعلُ ثانيهما إقراراً لأولهما، ومُطابقةُ القبولُ للإيجاب، واتصاله به الاتصال المُعتبرَ في البيع، وكونهما واضحيْ الدلالة على وجود إرادة كلٍّ من العاقدين.
6.    اشترط الفقهاء في رأس مال المضاربة أنْ يكون نقداً من الدراهم والدنانير، وأنْ يكون معلوماً، وأنْ يكون عيناً، وتسليمُ رأس المال إلى العامل. وفي كلٍّ منها تفصيلٌ يذكرُ في موضعه.
7.    أنَّ الأصل في ربحِ المضاربة كونه مشتركاً بين العامل وربِّ المال؛ لأنَّ ذلك موجبُ العقد؛ فالمال والعمل متقابلان، فوجب اشتراكهما في الربح بجزءِ مُشاعٍ معلومٍ، ولا يجوزُ اختصاص أحدهما أو كلاهما بدراهم معلومة، سواءً كانت زائدة عن جزئه المشاع، أو كانت هي نصيبه فقط؛ لما في ذلك من الجهالة والغرر.
8.    اشترط الفقهاء بالعمل في المضاربة أنْ يكونَ العمل مقصوراً على التجارةِ، وأنْ لا يضيِّقَ ربُّ المال على العاملِ في عمله، وأنْ لا يخالف العاملُ مقتضى العقد. فالمضاربة لا تصحُّ إذا شرط فيها ربُّ المال أن يشارك العامل في العمل؛ لأنه بذلك يُخالفُ مقتضى العقد، وإذا لم يَشْتَرِطْ ذلك واستعان العامل بربِّ المال في العمل جازَ ذلك.
9.    أنه يجوازُ اشتراطُ الضمان على المضاربِ، وأنَّ الشرط صحيحٌ ملزمٌ، إنْ لمْ يُتخذ حيلةً إلى قرضٍ ربوي، فإنْ ترتب عليه ذلك كانَ الشرطُ حراماً باطلاً.
10.    على العامل أن يقوم بكلِّ عمل يلزم للمضاربة، إذا كان من عادة أمثاله القيام به، أو كان من عادة التجار ونحوهم القيام به بأنفسهم، فإذا استأجر على القيام بما يلزمه فعله عرفاً كانت الأجرة في ماله خاصة لا في مال القراض، وما لا يلزمه القيام به من العمل حسب العرف له أن يستأجر عليه من مال المضاربة؛ لأنه من تتمة التجارة ومصالحها والعرف لا يلزمه بالقيام به حتى ولو اعتاد فعله، ولكن لو قام به بنفسه كان متبرعاً، ولم يجز له أن يأخذ أجرة مثله من مال المضاربة.
11.    لا يجوز أن يسافر العامل بالمال إلا بإذن من ربه، ولا يبيع بالنسيئة أي بتأجيل الثمن إلا إذا أذن له المالك بذلك، ولا ينفق على نفسه من مال المضاربة حال الإقامة في بلده؛ لأن العرف لا يقضي بذلك؛ ولأن النفقة قد تستغرق الربح كله.
12.    الأظهر أن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهور الربحِ، لكنَّ ملكه لا يستقرُّ إلا بالمقاسمة والمحاسبةِ التامة؛ لأنَّه لا يُؤمن أن تخسر الشركة فيكون جبران الخسران بهذا الربح الظاهر.
13.    اتفقَ الفقهاء على أنه يترتب على فساده المضاربة فسخ العقدِ وردِّ المال إلى صاحبهِ، ما لمْ يفتْ بالعمل، ونفاذُ تصرف المضارب فيما فاتَ بالعمل، قبلَ معرِفةِ الفساد، وكونُ الربح كله لربِّ المال، والخسارةُ عليه، ولا يُضمَّنُ العامل ما تلف من المال، ما لمْ يُفرِّطْ، على ماسبق تفصيله.
