غزَّة: القطاعُ الكاشف

أحمد العساف  | 3/1/1430

لو كانَ تمنّي الموتِ سائغاً شرعاً لما وسعَ الأحرارُ إلاَّ أنْ يتمنّوا توسُّدَ الثرى حتى لا يبصروا ما جرى في غزَّةَ الصامدةِ المقاومةِ وللهِ المشتكى وحدَه، وحيثُ أنَّ مجرَّدَ الشكوى طبعٌ جبانٌ مالمْ يُصحبْ بعملٍ وثابٍ وروحٍ متفائلةٍ حتى تخرجَ الأمَّةُ منْ سنواتِ تيهِها التي طالتْ وما ذلك على اللهِ بعزيز، ولأجلِ ذلكَ لا مفرَّ منْ النَّظرِ إلى هذهِ المعركةِ الجديدةِ في سياقِ التفاؤلِ والاعتبارِ والتخطيطِ للمستقبلِ متجاوزينَ العقبةَ الكؤودَ المتمثلةَ بأسرِ الماضي المؤلمِ وتقييدِ الواقعِ الحزينِ منْ غيرِ إهمالٍ لهما والأمرُ للهِ وحدَه ليبتليَ عبادَه ويُمحصَّهم للغيبِ الذي لا يعلمه إلاّ هو سبحانه.

 

ولقدْ كانَ القطاعُ العزيزُ في محنتهِ كاشفاً لعدَّةِ أشياءَ منها:

أولاً: تزكيةُ المنهجِ الإسلامي الذي يأبى الضيمَ وينشدُ الحريةَ ولا يرضى بالهوان؛ ففرقٌ كبيرٌ بينَ تعاملِ الأعداءِ معْ "عباس" وتعاملهم معْ حماس المنحوتةِ منْ حركةِ المقاومةِ الإسلامية؛ ولا غرابةَ فقدْ يكونُ "عباس" منحوتاً منْ عميلِ البغي الإسرائيلي.

 

ثانياً: أنَّ الشارعَ الفلسطيني والإسلاميَّ مناصرٌ للتوجهاتِ الصادقةِ المنطلقةِ منْ الدِّينِ الصحيح، ولو أجريتْ انتخاباتٌ نزيهةٌ في بلدانِ المسلمين لفازَ في أكثرِها حملةُ الشريعةِ ودعاةُ الفضيلة، ولذا أحجمتْ أمريكا عنْ فرضِ "الديمقراطية" في الشرقِ الإسلامي حينَ رأتْ ثمارَ تطبيقاتِها اليسيرة.

 

ثالثا: لازالَ في المسلمينَ حياةٌ وبقيةٌ منْ حياةٍ لمْ تقضِ عليها الشبهُ والشهواتُ المبثوثةُ في كلِّ زاوية؛ وقدْ رأينا المظاهراتِ الغاضبةَ تعمُّ بلدانَ المسلمين حتى العراق المحتل، وهذا دليلٌ على وحدةِ شعورِ المسلمين ورغبتِهم في نفضِ غبارِ الذُّلِ المتراكمِ إضافةً إلى الانفكاكِ عن المواقفِ السياسيةِ والخلافاتِ بين الأنظمةِ والأحزاب. 

 

رابعاً: كشفَ لنا القطاعُ انقطاعَ عباسٍ وزمرتهِ عنْ همومِ أهلِ فلسطين وانفصالِهم عنْ الجسدِ الفلسطيني المثخنِ بالجراح؛ ولقدْ كانتْ تصريحاتُ عباس ورجالِه عاراً لا يُغسل إلاَّ بنزعِ أيِّ شرعيةٍ يتمتعونَ بها، وإلاّ فمَنْ يقبلُ اتهامَ المقاومةِ بالعبث؟ ومَنْ يرضى بالتشفي منْ القطاعِ وأهلِه وهم الجيرانُ وبنو العم؟ والواجبُ الشرعيُ على حماس أنْ تسارعَ بفضحِ هؤلاءِ المجرمينَ بالوثائقِ الثابتةِ غيرةً للهِ ثمَّ لحقِّ الشعوبِ الإسلاميةِ والتاريخ.

