مراجعة الإنجازات..
15 محرم 1432
أحمد النهدي

بين الذكرى والغفلة تدور حياة المرء المسلم في الدنيا، فهو إما أن يكون في زمانه غافلاً  عما خلق له، أو عن المهمات في شؤون حياته الخاصة فيحتاج إلى الذكرى، وإما أن يكون ذاكراً  ـ توفيقا من ربه ـ فيكون شكورا كما قال تعالى: { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا}.
وفي كلا الحالين يحتاج المرء إلى أن يقف مع أعماله وما أنجزه في هذه الحياة، فالأصل في الإنسان العمل واطراح الكسل، وطبيعة الإنسان السوي أن يأنف من القعدة والبطالة، وأن يفكر فيما ينتج وينجز، وبالتالي يكون استغلال الوقت تلقائياً لو استحضر المرء هذا المعنى دائماً.

 

والبشر متفاوتون في الإنجازات بحسب أعمارهم وتوجهاتهم وتخصصاتهم وقدراتهم وإمكاناتهم وظروفهم، وكل واحدة منهن كما أرى لها مغزى ومعنى ومبنى ومجرى وفحوى، فالمتنبي يقول في عدد من أبيات متفرقة له:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم            وتأتي على قدر الكرام المكارم...
لا يدرك المجد إلا سيد فطن          لما يشق على السادات فعال
لولا المشقة ساد الناس كلهم         الجود يفقر والإقدام قتال
وإذا كانت النفوس كبارا       تعبت في [مرادها] الأجسام

 

وكتب إبراهيم بن أدهم إلى سفيان الثوري: من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق لسانه قتل نفسه.
وهذا من قدرات العقل البشري عند الإنسان، ومما تنتجه الهمة على تفاوتها، فالهم والهمة متلازمان، ولو تأملنا في المجتمع لوجدنا أنه عبارة عن إنجازات أفراد؛ فالمواقع الالكترونية والكتب والأبحاث والقنوات، بل حتى المنشآت والمؤسسات الإعلامية والتجارية وغيرها هي إنجازات لأفراد مجتمعين. ومن الجدير بالذكر والتنويه له أن الأعمال نوعان عبادات محضة للآخرة، وعادات دنيوية يمكن أن يحتسب فيها الأجر لتكون نيتها لله.
 ولمراجعة الإنجازات وقفات تحتاج إلى تأمل:

 

-    ما المسار العام لتفكير الإنسان؟ فهو الذي ينتج إنجازاته، والإنسان مجموعة أفكار مختزنة تخرج للناس بتصرفاته وأوامره أحياناً، ففرعون مثلا عُرف عنه أنه مفسد في الأرض مع أنه لم يفعل شيئا ولم يباشر عملا مما صنعه بل قال الله عنه:{ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين} فهذه إنجازات فكره وظلمه وعدوانه. وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال عنه الحسن البصري رحمه الله: " ما أظن عمر بن عبد العزيز خطا خطوة إلا وله فيها نية". والرسول صلى الله عليه وسلم أخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم لما يأمر به من فضيلة كما قال تعالى:{ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} ثم النتيجة:{ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} فهذه نتيجة لتفكير عام، كما أن نتيجة تفكير عمر بن عبد العزيز أنه لم يبق فقير في عهده، ونتيجة تفكير فرعون أنه { استخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} وقال:{ فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد}.

