درس في الوطنية
6 شوال 1429
كثر الكلام في السنوات القليلة الماضية عن الوطنية وانقسم الناس حولها؛ فمنهم من يرى التمسك بها والدعوة إليها نوعاً من أنواع الفسق أو الكفر، فيحذر منها ويحاربها، ومنهم من يمجدها ويرفع من شأنها ويجعلها معقد الولاء والبراء حتى تصل به الحال إلى عدها نوعاً من أنواع العبادة، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، فهذا إفراط وذاك تفريط، والحق وسط بينهما.
إن كثيراً مما يقال اليوم وينشر في وسائل الإعلام من التمييز والتفرقة بين المسلمين على أساس الوطن والانتماء إليه، هو من دعاوى الجاهلية التي وضعها الإسلام وقضى عليها، فالعبرة في شرع الله ليست بالجنسية أو الوطن إنما هي بالإيمان، كما قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات/10]، والتمييز بين الناس إنما هو بالتقوى كما قال عليه الصلاة والسلام: "لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى"(1).
لكن العلمانيين ومن لف لفهم لا يرضون بذلك، فالأخوة عندهم أخوة الوطن، وابن بلدهم -وإن كان فاسقاً- أفضل من الأجنبي وإن كان تقياً، حتى وصلت بهم الحال في بعض بلاد الله إلى عد اليهودي والنصراني من أهل وطنهم أقرب وأحب إليهم من المسلم غير المواطن، وما هذا إلا تمييع لمبدأ الولاء والبراء الذي هو من أوثق عرى الإيمان!
لقد جُبِل الإنسان على حب المكان الذي نشأ وترعرع فيه، وجبل كذلك على التعاون مع أترابه في الذود عن حياضه ودفع كل ما قد يمسه من مكروه، فإذا كان هذا الحب والتعاون تابعاً لما يحبه الله ويرضاه، وإذا كانت الوطنية تعبيراً عن هذا الحب بأداء كل ما من شأنه رفعة هذا الوطن بما يوافق شرع الله عز وجل و لا يترتب عليه تعد على أي حد من حدوده أو حكم من أحكامه، فهي مشروعة محمودة.
فالصورة الأولى التي يروج لها العلمانيون مرفوضة محرمة، والصورة الثانية مقبولة محترمة؛ وتبقى الصورة الثالثة وهي التي تجعل الوطنية شعارات ومظاهر جوفاء وأناشيد وعرضات، فهذه تجني على الوطنية وتزري بها وتجعلها دعوى فارغة، وهذا رأس مال البطالين.
إن هجرة المسلمين إلى الحبشة ثم هجرتهم إلى المدينة المنورة تعطينا درساً عظيماً في الوطنية كما ينبغي أن تكون؛ لقد كان المهاجرون رضي الله عنهم يحبون وطنهم مكة المكرمة، ولولا أذى أهلها لهم ومنعهم إياهم من إقامة شعائر دينهم فيها ما تركوها ولا هاجروا منها، لا أدل على ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلقي النظرة الأخيرة على مكة يوم هجرته المباركة: "و الله! إني لأعلم أنك خير أرض الله، و أحب أرض الله إلي، ولولا أني أُخرجتُ منك ما خرجتُ"(2).
فها هو خير المهاجرين من الأولين والآخرين يصرح بحبه لوطنه، ويبين مكانته عند الله مما لا يمكن أن يدانيه فيها غيره، ومع ذلك فإنه يترك هذا الوطن ويخرج منه ويأمر أصحابه بتركه والخروج منه، بل ويرجع بعد سنوات ليفتح هذا الوطن بجيش جُلُّ أفراده ليسوا من أبنائه، وينتصر بهم على أهل وطنه مما هو في ميزان أهل الباطل خيانة للوطنية. وفي المقابل، نجد الأنصار رضي الله عنهم يحبون المهاجرين ويفضلونهم على مواطني مدينتهم من غير المسلمين وينصرونهم عليهم، وفي هذا خيانة للوطنية عند أهل الباطل كذلك.
إن الإنسان لا يمكن أن يحكم على الأمور حكماً صائباً إلا إذا علم الغاية التي خلق من أجلها -وهي عبادة الله جل وعلا- وأقر بها وعمل بمقتضاها، فلما كان البقاء في مكة يحقق العبودية لله سبحانه وتعالى بقي عليه السلام فيها، ولما تعذر ذلك وصارت عبوديته لربه تبارك وتعالى تتحقق بالهجرة منها هاجر وتركها، ولما صارت هذه العبودية تتحقق بمقاتلة أهلها ثم بفتحها قاتلهم ثم فتحها.
فتحقيق العبودية لله جل وعلا هو الأصل، ولهذا بين الله سبحانه وتعالى عاقبة من تمسكوا بالأرض والوطن ولم يهاجروا رغم عدم تمكنهم من إقامة دينهم فقال عز من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء/97].
إن الهجرة درس عظيم في الوطنية قد لا يفقهه دعاة الوطنية الجاهلية لأنهم جعلوا ولاءهم وانتماءهم للحجارة والطين!
ولو أنهم عقلوا أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع أنصارياً يقول يا للأنصار ومهاجرياً يقول يا للمهاجرين -لإشكال حصل بينهما- فقال: "ما بال دعوى جاهلية ... دعوها فإنها منتنة"(3) لعلموا أي جرم يجنونه على أنفسهم وعلى وطنهم الذي يريدون العودة به إلى الجاهلية العمياء.
وأخيراً فإن عقيدة الولاء والبراء تقضي بأن يقرب المسلم البر التقي أياً كان وطنه، ويقدم على من دونه ولو كان حسيباً نسيباً، وفي المقابل يجب على هذا الغريب أن يحفظ الولاء لدولة الإسلام التي هاجر إليها، وأن يعلم أن عليه من الحقوق مثل ما له من الواجبات، على حد ما جاء في حديث بريدة عند مسلم في أعراب المسلمين وفيه: ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين... الحديث(4)، والله المستعان.
 
