أهذه هي الضربة؟ أتمزح يا ترامب؟!
29 رجب 1439
أمير سعيد

صدقت ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية حين قالت: "الأسد قضى معظم حياته في بريطانيا، إنه رجلكم أكثر مما هو رجلنا"، ففي مقابلتها مع قناة سكاي نيوز البريطانية قالت: "قبل نزع السلاح الكيميائي كان الأسد الصديق الأفضل ليس لموسكو لكن لواشنطن ولندن (...) كيري (وزير الخارجية الأمريكي السابق) عندما كان يعمل في مجلس الشيوخ، كان على علاقة ودية مع الأسد".

 

بائس أن يتقاذف حكام الإمبراطوريات الحديثة حبل عبد يحكم دولة سادت الدنيا لنحو نصف قرن أو يزيد حين كانت تملك قرارها واستقلالها زمن الأمويين. لكن حسبنا أنه لا ينتمي لأحفاد هذه الدولة بل لأعدائها.

 

 

لكن بأية حالٍ؛ فإن من يمسكون الحبل لم يريدوا أن يصيبوا أياً من قوات هذا النظام الذي يحكم في دمشق بأي أذى؛ فنفذوا ضربة صاروخية وجوية لم تسفر عن سقوط أي قتيل في نظام بشار الأسد، ولم تصب أي من عناصر قواته بجراح، كما لم تستهدف أي هدف استراتيجي، خلا عدداً من مراكز البحوث والمقرات المهدمة والهامشية!

 

 

بدأت الضربة وانتهت قبل أن تتبلغ بها وسائل الإعلام، وجاءت كما هو متوقع، فلم يكن في أهدافها رسمياً تغيير النظام السوري، أو إلحاق الضرر الفادح بقدراته العسكرية، أو تخفيف المعاناة عن كاهل الشعب السوري، أو منع هذا النظام من اضطهاد شعبه وقمعه، كما لم يكن للضربة المحدودة علاقة بدعم فصائل ساهمت واشنطن ولندن وباريس في تقويض آمالها بسوريا حرة لا يمتد يقع طرف حبل حاكمها إلى هذه العواصم أو تل أبيب وموسكو وطهران.

 

 

ما تقدم لم يكن بعيداً عن الأذهان؛ فلقد أصبح من المعلوم من بديهيات السياسة بالضرورة أن أيا من تلك العواصم لن تلحق أي ضرر بنظام يحمي المصالح الصهيونية ويحول دون انعتاق الشعب السوري من نير ظلم وجور وتبعية يقوض انطلاقته الحضارية، ويحول دونه وتبوء مكانته الطبيعية في عالم الكبار، لكن من حسن القدر أن الضربة الأمريكية لم تقتصر على مضمونها هذا فحسب؛ فهي أكدت تالياً على عدة معانٍ مهمة في الحقيقة، لعل أبرزها وأكثرها أهمية على الإطلاق، أنها رجحت مصداقية الفكرة الاستشرافية القائلة بأفول هذه الدولة التي أمسكت بتلابيب كثير من الدول والشعوب في سائر أرجاء العالم.

 

 

نعم، إن المصداقية المهتزة لدى حلفاء واشنطن فيها يفقدها كثيراً من عوامل جذب هؤلاء الحلفاء لها، ويستبقي بالكاد في فلكها أنظمة تربطها بالولايات المتحدة مصالح شخصية ضيقة لن يكتب لها عمر طويل بحكم ثوابت التاريخ المعروفة؛ فالولايات المتحدة تثبت يوماً بعد يوم أنها أسوأ حليف يمكن الاعتماد عليه أو الارتكان إلى حمايته ورعايته، وبمقارنة بسيطة يمكن الخلوص إلى أن روسيا مثلاً أو سواها من الدول الصاعدة يمكنها أن توفر لحلفائها رعاية أوفر وحظوظاً أكبر من الحماية والدعم.

 

 

لقد خانت الولايات المتحدة كل من تحالف معها ولم تحقق له أي انتصار أو تقدم في أي مجال يذكر، وهي تبرهن كل يوم على فقدانها لأبسط أبجديات لغة التحالف أو حتى التبعية والرعاية، وهي فعلت بدرجة واضحة في سوريا في مطار الشعيرات، وهي الآن تكرر رعونتها في تلك الضربة التي جعجعت حولها طويلاً ثم لم يجد أحد لها طحيناً من بعد ذلك.

 

 

إن الامبراطوريات لا تدوم طويلاً إذا تعاملت بمثيلات تلك الخفة التي تتعامل بها واشنطن وحاكمها في اللحظات التي لا تحتمل إلا المواقف الجادة والحدية، والولايات المتحدة حيث يؤول بها الحال إلى المزاح في ساعة الجد، وإلى خذلان الحلفاء، وإلى استحقار العالم والاستخفاف بعقله الجمعي؛ فإنها لا تخسر موقفاً واحداً فحسب، وإنما تنبش قبرها الامبراطوري مبكراً، وهي قد فعلت الآن.

 

2 + 5 =