 

 

-    نهاية هذه الإنجازات:
1.    هل هي على ما خطط له، أم انحرفت عن مسارها، وما مقدار انحرافها، فهذه حِسبة لا بد منها، كما جاء عن شعيب صلى الله عليه وسلم:{ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}، وورد عن الروم على لسان عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن فيهم صفات جعلتهم أقوياء منها: أنهم من أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة وكرا بعد فر؛ فالاستدراك لا بد منه في هذه الحياة، لأنا بشر نحتاج إلى المراجعة، ولن تقوم أعمالنا كلها على البناء والمرتكزات.
2.    ومن المهم في المراجعة القيام للمواصلة من جديد لا النكوص على العقب يأسا وتخاذلاً، أو على أمل العودة مرة أخرى عندما تنشط النفس بعد أشهر وأسابيع؛ فالمرء يُعدِّل ويواصل، وبين المراجعة والتراجع شعرة لا بد ألا تنقطع، وهذه من أعظم مداخل الشيطان علينا، ألا يجعلنا نستمر، ويشغل أذهاننا بالتقصير والعجز وعدم القدرة وأننا فاشلون، وربما شاركه كذلك من حولنا في البيئة المحيطة، فكم نحن بحاجة إلى المحفزين في هذا الزمن أكثر من أي زمن، وربنا الكريم يدعونا إلى المواصلة والإقدام ولو أسرفنا وأسأنا ونسينا أو أخطأنا، ولو كان العمل بمثقال الذرة وقراءة الآيتين والثلاث، فهو يجر إلى ما بعده بازدياد وتتابع.

 

 

-    تراكم الإنجازات وكثرتها: 
1.    هذا أمر مهم ويتجاذبه حدان، فهناك حد أدنى من الإنجازات ينبغي أن يُعتنى  بتحقيقه، كالكتب المهمة لبناء طالب العلم أو المثقف، وكالبكالوريوس لمن أراد مواصلة المسيرة في التعلم، وأداء الفرائض لمن أراد دخول الجنة والبعد عن النار.. ثم تأتي النوافل وهي إنجازات فرعية في مجال العبادات لكنها تكميلية مهمة لنيل الدرجات العلى ومحبة الله.
2.    كما أنه ينبغي الاعتناء بكل إنجاز قبل أدائه وأثناء أدائه وبعد أدائه حتى يثمر؛ فالعمل الصالح مثلاً لا بد فيه من النية الخالصة، والاستعداد والتهيؤ قبله، وأثناءه كذلك لا بد من مدافعة الرياء والمسارعة إليه والخشوع فيه، وبعده الاستغفار والإنابة والمحافظة عليه من الإدلاء أو ارتكاب المحبطات كذنوب الخلوات أو الغيبة وغيرها.
3.     وبين الحد الأدنى والمحافظة عليه لن تقف المسيرة، فهناك أيضا الرقي والتفاعل وزيادة الإنتاجية وعدم الوقوف عند حد، مع المحافظة على الحد، وكذلك هناك أمور ينبغي عدم الإسراف فيها، وتنطبق عليها القاعدة المشهورة حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، ولا ننسى قوله تعالى: { ألهاكم التكاثر}، وهناك من أهل العلم من أنكر على بعض المحدثين حفظ 200 طريق لحديث واحد، وقد علق ابن الجوزي على هذه القصة بأنه لو انصرف إلى معرفة أحكام أخرى تفيده لكانت أولى، وقديما قيل: العالم من عرف كل شيء عن شيء، وعرف شيئاً عن كل شيئ.

 