14.    لو اختلف العامل وربُّ المال فالقول قولُ العامل بيمينه؛ لأنَّ أمين، فإنْ أقرَّ بربحِ قدرٍ معيَّن ثم ادعى غلطاً فيه، أو نحو ذلك لمْ يقبل قوله؛ لأنه رجوع عما أقر به من حق لغيره فلا يقبل.
15.    تنفسخ المضاربة وتبطلُ بأسباب متعددة، سمِحَ لنا الزمن بتناول بعضها، وبانفساخها بأيٍّ من الأسباب السابقة يجبُ تصفيتها، ومن ثمَّ قسمتها، كما سبق بيانه.
16.    أنَّ عقدَ المضاربةِ من العقود التي تقوم على أمانة المضارب بعمله، وصدقه وإخلاصه، وهيَ من الصفات الجديرة بغرسها فى نفوس التجار ورجال الأعمال؛ لأنَّ المضاربة بابٌ عظيمُ الفائدة للنشاط الاقتصادي، حيثُ يوجد كثيرٌ من الناس لديهم الكفاءة والقدرة على تشغيل الأموال ولكنهم مفتقدون للمال وبذلك تُيسر عقود المضاربة فتحَ أبواب الرزق لكثير من العاملين وزيادة حركة التجارة.
17.    أنَّ عقد المضاربة يمكن أن يقوم بدورٍ فعَّال فى تدبير الموارد المالية لتمويل مشروعات البنية الأساسية والمشروعات الإنتاجية الكبيرة ذات التكلفة الرأسمالية المرتفعة والتى تقوم بها الدولة أو الشركات الخاصة دون اللجوء إلى الاقتراض من أسواق المال المحلية أو الدولية أو الحكومات.
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.
فالحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين،،،

 

__________________________________

(1) الحماسة المغربية (1/766).    
(2) معجم الأدباء (5/615).
(3) عمدة القاري (1/4)، بتصرف.
(4) ينظر: لسان العرب (10/448)، مقاييس اللغة (3/265)، تهذيب اللغة (10/13)، طلبة الطلبة (1/220)، تاج العروس (27/223)، أساس البلاغة (1/328)، المعجم الوسيط (1/480).
(5) سورة طه آية 32.    
(6) متفق عليه من حديث ابن عُمَرَ. رواه البخاري (2/892/2386)، كتاب العتق، بَاب إذا أَعْتَقَ عَبْدًا بين اثْنَيْنِ أو أَمَةً بين الشُّرَكَاءِ. ومسلم (2/1139/1501)، كِتَاب الْعِتْقِ.
(7) البحر الرائق (5/179).
(8) المرجع السابق (5/180)، الدر المختار (4/299)، تبيين الحقائق (3/313)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (2/543).
(9) شرح ميارة (2/253)، الفواكه الدواني (2/119).
(10) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (2/252)، الإقناع للشربيني (2/316)، السراج الوهاج (1/244)، حواشي الشرواني (5/281)، مغني المحتاج (2/211)، ولمناقشة التعريف انظر: حاشية الجمل على شرح المنهج (3/393)، شرح المنهج (3/392)، حاشية قليوبي (2/416).
(11) الإنصاف للمرداوي (5/407)، المبدع (5/3)، المغني (5/3)، شرح الزركشي (2/143)، لشرح التعريف انظر: مطالب أولي النهى (3/494).
(12) ينظر: شركات الأشخاص بين الشريعة والقانون ص24.
(*) للعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، ينظر: حاشية ابن عابدين (4/299).    
(13) سورة المزمل آية20.
(14) سورة النساء آية 101.
(15) سورة البقرة آية 273.
(16) لسان العرب (7/217)، تاج العروس (19/19).
(17) ينظر: شركات الأشخاص ص190.
(18) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (3/443).
(19) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية(38/36).
(20) ينظر: القاموس المحيط (1/841)، المغرب في ترتيب المعرب (2/6)، لسان العرب (1/543)، مختار الصحاح (1/159، 221)، المعجم الوسيط (1/537)، تاج العروس (19/19)، تهذيب اللغة (8/268).
(21) المضاربة في الشريعة الإسلامية ص28-29، بتصرف.
