إذا كنت تراها مظلمة فانظر هناك
13 جمادى الأول 1439
أمير سعيد

أشاطرك الرأي: الصورة شديدة القتامة، والأفق مظلم، لكن إذا دققت قليلاً ستلمح تباشير الفجر، وستجد ما يأخذ بيدك إلى دروب التفاؤل. إن قروناً مضت رمى فيها أعداؤنا كل سهامهم، وحشدوا جيوشهم، وقعدوا للمسلمين كل مرصد، وفعلوا ما إن نفذ على قوم آخرين غير المسلمين لفنوا عن بكرة أبيهم، ولتنكبوا طريقهم بالكلية، وغادروا التاريخ والحاضر بلا رجعة، ولما بقوا في المعادلة الدولية أبداً، غير أن الحاصل أن ذلك لم يحدث بالكلية؛ فلم يزل المسلمون رقماً في العالم لا يمكن تجاوزه، وسداً لا يمكن هدمه.

 

 

تتراجع أمتنا بلا شك، لكنها لم تزل حاضرة، ولم تزل الاستراتيجيات تتعدل برغم النجاحات السابقة لأعدائها لأن كثيراً من الخطط والبرامج لم تصل لأهدافها المرسومة، حتى في اللحظات التي تبدو الأمة الإسلامية قد افتقرت إلى القيادة والتخطيط والممانعة؛ فإن ثمة مؤشرات تدل على إخفاقات كثيرة ومتنوعة لدى أعدائها ومناهضي عودتها الحضارية.

 

 

دوننا مثل هذه الأخبار في أسبوع واحد فقط، لا لكونها دالة على تحول ما مفصلي، وإنما لدلالتها المعنوية على أن الأمل لم يزل معقوداً، والطموح له ما يبرره، حتى لو بدت المؤشرات متواضعة بعض الشيء.

 

 

الأولى من أشرف بقعة، حيث المئات من طلاب تركيا قد اعتمروا معاً مكافأة لهم على حفظ القرآن بحسب ما تم تداوله في بعض المواقع ووسائل التواصل، وهو مظهر يسترعي الانتباه بالتأكيد إذا عُقدت مقارنة سريعة بين هذه المناشط التي تحدث في بلاد ظن اللائكيون أن شعبها قد ابتعد كثيراً عن دينه، وبين الحالة إبان حكم أتاتورك وإينونو وإيفرين. ستقود هذه المقارنة إلى اليقين بأن مائة عام من التغريب وإن نالت من الأتراك إلا أن كثيراً من هذه المشاهد تعكس انطباعاً بأن ثمة تراجع واضح في المشروع اللائكي في تركيا، وهناك إصرار لدى قطاع لا يستهان به من الجيل الجديد للتعرف أكثر إلى جذوره واعتزازه بأصوله وقيمه.

 

 

الثانية من أقصى الشمال، لدى قائدة الاتحاد الأوروبي، ألمانيا، التي فاجأ خبر اعتناق واحد من أبرز مناهضي الإسلام في ذلك البلد، وهو آرثر واغنر السياسي اليميني المتطرف العضو القيادي في حزب البديل من أجل ألمانيا، - اعتناقه- الإسلام بحسب ما أكدته شبكة CNN نقلاً عن رئيس الحزب، أندرياس كالبيتز، والذي قال للشبكة الأمريكية: "كنت متفاجئاً جداً، لقد كان ناشطاً جداً في الجناح المسيحي بالحزب"، فقد عبر واحد ممن ينادي بعدم دخول المسلمين إلى ألمانيا من حيز العداء للإسلام إلى اعتناقه لمجرد أن اضطره عداؤه للتعرف على هذا الدين فزالت حجب الضلالة عن عينيه فاعتنقه.

 

 

الثالثة من قلب الكيان الصهيوني؛ فعلى نقيض ما تحاول "النخبة" بثه والإلحاح عليه في العقل الجمعي للشعوب المسلمة بأن فكرة الوحدة الإسلامية الجامعة للمسلمين هي محض أوهام وخيالات سقيمة تعكس حنيناً مريضاً لماضٍ إسلامي طويل ظل فيه المسلمون من طنجة إلى جاكرتا نسيجاً واحداً متجانساً، حيث لا يمكن واقعياً محاكاته أو الاقتراب منه، يسدي البرفسور اليهودي و"الإسرائيلي" تسفي سفر، أستاذ الدراسات الأفريقية في جامعة إنديانفوليس والمحاضر في العديد من الجامعات الأمريكية و"الإسرائيلية" نصيحة لحكومة الكيان الصهيوني أن تتهيأ لمستقبل ستجد نفسها مضطرة للتفاوض مع إمبراطورية مسلمة بازغة من أجل ضمان الاعتراف بحكم ذاتي لليهود فقط في المنطقة! سفر أكد في مقابلة أجراها مع قناة 12 العبرية، ونشرتها معاريف 26 يناير 2018 أن ما أسماه العزم الأكيد الذي يبديه المسلمون سيدفع الولايات المتحدة للتراجع والانسحاب من العالم والانكفاء على ذاتها، وحدد البروفيسور اليهودي عقداً من الزمن فقط كسقف زمني ستتوقف الولايات المتحدة فيه عن لعب أي دور خارجي وذلك لأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، مما يفسح المجال أمام بروز الإمبراطورية الإسلامية، على حد قوله.

 

 

في المؤشر الأول، ثمة إدراك من كثيرين بأن المسلمين في تراجع كبير، لكن في المقابل بتلمس مؤشر كهذا وغيره لا يمكن إغفال حالات أخرى مغايرة وبقعاً ينبعث منها الإسلام سواء في دول أو في مناطق أو حتى قرى وبلدات، وهذا يعني أن روح الإسلام لم ولن تغب.

 

 

وفي الثاني، هناك التفاتة إلى عبقرية هذا الدين وذاتية انتشاره التي تضمن له البقاء والاستمرار في أشد الظروف ظلمة وظلماً، وقدرته على التكيف والمفاجأة دوماً بما يومئ بدقة إلى متانته، "ولن يشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه"، فدين كهذا عصي على الهزيمة وحري بالاستمرار والتسيد.

 

 

وفي الثالث، لم يأت البروفيسور الموتور ببدعة ولا خرافة، فمن حيث انكفاء الولايات المتحدة على ذاتها، هذا لا ينفرد به الرجل، وهناك قطاع نخبوي كامل يؤمن بتراجع هذه الدولة التي تمسك بتلابيب الشعوب المسلمة في كثير من البلدان وتكبح جماح انطلاقة الإسلام، ولئن هي تراجعت؛ فإن السبيل سيفتح لانبعاث إسلامي كبير قد يوافق ما تكهن به هذا الخبير اليهودي المخضرم. بل إن العالم اليوم مهيأ لهذا الانبعاث بعد إخفاقات كثيرة متراكمة في النظريات الوضعية والعقائد الفاسدة.

 

 

إن هي بالنهاية إلا محض مؤشرات، لا تؤسس لواقع لكنها تبعث على تفاؤل لا يستحق تنسم عبيره إلا العاملون في الطريق الصحيح، "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".

 

عبقرية هذا الدين، اظن لم تنتبه لهذا التعبير. الاسلام دين سماوي رباني، اظن ان ذلك التعبير غير سليم.. و شكرا استاذنا الكبير امير سعيد.
5 + 1 =