-    إعادة النظر في الإنجاز مهمة أيضاً، وذلك بعد حين من الزمان، فلا ينبغي للإنسان أن ينتج وينتج ويتقدم دون إعادة النظر فيما فعله، وذلك على فترات متباعدة كما يرى هو حسب العام ربعه أو نصفه أو كل 18 شهراً، وإعادة النظر هنا تتطلب أموراً:
1.    أن يعرف الشخص من أعماله ما الذي يحتاج البدء من الصفر، ولا يبني على إنجازه القديم، لأن العقل ينضج، والغربيون يقولون: (حين تؤدي عملاً راجعه، وبعد سنتين انظر إليه بالشك وعدم اليقين، وبعد خمس سنين  اهدمه وأعد بناءه من جديد). وهذا كالتحديث للبيانات والتجديد للمعلومات ولا سيما الأحداث المتسارعة والإحصائيات المتزايدة، وهذه المقولة ليست على إطلاقها طبعاً، ويعتريها الكثير من الخوارم إلا أنه يمكن الاستفادة منها.
2.    هناك من الأعمال ما يبقى على أصله، ولكن تضاف إليه إضافات و(رتوش) صغيرة لكنها مهمة مفيدة لتكميله من وجهة نظر صاحبه، ككتاب مثلاً يخرج في طبعات متعددة  نجد المؤلف يذكر إضافات رائعة في مقدمة الطبعة الأخيرة، أوكدورة تدريبية يراجع محتواها فيزيد أو يقلص ويختزل، وهذا ما نلحظه في مناهج التعليم كذلك، ويجدر بي هنا أن أنقل كلاماً نفيساً للدكتور محمد القعيد في كتابه العادات العشر للشخصية الناجحة حيث قال: "أقدم في هذا الكتاب ثمرات دراساتي وخبراتي وتأملاتي في الحياة، وقد استغرق مني في واقع الأمر أغلب حياتي العملية، وطورت مفاهيمه وأفكاره خلال الثماني والعشرين سنة الماضية"، وفي مقدمة الطبعة السابعة للكتاب كلام يستحق المراجعة أيضاً..
3.    التنميق المظهري مهم لبعض الأعمال، وزيادة التنسيق وتحسين الإخراج، وهو من الإتقان في العمل.
4.    شكر الله تعالى على ما وصل إليه الإنسان في أي إنجاز، وعدم الاعتداد بالنفس وعدم تحطيمها كذلك، لكن الفضل من قبل ومن بعد لله تعالى، ودعاؤه سبحانه أن يتقبله ويبارك فيه، ومن الأدعية في ذلك: ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)). وكذلك: ((اللهم اجعل خير أعمالي خواتيمها، وخير أيامي يوم ألقاك))؛ لأن الإنسان يظل يطور ويطور في نفسه وأعماله حتى ينتهي إلى الأفضل مما يرى هو كحد أخير يجيزه، ومن عجيب ما يروى عن بعض التابعين في عبادتهم:" لو رأيت الجنة عيانا والنار عيانا ما كان عندي من الطاعة مستزاد". وورد عن شيخ الإسلام أنه قال:" لقد شغلني الجهاد عن تدبر كلام الله، وما من آية إلا وأنا أعلم لها نحو مئة تفسير" أو كما قال. فالله المستعان على حالنا.

 

 

-    الفرد نفسه عليه أن يراجع إنجازاته الشخصية ويستمر على النافع منها، ويكون عنده حذر ونظر ثاقب فيما يفعله؛ فقد يفعل أشياء كثيرة مفضولة فضلا عن المكروهة أو المشغلة والمحرمة، فمن الجيد الذي ينبغي الاستمرار عليه في حياة الفرد الورد القرآني والصلوات والقراءة والرياضة ومتابعة الأخبار وغيرها من الأعمال المنمية للوجدان وللقدرات والمهارات، وهناك كذلك السهر الباطل، ورؤية الأفلام والمسلسلات والمباريات المغرقة والمضيعة للعقل والوقت فيما لا فائدة فيه، فهل يستوي من قضى 90 دقيقة في متابعة مباراة ناهيك عن تحليلها الرياضي ومن قرأ كتاباً أو فصلا من كتاب لمدة 20 أو 30 دقيقة ولخصه في نصف ساعة أخرى؟
-    هناك مزلق مهم في الإنجازات، وهو الذي ـ على ما أعتقد ـ  يكسل عن المثابرة، وعن الطموح ويوقف الإنسان، وهو أحلام اليقظة المشغلة عن متابعة الإنجاز القديم واحتقاره، دون صبر وجلد، وبين الفينة والأخرى، كمراجعة المتون المحفوظة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال في حفظ القرآن: " تعاهدوا هذا القرآن"، وكذلك مراجعة الشؤون المالية والاجتماعية، وغيرها.. وقد يسمع الإنسان بتجربة متميزة نادرة تحبطه عن المواصلة، مع أنه كان يمشي على الدرب. ومن الأقوال اللطيفة في ذلك أن أحد العلماء كان يقول:" لازمت تفسير ابن عطية حتى كدت أحفظه".
-    كل لحظة في  الحياة لها إنجاز؛ فالثانية يمكن أن يكون فيها تسبيحة فما بالك بالدقيقة، والساعة يمكن أن يقرأ فيها كتاب أو فصل ويلخص، وهكذا.... وبالتالي العمر كله، وحياة المنجزين حياة مليئة بالمتعة واللذة والمشقة والتعب في نفس الوقت، وكم تمنى المنجزون لو توقفت الشمس، وزاد اليوم ساعة، والأسبوع يوما للذة ما يعايشون ويمارسون، لأنهم يستعرضون أعمالهم العمل تلو العمل، ورؤيتهم واضحة لعمرهم وعامهم وشهرهم وأسبوعهم ويومهم وساعتهم.
-    وبالتالي يمتلكون شيئا مهما هو الكفاءة والفاعلية في الإدارة والتنفيذ، فهما متلازمان ويحتاجان إلى بعضهما، وما أتيا إلا بأمرين: وهما صدق الرغبة مع قوة العزيمة فحصل لهم المراد، وهو ما ذكره شيخ الإسلام في قاعدة أصولية وتصلح أن تكون إدارية: إذا حصل القصد الجازم مع القدرة وجب وجود المقدور.