 

خامساً: وممَّا قطعَ القطاعُ الظنَّ منهُ باليقينِ موقفُ الحكوماتِ العربيةِ القبيحِ منْ الحدثِ برُّمته؛ فقد أمستْ القاهرةُ مقهورةً بتصريحِ اليهوديةِ وإعلانِها الحربَ منْ أرضِ الكنانةِ التي يمتازُ شعبُها بالغيرةِ والنَّجدةِ والحمية؛ وزادَ الطينَ بلِّة سكوتُ المسؤولينَ المصريينَ عنْ تصريحاتِها فلمْ ينبسوا ببنتِ شفه! ولو كانَ المسؤولُ يعقلُ لاستقالَ أو امتنعَ عنْ الخروجِ على النَّاسِ مكشوفَ الوجه أبدَ الدّهر! ولو أنَّ النِّظامَ المصري يستحي منْ شعبهِ المسلمِ لطردَ أولئكَ الساكتينَ عنْ الحقِّ الناطقينَ بالسوء، وما يُقالُ عنْ مصرَ ليس خاصاً بمصرٍ دونَ مصرٍ غيرَ أنَّ خطأ الكبيرِ موجع.

 

سادساً: أنَّ زعماءَ اليهودِ يلبونَ رغباتِ شعوبِهم، فقدْ أوضحتْ استطلاعاتُ الرأي تقدُّمَ "كاديما" الذي تقوده ليفني على الليكودِ لأولِّ مرَّة، وقدْ كانَ للوزيرةِ اليهوديةِ "ليفني" موقفٌ صلبٌ خدمةً لمعتقدِها وبلدِها، وهو ما يعجَزُ عنه بعضُ رجالِ أمتنِا ولو كانَ في سبيلِ المعتقد الصوابِ والمصلحةِ الراجحة.  

 

سابعاً: يُسوِّغُ اليهودُ جرائمَهم كلَّ كرَّةٍ؛ ولا يرونَ بأساً في عدوانهم ولا حاجةً للاعتذارِ خلافاً للمسلمينَ الذي يعتذرونَ ممَّا لم يفعلوه أوْ لمْ يأمروا به، وعلى أيِّ حالٍ فالتسويغُ اليهوديُ للاعتداءِ أمرٌ طبعيٌ حتى معْ رفضِنا له؛ فهذهِ عادةُ المجرمينَ الصغار والكبار، ولكنْ كيفَ نُفسِّرُ التسويغاتِ العربيةَ للعدوان؟

 

ثامناً: ما أكذبَ الشعاراتِ البراقةِ المناديةِ بالحقوقِ والحريةِ والإخاءِ والحوارِ والتعايش؛ فهاهيَ دولةُ إسرائيلَ تنسفُ بالحربِ كلَّ كلماتِنا الهزيلة؛ وتكتفي دولُ العالمِ بالصمتِ باستثناءِ أمريكا -ذاتِ الحذاءِ- التي تتفهمُ البشاعةَ اليهوديةَ ولا تُراعي أيَّ حقٍّ للزعاماتِ العربيةِ الصديقةِ ودولِ المنطقةِ "الحليفة". ويفضحُ الدعاوي العريضةَ تزامنُ الاعتداءاتِ معْ الاحتفالاتِ النَّصرانيةِ بميلادِ المسيحِ- عليه السلام- ورأسِ السنةِ الميلاديةِ وهيَ احتفالاتٌ عالميةٌ تبلغُ أوجها في أرضِ فلسطين فأيُّ نفوسٍ قبيحةٍ تلكَ التي تخلطُ الدِّماءَ والأشلاءَ معْ مقتضياتِ الاحتفالِ والبهجة؟

 

تاسعاً: ضرورةُ إحياءِ روحِ المقاومةِ والجهادِ ودفعِ العدوانِ في نفوسِ النّاشئةِ منْ شبَّانِ المسلمين وفتياتِهم؛ وتوسيعُ النَّظرةِ إلى مشروعِ حماسِ على أنَّه يتجاوزُ تحريرَ القطاعِ إلى تحريرِ بيتِ المقدسِ ولا يقفُ عندَه بلْ يمضي قُدماً لتحريرِ الإنسانِ المسلمِ والعربي منْ الضعفِ والاستكانةِ وانتزاعِ الأجيالِ منْ براثنِ المغرياتِ والملهياتِ إلى معالي المطالبِ لتكونَ غزَّةُ بوابةَ العزَّة.

