احتجاجات الجنوب العراقية.. عابرة نعم ولكن..
4 ذو القعدة 1439
أمير سعيد

قُرِأت احتجاجات محافظات الجنوب العراقية، والتي امتدت لأكثر من مدينة ذات أغلبية شيعية أو أقلية كبيرة في العراق بأكثر من تشكيل؛ فالذين نظروا إليها كـ"انتفاضة" شعبية مطلبية، خرجت للتنديد بالفساد والإفقار وسوء الأحوال المعيشية، وكفراناً بالأحزاب السياسية العراقية الموالية لإيران، وقدرتها على حل المشكلات العميقة التي سببتها تلك الأحزاب للمواطنين العراقيين، اعتبروها هبة جماهيرية "عفوية" أشعلها "نشطاء" في وسائل التواصل غضباً من الوضع الاقتصادي الراهن في الجنوب العراقي وسائر مناطقه بوجه عام.

 

والذين يتوقفون ملياً عند مصطلح "النشطاء" - وأنا منهم - لا يقرؤون المشهد على "عفويته" الظاهرة، حيث كثيراً ما تمثل المظاهرات المطلبية غشاء يخفي خلفه صراع إرادات محلية أو إقليمية، يتخذ من غضبات واحتقانات جماهيرية مشروعة ومتفهمة وقوداً لتغيير الخرائط السياسية أو إحداث هوة في جدار ما، مثلما حصل مؤخراً في الأردن، وسبقته قرائن شتى في كثير من دول العالم.

 

ورغم أن المحتجين قد اقتحموا مجالس المحافظات ومبانيها ومقرات حزب الدعوة والفضيلة والمجلس الأعلى، ومطار النجف، ومقرات ميليشيات العصائب وبدر، وأشعلوا النار في بعض تلك الأهداف، ورغم أن معظم ما استهدف يستهدف بالدرجة الأولى الأحزاب الممسكة بزمام الحكم، والمرجعية الموالية لإيران، إلا أن العراق لم يشهد "عفوية" منذ زمن بعيد! ومستبعد ألا يكون ثمة طرف يؤجج تلك الاحتجاجات المشروعة وينفخ في كيرها. لاسيما أن صراع الصغار لم يحسم بعد في أعقاب انتخابات لم يعد يجهل أحد أنها كانت مزورة.

 

ثمة استنتاج قد يتبلور بخصوص توجيه الأحداث لينجم عنها في الأخير سيطرة كاملة لـ"الحرس الثوري العراقي" الذي سبق أن أشرت إلى استراتيجيته في مقالات سابقة، بحيث يحكم في نهاية الأمر قبضته على السلطة مجنباً الجيش والقوى الأمنية النمطية على غرار النموذج الإيراني، وإذ قد نجح نظام الميليشات الذي امتطى ظهر داعش ليبرر تفوقه على الجيش في محافظات السنة؛ فإن الجنوب قد يرشح لإحكام ميليشوي موازٍ يقود القوى العسكرية والأمنية (التي تضم سنة مهمشين في كافة رتبها وقطاعاتها) إلى زاوية التحجيم والظلام.

 

غير أنه ما هذا، وحتى لو كان ذلك هو هدف ذلك الحراك الشيعي العربي أو من يقودونه؛ فإنه لا يمكننا أبداً تجاهل الدوافع التي جعلت هذا الغضب يستمر ويتنامى، فالاحتجاجات التي تفجرت في أعقاب أزمات الكهرباء والماء والزراعة، وفشو الفساد واللصوصية، لم تكن تحتاج لقداحة لإشعالها، وإذ استمرت مطالب الكتالونيون في إسبانيا لشهور طويلة بسبب غضبهم من عدم عدالة حكومتهم في معاملة الإقليم الغني نسبياً مع بقية إسبانيا الفقيرة، وعدم استفادتهم بالتفوق النسبي في المدخول الإقليمي؛ فإن لدى سكان البصرة وما حولها أضعاف هذا الشعور، لا تجاه المحافظات الأخرى، ولكن تجاه نظامهم نفسه الذي يتهمونه باللصوصية، حيث تجري أنهار النفط من تحتهم؛ فيما يعيشون الفقر مركباً دون تفسير مقبول.

 

إنهم لم يحصدوا شيئاً منذ انتفاضتهم الشعبانية ضد نظام صدام حسين التي ربما عضوا أصابع الندم على القيام بها، بعد عقد ونصف العقد من الإذلال والإفقار والاستبداد والأكاذيب التي تمارسها أحزاب المرجعية الشيعية، والمرجعية ذاتها بما يحملهم بقوة على الكفران بها وتهويماتها وألاعيبها. يقول الخبير الاستراتيجي طلعت رميح في قراءة له تبدو دقيقة للأحداث: "تصبح إيران يوما بعد يوم عنوانا للفشل. وإذ المظاهرات لا تتوقف الا لتندلع فى محافظات إيران.فها هى المحافظات الأشد معاناة فى العراق من الاستعمار الايرانى المباشر تشهد مظاهرات واضطرابات عنوانها فشل ميلشيات وأحزاب إيران التى سيطرت على الحكم بعد الاحتلال.الزمن تخطى ولاية الفقيه".

 

نعم، يبدو هذا الملمح واضحاً مهما كان القادح لهذه الاحتجاجات، ومهما صارت عابرة لا يتوقع لها أن تمتد طويلاً أو تحدث خرقاً مهماً في جدار الاستبداد الفاشي البغيض، إلا أن لها تأثيراً قادماً بعد تغيرات ظرفية قد تحدث في المنطقة لاحقاً فما تحت رمادها سيظل مشتعلاً إلى أجل طويل؛ فالمرجعيات الشيعية تهتز بعنف في إيران والعراق بسبب ممارسات بعيدة كل البعد عن الإسلام وعدالته، إذ ظهر لشيعة العرب في الجنوب العراقي كم كانت خطيئتهم كبرى بمساهمتهم في إطاحة نظام اعتبروه "سنياً ناصبياً ديكتاتورياً ظالماً"، وأحلوا من بعده قومهم نظام البوار! فلا هم حصدوا ديمقراطية ولا عدالة اجتماعية ولا اقتصاداً رائداً نامياً، ولا هم استساغوا ربط البطون من أجل قضية عادلة بعدما تبين لهم أن أحزاب المرجعية بمرجعيتهم ذاتها لا يعدون كونهم لصوصاً بعمائم ولحى!

4 + 5 =