 

 

-    من المنجزين من أنجزوا أعمالاً عظيمة، ولكنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهذا مسار خطير قد يدخل فيه فئام من البشر كالممثلين والمغنين الذين رسخ في اعتقادهم أنهم يخدمون البشرية برسالة قيمة ذات فن أصيل، ويكشفون مخططات أهل المخدرات، والإرهاب، ويحيون مشاعر الناس وغير ذلك ـ وهذا قد يكون صحيحاً إلى حد ما ـ إلا أنه لم يتوصل إليه إلا بمحرمات الله أعلم بها، ومنهم من يعتقد أنه من أهل الجنة بذلك والله المستعان، ونحن لا نتألى على الله بذلك، لكن الجنة معروف أسباب دخولها وما أعمالها التي تقرب إليها، ونسأل الله العفو والعافية والسلامة والهداية لضال المسلمين. وكذلك الكفرة المنتجون والمصنعون الذين خدموا الدنيا بصناعاتهم كما هو ظاهر، ولكن {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}سورة الروم، وللأمين الشنقيطي كلام جميل عندها في أضواء البيان.
-    مما يحضرني من الإصدارات النافعة في ذلك: محاضرة الرجل الألف للشيخ إبراهيم الدويش وهو شريط ملهب ووقود ويقدح الشرر، وشريط اترك أثرا قبل الرحيل للشيخ محمد المنجد، والرؤية الواضحة لعبد الكريم بكار وكتابه مدخل إلى التنمية المتكاملة، وكتاب كونوا ربانيين لعايض القرني وشريط للشيخ خالد السبت بنفس العنوان مع شريط توظيف الطاقات له أيضاً.
-    هذه خواطر نثرتها وفي النفس الكثير، وهي محاولات يعتريها النقص الكبير من مسلم لينفع إخوانه، لا من متخصص ولا مستشار، وإن كنت سأسلط الضوء أكثر في مقالات قادمة تحوم حول هذا الموضوع، وسأراجعه بعد سنتين وأهدمه بعد خمس بإذن الله كما يقول الغربيون، لكن أرجو الله أن يبنيه لي، وأراه متقبلاً عندما ألقاه، ومنه وحده العون والتسديد، ومن المؤمنين النصح والتأييد، وهم بعضهم أولياء بعض، ونسأل الله أن يرحمنا برحمته التي وسعت كل شيء.

بارك الله فيكم
14 + 3 =