 

وإنَّ لأهلِنا وشهدائِنا في غزَّةَ أسوةٌ حسنةٌ وقدوةٌ مباركةٌ في النَّبي الكريمِ -صلى الله عليه وسلم- وفي صحابتهِ البررة وسلفِنا الصالح؛ فمنْ جهادهم نستفيدُ لنقتديَ بصبرهم ومصابرتِهم ومرابطتهم، وندعُ الأمانيَ والملامةَ فالحديثُ الآنَ للدِّماءِ الزَّكيةِ والأرواحِ الطاهرةِ والبلادِ الصامدةِ والسواعدِ المقاومةِ والأموالِ المبذولةِ والعقولِ المفكرةِ حتى يستقيمَ الأمرُ وتزولَ الغمَّةَ ويأتيَ النَّصرُ فيشفي الله صدورَ قومٍ مؤمنين بتحقيقِ موعودهِ القريبِ لمنْ صبرَ واتقى وآمنَ وأحسن.


  

بيض الله وجهك .. فالشمس لا تحجب بغربال .. مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ .. آل عمران179 الى أخواني في غزة .. من لكم غير الله .. وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيراً .. النساء45 مايصح الا الصحيح .. جزاك الله خير ..
الأخ الكريم / أحمد العسّاف . يعلم الله أني أتلقف ما تكتبه إذا ما وجدته . فقلمك وفكرك يسيلان فلا تدري أيهما أسبق وأكرم . وأود أن أضيف ملاحظة بسيطة .. تأملت خطاب أمين عام الجامعة العربية ( عمرو موسى ) فلفت نظري عدد من العبارات قالها - هي ليست من طبيعة الخطاب العربي المأخوذ به في الجامعة العربية ! وأعني بهذا : ترديده لعدد من الآيات والكلمات ذات الطابع الروحاني ( الديني ) ! ومعنى هذا عندي أن المشروع الإسلامي وصل إلى درجة مسايرته والمتاجرة به .. وتلك بشارة ! فنحن نعلم بأن الجامعة العربيّة نُشئت في حليّة العلمانية واللا دينية .. فالحمد لله الذي جعلهم يُعاكسوننا :) وختاماً فأسأل الله نصر هذه الأمة على أعدائها ، وأن يكشف عن إخواننا في غزة ما أصابهم ، وأن يُثبت أجرهم وقدرهم . ولك التحيّة وارفة الظلال .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،، اشكر اخي الكريم على هذه النقاقط الهامة والواضحة في عرضها لنا فجزاكم الله كل خير . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عذراً لكِ ياغزه!! لاعذر ياغزة لك منا فالويل لكِ مناجاك لم يبقى فينا نخوة نحن من حاصرناك!! لو علم العدو أننا صادقين لما غزاك ولو سلمتِ من مكرنا لسلمت لك يداك!!
لك الله يا غزة لك الله ياغزة والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين..المرابطين ... أسأل الله ان يفك اسرهم...ويعجل نصرهم الوضع جدا مؤلم...جدا مخزٍ.... رغم أن كلماتك اخي أحمد تشعل بصيص الأمل في غيابة النفق المظلم لأمتنا...وتضع كثير من النقاط الايجابية على الحروف البليغة وتحلل الوضع بكل تعقل وعقلانية..الا أن هناك خيبة أمل وفتور حماس مع بداية سنة هجرية نتمنى أن تكون سنة خير على المسلمين. دمت بخير ...وهنيئاً لنا هذا القلم/الألم الجميل عبدالله الطلحي
مهلاً في القول على القيادات العربية 1- فلو كنا لهم كعلي ابن أبي طالب وعثمان ابن عفان لكانوا لنا كأبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعاً . فالقيادات هم منا ونحن منهم 2- وأخشى أن تكون مرحلة ذات الحذاء جميل هذا الاسم وهي حقيقة حذاء اليهود هو تفتيت الكيانات العربية ولا يكون ذلك إلا بقنبلة مثل عدوانهم على غزة . 3- ارجوا أن لا نستخدع بتوجيه الحرب إلى غير عدونا ونصوب السهام إلى نحورنا .
