الغرب الشيعي.. حقيقة يراها الجميع باستثنائنا
24 جمادى الأول 1439
منذر الأسعد

من حق أي شخص غير متابع، أن يصف هذا المقال بأنه غير واقعي، وأن يتهم كاتبه بأنه من ضحايا نظرية المؤامرة.. فكيف يكون الغرب شيعياً وهو نصراني ولا ديني معاً؟ 

 

المقصود بشيعية الغرب
الغرب –بالتأكيد- ليس شيعياً بالمعنى العقائدي .. فهو لا يؤمن بقضية الإمامة ولا بنظرية ولاية الفقيه ولا يعترف بالإسلام الذي "ينتمي" إليه الشيعة، بصرف النظر عن صحة هذا الانتماء من عدمه.

 

ما أعنيه بشيعية الغرب –بالضبط- هو أن مجمل السياسات الغربية بعامة والأمريكية بخاصة إزاء العالم الإسلامي، تعتمد على رهان إستراتيجي  له سقف أعلى هو التحالف مع المشروع الإيراني ، وحد أدنى يوظف الدور الإيراني في تحقيق مصالح الغرب الحاضرة والمستقبلية. 

 

ويرجع سوء فهمنا لهذه الحقيقة التي سأعرض الأدلة الجلية عليها في المقال، إلى جملة محددات أدت إلى حجبها عن أنظارنا،وأهمها:
-الحرب الإعلامية بين واشنطن وطهران منذ هيمنة الملالي على السلطة في إيران  سنة 1979م واحتلال السفارة الأمريكية في العاصمة الإيرانية واحتجاز أمريكيين رهائن فيها.... 

 

-علمانية الغرب التي يظن كثير منا أنها تمنعه من الاكتراث بالخلاف السني /الشيعي.

 

-شيوع نظرية أن الغرب يهمه تأجيج الصراع بين أهل السنة والشيعة، ولا يعنيه من يفوز منهما في النهاية.

 

-انتشار وهمٍ قاتل بعد الثورة السورية، مفاده أنه ليس لأمريكا إستراتيجية إزاء سوريا والمنطقة، وخاصة أن واشنطن –بحسب هذا الوهم- تعود إلى العزلة وتترك مصير المنطقة لأقدام الروس الغليظة، ما دام أمن "إسرائيل" مضموناً!

 

أبعد من عنصرية ترمب

كشفت مجلة فورين بوليسي  الأمريكية النقاب قبل بضعة أيام، عن مسودة تقرير أعدته وزارة الأمن القومي الأمريكي ودعت فيه إلى رقابة طويلة على المهاجرين المسلمين من أهل السنة، لتحديد من يُعتبرون خطراً بناء على البيانات المتوفرة عنهم بشكل دائم.

 

هذا الخبر الصادم لم يحفزني على كتابة هذه السطور، مع أن فكرتها مختمرة في ذهني منذ مدة غير قصيرة؛ وإنما الذي حضني على المسارعة لمناقشة الفكرة، سوء قراءة الحدث في وسائل الإعلام العربية، التي حصرتْه في نطاق سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ذي الأفكار الشعبوية المناوئة للإسلام والمسلمين بصراحة لا سابقة لها!

 

وقد أسهم في تعزيز هذه القراءة المبتسرة، تمركز الجدل الأمريكي الداخلي حول الخبر في نطاق سياسات ترمب وقراراته التي تفرض مزيداً من التضييق على المسلمين والتمييز ضدهم. 

 

لكن وضع الخبر في سياق العلاقات الأمريكية / الإيرانية منذ ثورة الخميني يؤدي إلى قراءة أكثر عمقاً ودقة. 

 

ولأن الإحاطة بهذا التاريخ الملتبس بين ظاهره وباطنه المليء بالخفايا، ليس من شأن مقال سيار؛ فلنقف عن الادعاء بأنه ليس للعم سام إستراتيجية محددة من الثورة السورية، التي يبدو أنها ستعيد رسم المنطقة من جديد.

