خلع الحجاب الإيراني باسم "الثورة"!
27 جمادى الأول 1439
أمير سعيد

خَرَجَ الغَواني يَحتَجِجـ         ـنَ وَرُحتُ أَرقُبُ جَمعَهُنَّه
.........
وَأَخَذنَ يَجتَزنَ الطَريـ          ـقَ وَدارُ سَعدٍ قَصدُهُنَّه
يَمشينَ في كَنَفِ الوَقا         رِ وَقَد أَبَنَّ شُعورَهُنَّه

 

كان شاعر النيل، حافظ إبراهيم يمدح "الغواني" وهن يحتججن على الانجليز في ثورة 1919 بمصر بخلع حجابهن وكشف شعورهن تنديداً بالاستعمار!
في ميدان الإسماعيلية الذي سًمي بالتحرير خصيصاً لا لأنه شهد مظاهرات تطالب الإنجليز بالجلاء عن مصر، بل لأن النسوة المتغربات قد خلعن حجابهن ودسنه بأقدامهن وحرقنه بالوقود في حادثة مشينة لا منطق فيها ولا عقل، حيث لم يفرض الانجليز الحجاب على المصريات، وحيث لا تحرير للبلاد بهذه الطريقة المهينة لفريضة الحجاب الإسلامية.

 

 

باسم تحرير المرأة، تتكرر هذه المسرحية في بعض البلدان وتستنسخ من هذا المشهد، فإذا كان خلع الحجاب معرة وعري فقليل من "النضال" يطهره! ولا ضير فالإنجليز لم يعودوا أدراجهم بسبب هذه الفضيحة بل هي قد حاقت بهؤلاء النسوة على مر التاريخ بهذه الفعلة الشنعاء. مضت مائة عام لم يتراجع فيها النفوذ الغربي ولم تتحقق الحرية المزعومة لكن القدرة على التبرج وكشف الرأس أصبحت ممكنة!

 

 

يتكرر المشهد:
أربع نسوة يخلعن حجابهن أثناء الانتفاضة الإيرانية الأخيرة في شارع انقلاب (الثورة) بالعاصمة الإيرانية، احتجاجاً على فرضه عليهن منذ بداية نظام الملالي في خضم مظاهرات اشتعلت بالأساس رفضاً للفساد والسرقات وتهميش الأقليات وتصاعدت مطالبها رغبة في الانعتاق من نظام ولاية الفقيه الجائر.

 

 

خلع الحجاب لم يكن في أولويات المقهورين والمضطهدين في إيران، لكن وسائل الإعلام الغربية اهتمت كثيراً بالحادثة، إلى حد جعل صور صويحباتها "أيقونة" لثورة لا تعنيهم! فما يهم الغربيون ليس رسوخ الديمقراطية أو تحقيق العدالة أو إطلاق الحريات السياسية ولا حتى الحريات الشخصية الاجتماعية، إنما هو "حق" التبرج وخلع الحجاب!

 

 

نعم، ندرك أن الحجاب في إيران صوري منذ أن فرضه الخميني بالقوة، ونعلم أن زواج المتعة الزائف المهين لكرامة المرأة، المنتهك لعرضها وآدميتها هو الأكثر إجراماً بحق المرأة الإيرانية، وأن نظام طهران "الثيوقراطي" يعيش ازدواجية مريعة بالسماح بالفاحشة المقنعة (زواج المتعة الإيراني بصيغه المطاطة) في الوقت الذي يفرض فيه الحجاب الزائف هذا، لكن في المقابل: ألم يرى الغرب سوى الحجاب ليبرزه – عبر ناشطاته المتغربات وإعلامه – كعنوان لاضطهاد المرأة الإيرانية؟! إنها عادة غربية في كل بلد أكان سنياً أم شيعياً أن يُصدر الحجاب فيه – مهما اختلفنا حول منبته العقدي أو شكله وطريقته – كعنوان للأزمة، أي أزمة، تتعلق بوقوع شعوب تحت ظلم النظم الفاشية. لا بأس أن تعيش الشعوب في ذل وإجحاف، وأن تداس العدالة ما دامت أغطية رؤوس النساء تحت أقدامهن في "التحرير" أو على أعواد المشانق الرمزية في "انقلاب"!

 

 

تعامل طهران نساء البلاد بازدواجية بغيضة تفتح فيها الأبواب مشرعة للخنا والفجور في وقت تتمسك بفرض حجاب "معدل"، ويزن الغرب نساء إيران بالميزان المختل ذاته حين يحتج على الحجاب ويتغاضى عن مظالم جمة تقع على نساء إيران.

 

 

تستر نسوة فارس قديم يحفظه التاريخ الساساني قبل ألفي عام، وارتبط بعادات إقليمية، ثم بإسلام سني نقي كان يحكم تلك البلاد وترك آثاره فيها حتى بعد فشو الصفوية بفسادها الأخلاقي، وهو حيث أصبح – برغم قشريته وفراغه من مضمونه العقدي والأخلاقي - لم يزل مزعجاً لمنظمات نسائية لا تعرف للنساء حقوقاً سوى التعري والتبرج؛ فتدفع ناشطاتها للنيل منه في أوج الاحتجاجات على مظالم لا تنتهي يكتوي منها الفرس والأذر والبلوش والكرد والعرب.. إنه السلوك الغربي المعتاد في انتقائية التغيير بما يخدم أجندته الظالمة وحدها.

 

1 + 10 =