(22) للاستزادة: في تعاريف الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم ومناقشتها، ينظر: المرجع السابق ص24-29، شركات الأشخاص ص190-194.
(23) ينظر: الفواكه الدواني (2/122)، مواهب الجليل (5/356)، منح الجليل (7/317)، السيل الجرار (3/231)، سبل السلام (3/77).
(24) الاستذكار (7/3).
(25) بداية المجتهد (2/178).
(26) التلخيص الحبير (3/58)، نقلاً عن مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ لابن حزم.
(27) ينظر: المغني (5/16)، شرح الزركشي (2/144)، الإجماع لابن المنذر ص98.
(28) مجموع الفتاوى (19/195).
(29) سورة البقرة، آية198.
(30) ينظر: حاشية قليوبي (3/52).
(31) سورة المزمل، آية 20.
(32) والخلاف في الآية مبني ٌّ على خلافٍ أُصولي: هل دلالة الأفعال من باب العام الذي يشمل ما دلَّ عليه بجميع أنواعه؟، أو من باب المطلق الذي يصدق على صورة من صوره، وإذا صدقَ عليها فلا يصدقُ على غيرها؟. ينظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة بين المذاهب الأربعة ص32.
(33) سورة الجمعة، آية 10.
(34) ينظر: شركات الأشخاص ص196.
(35) رواه ابن ماجه، (2/768/2289)، كِتَاب التِّجَارَاتِ، بَاب الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ.
موضوع: قال الزيلعي في نصب الراية (3/475): "ويوجد في بعض نسخ ابن ماجة المفاوضة عوض المقارضة"أ.هـ.
قال الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة(5/118): "منكر.
رواه ابن ماجه(2289)، والعقيلي في الضعفاء (258 و276)، وابن عساكر في التاريخ (7/166/2) عن نصر بن القاسم: حدثنا عبد الرحيم بن داود عن صالح بن صهيب عن أبيه مرفوعا، وقال العقيلي: " عبد الرحيم بن داود: مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به".
وقال في الموضع الآخر: "إسناده مجهول فيه نظر". وقال الذهبي: "لا يعرف، وحديثه يستنكر، تفرد عنه نصر بن قاسم". وقال في موطن آخر (2/251): "إسناد مظلم، والمتن باطل".
قلت: ونصر مجهول أيضا كما في "التقريب ". والحديث أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (2/248 - 249) من طريق العقيلي، وقال: "موضوع".
وتعقبه السيوطي في اللآلي (2/152)، ثم ابن عراق في تنزيه الشريعة (2/195) بإخراج ابن ماجه إياه، وقول الذهبي: "إنه حديث واه"!.
قلت: وهذا تعقب هزيل لا يساوي شيئا، فابن ماجه لم يدع أن كتابه معصوم من الموضوع، ولو ادعى; فالواقع يخالفه، فإن فيه غير ما حديث موضوع، والذهبي قد قال فيه أيضا: منكر. وقال: باطل. ولا منافاة بين أقواله الثلاثة، كما لا يخفى على أهل المعرفة، فإنه يعني: ضعيف السند، باطل المتن منكره.
وقد قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: "رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف")أ.هـ.
(36) أخرجه البيهقي في الكبرى (6/111/11391)، كتاب القراض، باب المضارب يخالف بما فيه زيادة لصاحبه ومن تجر في مال غيره بغير أمره، والطبراني في الأوسط (2/270/771)، والدار قطني في سننه (7/373/3126).
وقال الدار قطني: "أبو الجارود ضعيف"، وقال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. تفرد به: محمد بن عقبة"، وقال في مجمع الزوائد (2/125)، عن أبي الجارود: "وهو متروك كذاب". وينظر: التلخيص الحبير (3/58).
(37) إعانة الطالبين (3/99)، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان ص220، فتح الوهاب (1/411)، كفاية الأخيار ص287، الحاوي الكبير (7/305)، شرح المنهج (3/512).
(38) حاشية البجيرمي (3/145)، حاشية الجمل على شرح المنهج (3/512).
(39) الإقناع للشربيني (2/341)، مغني المحتاج (2/309).