 

على درب أوباما!
هنالك ملاحظة يجدر بنا الإشارة إليها، هي أن ترمب نقض كل ما استطاع نقضه من سياسات سلفه باراك أوباما باستثناء الحفاظ على اتفاق الملف النووي الإيراني –مع بعض التصريحات السلبية حفظاً لماء الوجه- وكذلك إبقاء بشار الأسد رغم وصف ترمب له بالحيوان وتوجيه ضربة ديكورية لمطار الشعيرات بعد جريمة كيماوي خان شيخون !! 

 السفير الأمريكي السابق في دمشق روبرت فورد  أكد- في حوار متلفز بتاريخ 27/1/2017 – أن الرئيس ترمب ينفذ سياسات أوباما وخاصة في آخر سنتين لأوباما في البيت الأبيض!

كما ورد في مقال للكاتبة راغدة درغام في 28/1/2017 قولها: السياسة الخارجية في عهد دونالد ترامب، كما أقرها العسكريون في السلطة، هي استمرار لسياسات سلفه باراك أوباما، باستثناء العلاقات الودية مع دول الخليج ومصر، وبالذات السعودية، باراك أوباما وضع الأولوية الإيرانية فوق كل اعتبار وارتأى الجفاء مع الدول الخليجية ومصر لصيانة اندفاعه لتحقيق النقلة النوعية في العلاقات الأميركية– الإيرانية وتوقيع الاتفاق النووي مع طهران. أغمض عينيه عن كل التجاوزات الإقليمية الإيرانية في سورية والعراق واليمن ولبنان، باسم الاتفاق النووي، بل شرّع هذه التجاوزات عملياً، لأنه وافق على فصل الطموحات الإيرانية الإقليمية عن المفاوضات النووية.

 

دونالد ترامب تعهد بإصلاح العطب والخطأ في سياسات باراك أوباما نحو التجاوزات الإيرانية في الجغرافيا العربية، لكنّه فعلياً ينفذ «الفصل الثاني» من هذه السياسات. لذلك لا تقوم إدارته بأي إجراءات لمنع إيران من تسلّم الأراضي المحررة من «داعش» في سورية على أيادي «الحرس الثوري» الإيراني والميليشيات التي بإمرته، وفي العراق عبر «الحشد الشعبي». نيكي هايلي تتوعَّد في مزايدات لفظية وخطابات رنانة في مجلس الأمن. الواقع على الأرض يفيد بأن التفاهمات مع روسيا، بما في ذلك مكافأة إيران ميدانياً في سورية، هي من أهم ركائز السياسة الخارجية الأميركية. وهذا ما أقره الرئيس ورجاله العسكريون، وعلى رأسهم وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار الأمن القومي أتش آر ماكماستر، ووزير الأمن القومي الداخلي دونالد كيللي.

 

تقوية إيران وتقزيم تركيا
هذه هي خلاصة الإستراتيجية الأمريكية كما تتجسد على الأرض.. وهي أبعد من رؤى ساكن البيت الأبيض، لأن صياغة الإستراتيجية هناك لا ينفرد بها الرئيس رغم سلطاته التنفيذية الواسعة.

 

فالقرار الأمريكي الذي لا يحتاج إلى إعلان هو: غض النظر عن توسع النظام الإيراني إلى حد ابتلاعه العراق وسوريا ولبنان تحت بصر الطيران الأمريكي – بل تحت غطائه الجوي كما جرى في العراق مؤخراً تحت شعار محاربة داعش-.. 

 

وفي سبيل ذلك جرى خذلان كرد العراق –الحليف الرئيسي نظرياً – وتمكين نظام الملالي من إجهاض حلم الانفصال، بل إضعاف إقليم كردستان العراق وتسليم رقبته لحكومة العبادي العاجزة! 

 

في الوقت نفسه، يجري تعزيز قوة كرد سوريا الشيوعيين ضد تركيا الحليف التاريخي لأمريكا وعضو حلف شمال الأطلسي! 

2 + 11 =