السلام عليكم وبارك الله فيك يا صاحب المقال ونسأل النصر والثبات لأهل غزة الرجال ... وسلام علي من مات منهم فإنهم شهداء بإذن الله أحياء عند ربهم يرزقون كما قال مولانا جل وعلا .. وتبا لحكامنا الخونة الجبناء ، ووالله ما لنا إلا الدعاء ، ووالله لو فتح باب الجهاد لرأي هؤلاء اليهود والنصارى الانجاس العجب العجاب من اتباع المصطفي..
السلام عليكم وبارك الله فيك يا صاحب المقال ونسأل النصر والثبات لأهل غزة الرجال ... وسلام علي من مات منهم فإنهم شهداء بإذن الله أحياء عند ربهم يرزقون كما قال مولانا جل وعلا .. وتبا لحكامنا الخونة الجبناء ، ووالله ما لنا إلا الدعاء ، ووالله لو فتح باب الجهاد لرأي هؤلاء اليهود والنصارى الانجاس العجب العجاب من اتباع المصطفي..
وكذلك فضحت ما يسمى بمحور التشدد في المنطقه واعني به الثالوث الذي يتكون من ايران سوريا حزب الله فالحرب تور رحاها على مرمى حجرا منهم ولم يقدموا شيئا سوى الشعارات الجوفاء والدعاوى الفارغو فقد كان الواجب ان تدك صواريخهم تل ابيب لتخفف الضغط عن اهل غزة فتح جهة اخرى على الجبهتين الشمالية والشرقية لفلسطين فلم يقوموا بشيء سوى المتاجرة بالقضية والضحك على الذقون بل حاولوا ان يحرفوا الواقع ويغيروا اتجاه البوصله باتجاه مصر فقد اظهروا ان مصر هي المعتدية وليس اليهود بالاضافة الى انه ظهر جهل الجماهير فففي الاردن بدل لن تتوجه الجموع الى السغاره اليهودية لتدميرها اتجهوا صوب السفارة المصريه وهو لشيء عجيب هذا كله بالاضافة الى ما ذكرته حضرتك في مقالالكم الرائع عن كشف وفضح الحكومه المصرية وكشفها امام العالم كله وتعريتها امام العالم اجمع حيث ظهر للجميع ان واجبها الذي اسند اليه في الوقت الحاضر هو تركيع الشعوب وتمرير مشروع التطبيع ومشاركتها في حرب حماس والله المستعان كما اني اري ان هذه الحرب بداية لمرحلة جديده وواقع جديد عن طريق دخول تركيا على خطالصارع لعلها احد فصول الشرق الاوسط الجديد وعذرا على الاطاله وشكرا على هذا المقال الرائع ارجو من فضيلتكم تصويب كلامي ان رأيتم فة اخطاء واكون شاكرا لكم
نسأل الله ان يلطف بالمسلمين وان يخص أهل غزة بالرحمة وان يمدهم بجند من عنده. لقد اسمعت اخي احمد لوناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي. الأمل ولله الحمد موجود ولقد مرت الأمة بازماتاشد وبفضل الله خرجت اقوى عودا واعز مكانة. أشكر لك هذا الطرح المتميز.
الله أكبر
اللهم رد كيد الاحزاب في نحرهم
السلام عليكم ورحمةالله وبركاته.. نشكر لقلمكم هذا التحليل والتصوير الشامل للقضية. وأسأل الله أن ينصر المسلمين....مشكلتنا في أنفسنا سواءً شعوب أو قيادات... مع كل محنه هناك منحة....ومعرفة الذات من اهم الدروس التي تعلمناها في الايام الماضية ...على الرغم ان الثمن كان باهض ولكن نقول لاحول ولا قوة الا بالله متابع لما تسكب من جمال اخوك

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

هل تتوقع تأثيراً للأحداث في إيران على الأقليات الشيعية في الخليج؟

الارشيف