24 رمضان 1441

السؤال

في هذه الأيام التي فُرضَ فيها الحظرُ بسببِ الوباء، انتشرتْ عبرَ وسائل الاتصال مقالةٌ لبعض الكاتبين ينادي فيها بالصَّلاة خلفَ المذياع والتّلفاز، وذَكرَ أنَّ ذلك مِن باب الضَّرورة، كما ذكرَ أنَّ وسائل الاتصال والنَّقل لو وُجدتْ في عصر السَّلف لقالوا بقوله، فالأملُ مِن علماء الشَّريعة -أبقاهم الله- أن يُبيّنوا لنا الحقَّ في ذلك بِمَا آتاهم الله مِن نور العلم والفهم.

أجاب عنها:
عبد الرحمن البراك

الجواب

الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد :

فقد دلَّت نصوصُ الكتاب والسُّنَّة على فضل صلاة الجماعة، وفرضِ صلاة الجماعة، والمرادُ بصلاة الجماعة: هي التي تؤدَّى في بيوت الله، كما يدلُّ له حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ»،[1] فرتَّب الرَّسولُ -صلَّى الله عليه وسلَّم- الفضلَ على مجموع هذه الأفعال.

ويدلُّ لتعيينِ صلاة الجماعة أنَّها التي تؤدَّى في المسجد ما صحَّ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- وهو قوله: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ».[2]

ففي هذا دلالةٌ على أنَّ مَن لم يصلِّ في المسجد فهو متخلِّف تاركٌ لسنَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، حتى ولو صلَّى جماعة في بيته مقتديًا بإمام المسجد؛ لأنَّه لم يخرج ولم يمشِ، فلا تُكتبُ له خطوات، كما تكتبُ لِمَن خرجَ ومشى.

ومَن صلَّى في بيته الذي خلف المسجد -مثلًا- مقتديًا بالإمام، فهو -وإن صحَّت صلاتُه على قول جمهور العلماء- لا ينالُ فضيلة الجماعة، ولم يؤدِّ ما أوجبَ الله مِن فريضة صلاة الجماعة، بل لا يتحقَّقُ في حقِّه معنى الجماعة؛ لأنَّه منفصلٌ عنها، وإن صحَّ اقتداؤه بالإمام إذا كان يمكنه ذلك.

فعُلِمَ بهذا أنَّ مَن صلَّى خلفَ المذياع أو التّلفاز مقتديًا بالإمام في أحد المسجدين: لم يكن مُصلِّيًا مع جماعتهما؛ لأنَّه ليس معدودًا منهم، فضلًا عن أن يكون في حكم مَن صلَّى فيهما، وإذا كان جمهورُ العلماء اشترطوا اتصال الصّفوف في صحَّة اقتداء مَن كان خارجَ المسجد مقتديًا بالإمام لمراعاة تحقيق الانضمام الحسِّي بالجماعة، إذا كان العلماء اشترطوا ذلك فَبِه يُعلم عدمُ صحة صلاة مَن صلَّى خلفَ المذياع أو التلفاز؛ لامتناع تحقُّق اتصال الصفوف في حقِّه.

وبهذا يظهرُ للمتأمِّل المتجرِّد أنَّ مَن صلَّى خلفَ المذياع أو التلفاز لم يصلّ جماعة، ولا تصحُّ صلاتُه، وإن كان يمكنه الاقتداء به بسماع الصَّوت أو برؤية الإمام أو المأمومين؛ لتخلّف شرط اتصال الصّفوف في مَن صلَّى خارجَ المسجد، فمجرَّد إمكان الاقتداء لا يكفي لتحقُّق معنى الجماعة؛ لأنَّ الجماعة مِن الاجتماع، والمصلِّي خلفَ المذياع أو التَّلفاز لم يكن مجتمعًا مع ذلك الإمام ومَن معه، ومَن ادَّعى أنَّه بصلاته خلفَ المذياع أو التلفاز قد صلَّى جماعة؛ فهو غالط ومعتقدٌ ما لا حقيقة له.

ولا يسوِّغ هذا الفعلَ -أعني الاقتداء بالإمام البعيد- العجزُ عن صلاة الجماعة لأيِّ عذرٍ كان؛ كإغلاق المساجد أو لغيره مِن الأسباب، ومَن قامَ به عذر أو حيلَ بينه وبين صلاة الجماعة فإنَّ الجماعة ليست واجبة عليه، فلا يعدُّ ذلك ضرورة تُسوِّغ صلاته بهذه الصّورة المخالفة، أعني الصَّلاة خلف المذياع أو التلفاز، خلافًا لما ادَّعاه الدكتور صاحب المقال؛ فإنَّ مِن المعلوم أنَّ مَن عجَزَ عن واجب فلا يصحّ أن يقال: إنَّه في ضرورة إلى فعله؛ لأنَّه ساقط عنه لعجزه، فمَن عجَزَ عن الحج فلا يقال: إنَّه مضطر إلى فعله حتى يستبيح ما لا يصحّ له فعله.

ومعلومٌ أنَّ مَن تركَ واجبًا لعذرٍ فله أجر ما نوى لو قدرَ عليه، كما قالَ صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذَا مَرضَ العَبدُ أَو سَافرَ، كُتبَ لهُ مثلُ مَا كانَ يَعملُ مُقيمًا صَحيحًا».[3]

فحاصلُ ما تقدَّم أنَّ الصَّلاة خلفَ المذياع أو التلفاز لا تجوز؛ لأمور:

الأول: أنَّه لا يتأدَّى بها فرض الجماعة، ولا يُنال بها فضلُ الجماعة؛ لأنَّه لا يحصلُ بها حقيقةُ الجماعة حسًّا ولا معنًى.

الثاني: أنَّ اعتقادَ صحة هذه الصَّلاة يؤدي إلى التَّخلُّف عن صلاة الجماعة في بيوت الله، المفضي إلى تعطيلها في عامة بلاد الإسلام، وقد يأتي في قادم الأيام مَن ينادي بإغلاق المساجد للاستغناء عنها بالصَّلاة مع أحد المسجدين.

الثالث: أنَّ مَن له عذر في التَّخلُّف عن صلاة الجماعة ليس به ضرورة إلى أن يصلّي هذه الصَّلاة المختلف في صحتها، بل الأشبه أنَّها بدعة؛ أن يصلّي إنسانٌ خلفَ إمامٍ بينه وبينه آلاف الأميال.

وليسَ لِمَن أجازَ هذه الصَّلاة مستند إلا محض الاستحسان، وهذا أصلُ جميع البدع، فالواجبُ على المسلمين ألَّا يغترّوا بمثل هذه الفتاوى التي لا مستند لها مِن كتاب ولا سنَّة، وعلى مَن تقلَّد هذه الفتوى أن يتقي الله، ولا يُضِلُّ المسلمين بدعوتهم إلى رأيه، ولا يفتري الكذب على السَّلف أنَّه لو وُجدت هذه الوسيلة في عصورهم لقالوا بقوله؛ فإنَّها دعوى كبيرة وخطيرة. نسألُ الله أن يغفرَ لِمَن اجتهدَ وأخطأ، وهو يريدُ الحقَّ. والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه.

أملاه :

عبد الرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في 5 رمضان 1441 هـ

 


[1]  أخرجه البخاري (647)، ومسلم (649)، واللفظ للبخاري.

[2] أخرجه مسلم (654)

[3] رواه البخاري (2996) عن أبي موسى رضي الله عنه.