بريطانيا وظاهرة استعباد البشر
8 شعبان 1439
د. زياد الشامي

رغم مرور 70 عاما على إصدار الأمم المتحدة لما يسمى "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الذي نص على منع تجارة العبيد وإلغاء العبودية بكافة أشكالها إلا أن استعباد الإنسان لأخيه الإنسان ما زاال موجودا في القرن الحادي والعشرين ومنتشرا وشائعا بشكل لافت في الدول الاستعمارية وفي مقدمتها المملكة المتحدة .

 

 

منذ سنوات والمنظمات الحقوقية وما يسمى الجهاز الوطني لمكافحة الجريمة يكشف عن تنامي معدلات انتشار جريمة الاتجار بالبشر أوما يسمى "العبودية الحديثة" في بريطانيا بشكل متسارع دون أن تكون هناك أي نتائج ملموسة على الأرض للحد من هذه الظاهرة أو مكافحتها بشكل جدي .

 

 

صحيفة صنداي تايمز البريطانية حثت الشرطة البريطانية أمس على اتخاذ إجراءات صارمة ضد ''العبودية الحديثة'' التي قالت : إنها لا تزال منتشرة في بريطانيا .

 

 

وكتبت الصحيفة في افتتاحيتها تقول : إن بريطانيا أصبحت بلدا آمنا للغاية لتجار الرقيق إذ يكشف تحقيق أجرته الصحيفة عن مدى حجم الاتجار بالبشر في البلاد، حيث يتم إغراء الأطفال للحضور إلى بريطانيا تحت ذرائع زائفة , ومن بين طرق الاستدراج في بعض الأحيان إطلاق وعود للأطفال بأنه قد تم اختيارهم ومنحهم فرصة تجريبية للعب في نادي كرة قدم إنجليزي شهير، أو أنه تم اختيارهم لقضاء عطلة في بريطانيا .

 

 

تقول الصحيفة : إنه ما إن يصل الأطفال إلى بريطانيا حتى يدركوا أنهم خُدعوا وأنهم مجبرون على العمل في مجال الدعارة أو كعبيد محليين، بحيث يتم تكليفهم بزراعة القنب أو جني محاصيل الفاكهة.

 

 

التحقيق الذي أجرته الصحيفة كشف عن أن 6% فقط من جرائم العبودية الحديثة التي سجلتها الشرطة في عامي 2016 و2017 أدت إلى توجيه اتهامات بينما 94% من تلك الجرائم مرت دون توجيه أي اتهام !!!

 

 

تقديرات وزارة الداخلية البريطانية تقول : إن عدد ضحايا العبودية الحديثة في البلاد قد يصل 13 ألف حالة , بينما تؤكد الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة بأن هذا مجرد "غيض من فيض" محذرة من أن الأرقام الحقيقية قد تصل إلى عشرات الآلاف .

 

 

الشرطة والجمعيات الخيرية في بريطانيا اكتفت بوصف طريقة الخداع التي يلجأ إليها تجار البشر مع ضحاياهم بالـــ "مزعج" مستشهدة بقصة الطفلة سارة (13 عاما) التي تمت دعوتها من إحدى دول غرب أفريقيا لقضاء عطلة في بريطانيا لتكتشف بعد وقت قصير من إحضارها إلى لندن بأنها قد أضحت مجبرة على الطهو والتنظيف كعبد منزل كما أجبرت على ممارسة الجنس مع الزائرين الذكور.

 

 

ومع أن "سارة" استطاعت بعد معاناة شديدة الوصول إلى مؤسسة خيرية تتعامل مع ضحايا العبودية الحديثة وبالرغم من اتصال المؤسسة الخيرية بالشرطة إلا أن الضباط قالوا : إنه لا توجد أدلة كافية للمقاضاة !!!

 

 

الإحصائيات الكثيرة التي كشفت عنها وسائل الإعلام نقلا عن منظمات حقوقية أو جمعيات خيرية أو مؤسسات حكومية فيما يتعلق بانتشار جريمة الاتجار بالبشر و"العبودية الحديثة" في بريطانيا تشير بوضوح إلى مدى تضخم هذه الظاهرة وتنمرها في بلد يزعم ريادته في مجال رعاية حقوق الإنسان و صيانتها من المس أو الانتقاص !!

 

 

ردود أفعال الحكومة البريطانية إزاء هذا الارتفاع الكبير في أرقام جرائم استعباد البشر في القرن الحادي والعشرين لم يتجاوز حدود التصريحات الدبلوماسية , فقد أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية "تيريزا ماي" منذ أكثر من عام أنها ستنشئ فريق عمل في مجلس الوزراء لتنسيق استجابة الحكومة البريطانية وتعاملها مع عمليات الاتجار بالبشر أو ما يطلق عليه في بريطانيا "رقّ العصر الحديث" مضيفة أن الحكومة ستخصص 33،5 مليون جنيه استرليني لتمويل مكافحة هذه الجريمة إضافة إلى ضرورة تعديل النظام القضائي بما يكفل معاقبة المسؤولين عن هذه الجرائم وعدم هروبهم....لتكون النتيجة زيادة جديدة في معدلات هذه الجريمة مع استمرار إفلات الجناة من العقاب الأمر الذي يضع الكثير من علامات الاستفهام حول أسباب ذلك وملابساته .  

 

 

جريمة الإتجار بالبشر ليست حكرا على بريطانيا وحدها بل تنتشر بشكل ملحوظ في دول القارة العجوز على نطاق واسع ، حيث يقدر عدد الضحايا سنويا بنحو 70,000 إلى 140,000 حسب إحصائيات عام 2015م , كما كشف "التقرير العالمي عن الإتجار بالأشخاص الذي أعده مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات أيضا أن ملياري شخص حول العالم مورست عليهم جريمة الإتجار بالبشر - 70% منهم نساء وفتيات - دون أن يتعرض الجناة للعقاب !!

 

10 + 2 =