(40) ولم أجده في شيء من كُتبِ السنة، إلا أنَّ الرملي في الحاشية (2/380) ذكرَ أنَّ لأبي حاتم القزويني مصنف في الحيل كتاب القراض، واحتجّ به، وفي نهاية المحتاج (5/219) أن أبا نُعيم رواه.
(41) إعانة الطالبين (3/99)، حاشية البجيرمي (3/145)، حاشية الجمل على شرح المنهج (3/512).
(42) ينظر: إعانة الطالبين (3/99)، حاشية البجيرمي (3/145).
(43) ينظر: بدائع الصنائع (6/79).
(44) أخرجه البيهقي في الكبرى (6/111/11390)، كتاب القراض، باب المضارب يخالف بما فيه زيادة لصاحبه ومن تجر في مال غيره بغير أمره، والدارقطني (3/63/242)، كتاب البيوع.
قال الحافظ في التلخيص (3/58): "بسندٍ قوّي"، وينظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية (2/181)، البدر المنير (7/27).
(45) أخرجه البيهقي الكبرى (6/111/11386)، كتاب القراض، باب المضارب يخالف بما فيه زيادة لصاحبه ومن تجر في مال غيره بغير أمره، ومالك في الموطأ (2/688/1373)، كتاب القراض، باب ما يجوز في القراض، وينظر: التلخيص الحبير (3/58)، البدر المنير (7/25)، مختصر إرواء الغليل (1/289/1472) وقال عنه الألباني: "صحيح".
(46) معرفة السنن والآثار (4/499)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (2/181)، البدر المنير (7/26)، نصب الراية (4/115)، وقال الحافظ في التلخيص (3/58): "وَأَمَّا بن مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ في كِتَابِ اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ عن أبي حَنِيفَةَ عن حَمَّادٍ عن إبْرَاهِيمَ"
(47) أي: رجعا من الغزو.
(48) أخرجه البيهقي في الكبرى (6/110/11385)، كتاب القراض، الصغرى (5/397/2123)
باب القراض، مالك في الموطأ (2/687/1372)، كتاب القراض، باب ما جاء في الْقِرَاضِ، معرفة السنن والآثار (4/497/3702)، كتاب الصلح، باب القراض، الأم (4/33).
موقوفٌ صحيح. ينظر: البدر المنير (7/22)، التلخيص الحبير (3/57).
(49) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة (4/390/21368-21369)، معرفة السنن والآثار (4/498)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (2/181)، التلخيص الحبير (3/57)، البدر المنير (7/21)، نصب الراية (4/114).
(50) ينظر: سنن الدارقطني (2/111)، كتاب الزكاة، باب استقراض الوصي من مال اليتيم، وكذلك ما سبَقَ في الحاشية السابقة.
(51) نيل الأوطار (5/394).
(52) المغني (5/16).
(53) بدائع الصنائع (6/79).
(54) مواهب الجليل (5/356)، للاستزادة: ينظر: شركات الأشخاص ص198.
(55) ينظر: بدائع الصنائع (6/99)، بداية المجتهد (2/178)، مغني المحتاج (2/309)، فتح الوهاب (1/413).
(56) ينظر: حاشية عميرة (3/52)، مغني المحتاج (2/309)، مجموع الفتاوى (20/504).
(57) ينظر: المغني (5/9)، شرح الزركشي (2/144)، كفاية الطالب (2/269).
(58) ينظر: مختصر الإنصاف والشرح الكبير (1/555)، والحاشية السابقة.
(59) بدائع الصنائع (6/86).
(60) المبسوط للسرخسي (22/19).
(61) ينظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص35، شركات الأشحاص ص199.
(62) ينظر: بدائع الصنائع (6/79)، مجمع الضمانات (2/632).
(63) ينظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص40.
(64) ينظر: حاشية العدوي (2/266).
(65) ينظر: التاج والإكليل (5/355).
(66) مغني المحتاج (2/117).
(67) إعانة الطالبين (3/99).
(68) نهاية المحتاج (5/5).