_______________
(1) مسند الإمام أحمد 5/411 (23536).
(2) المستدرك 3/315 (5220).
(3)  صحيح البخاري 4/1861(4622).

(4) صحيح مسلم 3/1357 (1731).

ليت المسلمين يعلمون هذا الكلام جيدا جزاك الله خير فضيلة الشيخ د. ناصر العمر ونتمنى ان لا تطيل علينا كثيرا بمقالاتك الطيبة نتمنى على الاقل ان يكون هناك مقال لكم اسبوعيا حفظكم الله

سلام على كريم المحتد.. سلام لقلبك النابض بالطهر والجمال.. أعجبني حرفك كثيرا، فطرب له قلبي! يعجبني الانصاف.. تعجبني الرؤية الثاقبة التي تحظى بها ذاتكم المهابة. وحبذا لو كان تعبيرا عن الوطنية بأعمال كريمة ترفع من شأن المحبة لهذا الثرى الطاهر الذي خلق لنا. وكان واجبا أن تكون العلاقة في الوطنية من طرفين لا من طرف واحد! اجزم أن العلاقة من طرف واحد قد يكون مآلها انفصال أو على الأقل ارتخاء. شكر آخر سيدي الشيخ.

بسم الله الرحمن الرحيم لكن يا شيخ وطن المؤمنين هي الجنة والدليل أن آدم عليه السلام كان يسكنها و المؤمنون يرثونها من بعده

العلمانيون...يريدون هدم الثوابت بأي طريقة...فدعوتهم بموالاة كل من في الوطن الواحد يتنافي تماما مع كرهم وبراتهم الواضحة لأهل التقوى والصلاح (وهم أكثر من في هذه البلاد الطيبة)...فهم كعادتهم يقولون ما لا يفعلون....اللهم لاترفع لهم في أرض التوحيد راية

يقول الاستاذ سيد قطب رحمه الله في مقدمة الظلالك ( وعشت - في ظلال القرآن - أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للإنسان ومن بعد . . إنه إنسان بنفخة من روح الله: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . . وهو بهذه النفخة مستخلف في الأرض: وإذ قال ربك للملائكة:إني جاعل في الأرض خليفة . . ومسخر له كل ما في الأرض: وسخر لكم ما في الأرض جميعا . . ولأن الإنسان بهذا القدر من الكرامة والسمو جعل الله الآصرة التي يتجمع عليها البشر هي الآصرة المستمدة من النفخة الإلهية الكريمة . جعلها آصرة العقيدة في الله . . فعقيدة المؤمن هي وطنه ، وهي قومه ، وهي أهله . . ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها ، لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج ! . . )

لا فض فوكم ..