(69) ينظر: شركات الأشخاص ص 58.
(70) ينظر: المغني (5/20).
(71) ينظر: شركات الأشخاص ص 58.
(72) المضاربة في الشريعة الإسلامية ص42، بتصرف.
(73) للاستزادة انظر: شركات الأشخاص ص59.
(74) ينظر: الشرح الكبير (3/535)، شرح مختصر خليل (6/223). بداية المجتهد (2/181).
(75) ينظر: بداية المجتهد (2/181).
(76) بدائع الصنائع (6/109).
(77) مغني المحتاج (2/319).
(78) المغني (5/38).
(79) ينظر: جامع الأمهات ص427.
(80) ينظر: بداية المجتهد (2/181).
(81) ينظر: شركات الأشخاص ص221، للاستزادة: ينظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص294.
(82) جاء في (مجلة الأحكام العدليّة)الْمَادَّةُ (762) "الْأَمَانَةُ هِيَ الشَّيْءُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الشَّخْصِ الَّذِي اُتُّخِذَ أَمِينًا سَوَاءٌ أَجُعِلَ أَمَانَةً بِعَقْدِ الِاسْتِحْفَاظِ كَالْوَدِيعَةِ أَمْ كَانَ أَمَانَةً ضِمْنَ عَقْدٍ كَالْمَأْجُورِ وَالْمُسْتَعَارِ أَوْ صَارَ أَمَانَةً فِي يَدِ شَخْصٍ بِدُونِ عَقْدٍ وَلَا قَصْدٍ كَمَا لَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ فِي دَارِ أَحَدٍ مَالَ جَارِهِ فَنَظَرًا لِكَوْنِهِ لَمْ يُوجَدْ عَقْدٌ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً عِنْدَ صَاحِبِ الْبَيْتِ بَلْ أَمَانَةٌ فَقَطْ"ينظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام (2/194).
(83) جاء في حاشية ابن عابدين (6/492): "الضمان عبارة عن رد مثيل الهالك إن كان مثليا أو قيمته إن كان قيميا".
(84) المغني (5/44).
(85) بدائع الصنائع (6/87)، وينظر: المبسوط للسرخسي (22/19)، حاشية ابن عابدين (8/276).
(86) الكافي لابن عبدالبر ص384، جامع الأمهات ص427.
(87) الإقناع للشربيني (2/343).
(88) الوسيط (4/130)، وينظر: الحاوي الكبير (7/323)، إعانة الطالبين (3/103).
(89) المغني (5/44)، وينظر: شرح منتهى الإرادات (2/226)، كشاف القناع (3/522).
(90) المجلة ص145.
(91) المغني (5/15).
(92) ينظر: فتوى الدكتور يوسف الشبيلي في حكم تداول أسهم الشركات التي في مرحلة التأسيس.
(93) الصيغة: "التعبير الصادر من كلٍّ من المتعاقدين، الدال على إرادة إنشائه، وتتكون من إيجاب وقبول".ينظر: شركات الأشخاص ص59.
(94) الموسوعة الفقهية الكويتية (38/41).
(95) جاء في مجلة الأحكام العدليّة مادة (101) الإيجاب: "أول كلام يصدر من أحد العاقدين لأجل إنشاء التصرف وبه يوجب ويثبت التصرف".
(96) جاء في مجلة الأحكام العدليّة مادة (102) القبول: " ثاني كلام يصدر من أحد العاقدين لأجل إنشاء التصرف وبه يتم العقد". للاستزادة يُنظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص138.
(97) المضاربة في الشريعة الإسلامية ص137.
(98) الموسوعة الفقهية الكويتية (38/41).
(99) بدائع الصنائع (6/79).
(100) ينظر: مواهب الجليل (5/355).
(101) المهذب (1/385).
(102) المغني (5/16).
(103) ينظر: شركات الأشخاص ص61، للاستزادة ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (38/41).
(104) شرح مختصر خليل (6/203).
(105) الشرح الكبير (3/348)، ينظر: بداية المجتهد (2/212).
(106) مغني المحتاج (2/314).
(107) نهاية المحتاج (5/228)، وينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (38/41).
(108) بدائع الصنائع (6/81).
(109) المرجع السابق (6/20).
(110) المرجع السابق (6/20).
(111) يُنظر: المغني (5/3).
(112) المرجع السابق.
(113) المغني (4/216).
(114) ينظر في تفصيل المسألة: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص 144.
(115) للاستزادة: ينظر: شركات الأشخاص ص64، المضاربة في الشريعة الإسلامية ص142.
(116) بداية المجتهد (2/178).
(117) مغني المحتاج (2/310).
(118) المغني (5/16).
(119) ينظر: المبسوط للسرخسي (22/21).
(120) بدائع الصنائع (6/82).
(121) موطأ مالك (2/689).
(122) بداية المجتهد (2/178).
(123) الفتاوى الهندية (4/285).
(124) المهذب (1/385).
(125) الكافي في فقه ابن حنبل (2/267).
(126) ينظر: المغني (5/11).
(127) للاستزادة، يُنظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص149-167، شركات الأشخاص ص201.
(128) بدائع الصنائع (6/82).
(129) مختصر خليل ص238.
(130) أي: في رأس مال المضاربة.
(131) الشرح الكبير (3/518).
(132) ينظر: التاج والإكليل (5/358).
(133) مغني المحتاج (2/310).
(134) المغني (5/43).
(135) المغني (5/43).
(136) بدائع الصنائع (6/82).
(137) الموطأ (2/689/1374). كتابُ القراض، باب ما لاَ يَجُوزُ في الْقِرَاضِ.
(138) الشرح الكبير (3/518).
(139) مغني المحتاج (2/310).
(140) مختصر الخرقي ص73.
(141) المغني (5/43).
(142) ينظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص167.
(143) الموسوعة الفقهية الكويتية (38/41).
(144) أي: من شروطِ رأس المال في المضاربة.
(145) بدائع الصنائع (6/84).
(146) حاشية الدسوقي (3/517).
(147) منهاج الطالبين ص73.
(148) مغني المحتاج (2/310).
(149) المغني (5/17).
(150) المرجع السابق (5/17).
(151) المرجع السابق (5/17).
(152) للاستزادة: ينظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص181، والموسوعة الفقهية الكويتية.
(153) الموسوعة الفقهية الكويتية (38/42)، المضاربة في الشريعة الإسلامية ص201.
(154) المبسوط للسرخسي (22/23).
(155) الشرح الكبير (3/519).
(156) مغني المحتاج (2/313).
(157) كشاف القناع (3/498).
(158) سورة النساء آية 12.
(159) سورة القمر آية 28.
(160) سورة الشعراء آية 155.
(161) الشرح الكبير (3/519).
(162) المضاربة في الشريعة الإسلامية ص208، بتصرف.
(163) بدائع الصنائع (6/86) بتصرف.
(164) الدر المختار (5/654).
(165) روضة الطالبين (5/122).
(166) بدائع الصنائع (6/86).
(167) شرح مختصر خليل (6/209).
(168) المغني (5/21)، بتصرف.
(169) للاستزادة: ينظر: الخدمات الاستثمارية في المصارف (1/19).
(170) وقد سبقَ الكلامُ عن هذا الشرط تحتَ المطْلب الرابع، من المبحث الثالث، من هذا الفصل. وينظر: المرجع السابق.
(171) الموسوعة الفقهية الكويتية (38/56)، بتصرف.
(172) المضاربة نوعان وهما:
1.    المضاربة المطلقة: عرفها الكا ساني في بدائع الصنائع (6/87) بقوله: "أن يدفع رب المال للعامل في المضاربة رأس المال من غير تعيين العمل أو المكان أو الزمان أو صفة العمل أو من يعامله"، فالمضاربة المطلقة يكون للمضارب فيها حرية التصرف كيفما شاء دون الرجوع لرب المال إلا عند نهاية المضاربة.