جزاك الله ياشيخي الكريم ورفع قدرك أشعر بطمأنينة وأنا أقرأ لماتخطه يداك فالوسطية واتساع الأفق هي سمة جليًة فيك وفي رفيقك الشيخ سلمان العودة حفظكم الله لنا جميعاَ وفي العلماء كلهم ان شاء الله , أبقاكم الله لنا ذخرا

اقسم بالله انه كلام شافي كافي لكل من له قلب

بورك لك في وقتك ياشيخ ، فهكذا ننتظر من علمائنا في كل جديد ،

جزاك الله كل خير أصبحنا يا شيخ نكره كل ما يتعلق بالمناسبات الوطنية مما نراه من ممارسات تخل براحة المواطنين وبأمنهم. بعد المباريات وفي اليوم الوطني تقفل الطرقات وتزيد الفوضى ويزيد قلق العوائل من طيش الشباب وتلون السيارات بمبالغ طائلة (حتى سيارات المدرسات - مع السواقين) ,,, وكل هذا باسم الوطنية. فلا حياها الله من وطنية بهذه الويلات.

شكر الله لكم وأثابكم نعم إنه درس ... نسأل الله أن يستفيد منه كل مسلم لا يعرف ما هي الوطنية الحقة .

شكراً لشيخ حفظه الله ورعاه من شر الفتن التي يتعرض لها الناس عامتاً والدعاة خاصتاً ، وفي الحقيقة ان ضعف المسلمين في العقيدة وفي تحكيم شرع الله تعالى في أمور الدين والدنيا هو الذي قادهم إلى هذا الذل والهوان ، فتركوا معتقداتهم التي تبين لهم الطريق السليم وتبعوا الصحف والمجلات والعلمانيين اخزاهم الله . بارك الله في جهودكم

لا فض فوك ليت شبابنا الطائش الذي يؤذينا في المناسبات الوطنية و المباريات يعقل هذا الكلام .

النازية = الوطنية

جزيتم خيرا نريدمنكم في كل قضيةأن تكتبوافيهافكل يوم يحدث مستجد نفع الله بكم

ما شاء الله اللهم كَثِّر من أمثال شيخنا ناصر العمر في الأرض، وانر بهم دينك، واكسر بهم شوكة عدوك من الأصنام الجديدة المعاصرة المواطنة والوطنية كما كان قبل: الديمقراطية والعلمانية وهي أضر وأخطر من الأصنام الساذجة في التاريخ الغابر من حجر وشجر وبقر وطوطم وذات أنواط!! قال سيد قطب-رحمه الله-:(إن الناس يقيمون لهم اليوم آلهة يسمونها « القوم » ويسمونها « الوطن » ، ويسمونها « الشعب » . . إلى آخر ما يسمون . وهي لا تعدو أن تكون أصناماً غير مجسدة كالأصنام الساذجة التي كان يقيمها الوثنيون . ولا تعدو أن تكون آلهة تشارك الله - سبحانه - في خلقه ، وينذر لها الأبناء كما كانوا ينذرون للآلهة القديمة! ويضحون لها كالذبائح التي كانت تقدم في المعابد على نطاق واسع! إن الناس يعترفون بالله ربا . ولكنهم ينبذون أوامره وشرائعه من ورائهم ظهرياً ، بينما يجعلون أوامر هذه الآلهة ومطالبها « مقدسة » . تخالف في سبيلها أوامر الله وشرائعه ، بل تنبذ نبذاً . فكيف تكون الآلهة؟ وكيف يكون الشرك؟ . وكيف يكون نصيب الشركاء في الأبناء . . إن لم يكن هو هذا الذي تزاوله الجاهلية الحديثة!!)[في ظلال القرآن، تفسير سورة إبراهيم عليه السلام] أصنام كلها تُوقِع صاحبها في الشرك وتحوم به حوله- نسألأ الله العافية لنا وللمسلمين وأن يهدي ضالهم ويعلم جاهلهم

سبحان الله، أستغرب كيف يوجد علمانية لها صوت في المملكة العربية السعودية، وهي دولة إسلامية. أليست هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودة؟ أم هي مجرد صورة؟
2 + 0 =

البخل داء فتاك كم فرق بين أحباب، وأغلق بيوتاً، وهدم أسراً، ودمر مجتمعات، وزرع الحقد والغل في الصدور، فتقطعت الأواصر، وانصرمت الوشائج، وقام على أساسه سوق الحسد والبغض...