2.    لمضاربة المقيدة: وهي التي يشترط فيها رب المال على المضارب بعض الشروط لضمان ماله كما ورد في رواية العباس بن عبد المطلب، وهذا النوع من المضاربة جائز وقد قال الإمام أبو حنيفه وأحمد: إنَّ المضاربة كما تصح مطلقة فإنها تجوز كذلك مقيدة.
(173) ينظر: بدائع الصنائع (6/87).
(174) الإقناع للشربيني (2/343).
(175) ينظر: المغني (5/16)، الإنصاف للمرداوي (5/429).
(176) الموسوعة الفقهية الكويتية (38/56)، بتصرف.
(177) بدائع الصنائع (6/87).
(178) المغني (5/23).
(179) المضاربة في الشريعة الإسلامية ص80، بتصرف.
(180) المهذب (1/387).
(181) المغني (5/26).
(182) مغني المحتاج (2/316)، الموسوعة الفقهية الكويتية (38/56)، بتصرف.
للاستزادة، ينظر: الخدمات الاستثمارية في المصارف (1/262-269).
(183) الإجماع ص98.
(184) المغني (5/23).
(185) المرجع السابق (5/23).
(186) بدائع الصنائع (6/86).
(187) ينظر: الخدمات الاستثمارية في المصارف (1/199).
(188) البحر الرائق (7/274)، المبسوط للسرخسي (11/157)، حاشية ابن عابدين (5/663)، درر الحكام شرح مجلة الأحكام (1/592).
(189) الحاوي الكبير (6/253).
(190) مواهب الجليل (6/36)، الذخيرة (9/217)، كفاية الطالب (2/353).
(191) المغني (5/129).
(192) ينظر المراجع السابقة للقول الأول.
(193) المغني (5/129).
(194) المرجع السابق (5/129).
(195) المرجع السابق (5/129).
(196) السيل الجرار (3/217).
(197) المرجع السابق.
(198) ينظر: كلام ابن القيم –رحمه الله- حول الحِيلِ في إعلام الموقعين (3/241).
(199) للاستزادة، ينظر: قضايا فقهيّة معاصرة في المال والاقتصاد ص396-408، الخدمات الاستثمارية في المصارف (1/270)، ورقة عمل بعنوان:
"تساؤلات حول تصفية عقد المضاربة في البنوك الإسلامية"، عرض د. عبدالعظيم إصلاحي، وورقة عمل بعنوان: "هل يمكن لعامل المضاربة، ولاسيما إذا كان مصرفا أن يشترك في الخسارة مع رب المال؟"، عرض: د. رفيق يونس المصري.
(200) أي: للعامل.
(201) بدائع الصنائع (6/105).
(202) المرجع السابق (6/107).
(203) المرجع السابق (6/106).
(204) المرجع السابق (6/107).
(205) المرجع السابق (6/106).
(206) المرجع السابق (6/108)، بتصرف.
(207) أي: للعامل.
(208) الشرح الكبير (3/530).
(209) المرجع السابق (3/530).
(210) المرجع السابق (3/530).
(211) أي: العامل.
(212) مغني المحتاج (2/317)، بتصرف.
(213) كشاف القناع (3/516).
(214) الموسوعة الفقهية الكويتية (38/74).
(215) أي: قبضُ المالك.
(216) بدائع الصنائع (6/107).
(217) التاج والإكليل (5/366).
(218) الفواكه الدواني (2/123).
(219) مغني المحتاج (2/318).
(220) المهذب (1/387).
(221) ينظر: الإنصاف للمرداوي (5/446).
(222) المرجع السابق (5/446).
(223) ينظر: شركات الأشخاص ص222، للاستزادة، ينظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص 219.
(224) المهذب (1/387).
(225) المرجع السابق (1/388).
(226) بدائع الصنائع (6/108)، بتصرف يسير.
(227) درر الحكام شرح مجلة الأحكام (3/455).
(228) بداية المجتهد (2/182).
(229) المضاربة في الشريعة الإسلامية ص237، بتصرف.
(230) ينظر: المغني (5/42)، الحاوي الكبير (7/315)، بدائع الصنائع (6/64).
(231) الدر المختار (5/646).
(232) حاشية ابن عابدين (5/646).
(233) المرجع السابق (5/646).
(234) الذخيرة (6/43).
(235) شرح مختصر خليل (6/207)، وينظر: الشرح الكبير (3/520)، منح الجليل (7/335)، مواهب الجليل (5/362).
(236) الفتاوى الهندية (4/296).
(237) المغني (5/42)، المهذب (1/388)، مغني المحتاج (2/315).
(238) نهاية المحتاج (5/231).
(239) ينظر: كشاف القناع (3/512)، الفتاوى الهندية (4/296).
(240) المضاربة في الشريعة الإسلامية ص279، بتصرف.
(241) أي: العامل.
(242) روضة الطالبين (6/346).
(243) ينظر: الشرح الكبير (3/536)، كشاف القناع (3/523).
(244) كشاف القناع (3/523).
(245) بلغة السالك (3/450).
(246) ينظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب (2/391).
(247) ينظر: المغني (5/45)، كشاف القناع (3/524).
(249) ينظر: نهاية المحتاج (5/242).
(249) المهذب (1/389)، مغني المحتاج (2/321)، وينظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب (2/391)، ففيه تفصيلٌ نفيس، الفتاوى الفقهية الكبرى (3/110)، وينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (38/89).
(250) بدائع الصنائع (6/112)، المبسوط للسرخسي (22/69)، الهداية شرح البداية (3/208).
(251) المهذب (1/388).
(252) مطالب أولي النهى (3/537).
(253) بدائع الصنائع (6/112)، نهاية المحتاج (5/239).
(254) ينظر: شرح مختصر خليل (6/223).
(255) حاشية الدسوقي (3/536).
(256) المرجع السابق (3/536).
(257) المرجع السابق (3/536).
(258) الموسوعة الفقهية الكويتية (38/91).
(259) المدونة الكبرى (12/130).
(260) المرجع السابق (12/129).
(261) المرجع السابق (12/130)، وللاستزادة، ينظر: مجموع الفتاوى (30/87).
(262) للاستزادة، ينظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص 283-291.
(263) بدائع الصنائع (6/112).
(264) الشرح الكبير (3/348).
(265) المهذب (1/388).
(266) المغني (5/38).
(267) مغني المحتاج (2/319).
(268) المرجع السابق (2/319).
(269) ينظر: بدائع الصنائع (6/99).
(270) المغني (5/38)، بتصرف، ينظر: المضاربة في الشريعة الإسلامية ص294.
(271) كشاف القناع (3/522).
(272) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (2/390).
(273) أي: العامل.
(274) مغني المحتاج (2/320).
(275) المغني (5/38).
(276) استحساناً؛ لتوافق جنس رأس المال.
(277) أي: للعين.
(278) بدائع الصنائع (6/109).
(279) أي: نهى ربُّ المال المضاربَ عن العمل.
(280) بلغة السالك (3/444).
(281) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (38/94)، المضاربة في الشريعة الإسلامية ص294.
(282) بدائع الصنائع (6/113).
(283) أي: لربِّ المال دفع خلف ما تلف إلى العامل ليتجر به، إنْ أراد رب المال ذلك، ولا جبر عليه فيه قبل العمل أو بعده.
(284) أي: يلزم العامل قبول الخلف إنْ كان بعض المال هو ما تلف وكان تلفه بعد العمل لا قبله.
(285) الشرح الكبير (3/529).
(286) الموسوعة الفقهية الكويتية (38/95).
(287) حاشية الدسوقي (3/529).
(288) المرجع السابق (3/529).
(289) المرجع السابق (3/528).
(290) الشرح الكبير (3/528).
(291) حاشية الدسوقي (3/528).
(292) لأنَّه نقصٌ حصَلَ فأشبه نقص العيبَ والمرض.
(293) أي: في مقابل الأصحِّ: لا يُحسبُ منَ الربح.
(294) أي: في حالة إتلافِ المالك.
(295) أي: في حالة إتلافِ الأجنبي.
(296) مغني المحتاج (2/319).
(297) كشاف القناع (3/518).

3 + 0 =