ربع ساعة صمود
30 جمادى الأول 1432
أميمة الجابر

كثيرون منا يتهاوون ويسقطون في اللحظات الأخيرة وتخور قواهم في آخر دقائق بعد صبر طويل .
 يبذلون ويعطون ولكنهم عادة لا يتمتعون بجائزة ما صبروا لأجله وما أعطوا له وما بذلوا طوال سابق الأيام .
إنها مأساة الجهد الجهيد من التعب المتواصل عندما ينهار في اللحظات الأخيرة وعندما يستثقل صبر الدقائق التي تجمع نتاج عطائه وترسم له صورة انتظاره وتخط خطوط نهاية المعاناة وتذيقه طعم حلاوة بشائر الانتصار .
                                      (1 )

إنها آخر ربع ساعة في نهار الصائم قبل الإفطار  , دقائق يشتد فيها الظمأ , تتباطأ عقارب الثواني وتطول على الصائم , فيتذكر فيها الماء ويصل به الصبر إلى أقصى الحدود فينتظر ويصبر ويتصابر فحينذاك يبدأ غروب الشمس فيستطيع أن يخفف على نفسه عناء الانتظار بذكر الله في هذه اللحظات , وها تبدأ الفرحة تدق على قلبه بسماع آذان المغرب ... يال حلاوة أول جرعة ماء تصل إلى جوفه الظمآن فهذه التي طال انتظارها .
ففي الحديث الشريف :" للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه "

                                         (2)

هذه الأيام القليلة حصاد تعب وعناء واجتهاد لولدي طول عامة الدراسي , فإنه يبدأ عامه بتلك الهمة العالية للوصول إلى هدفه فقد يصل لهذه الأيام وقد انتهت قدرة قواه النفسية والجسمية على الصمود وعلى الاستمرار على تلك البداية في الاجتهاد , لذا اذكره بعده أشياء .. أولا : أن كل كفاح في الدنيا لابد أن تكون ثمرة حصاده ونهايته جميلة حقا فعليه البذل والاجتهاد قدر المستطاع , فإن الله عز وجل لا يضيع اجر العاملين .
وقبل ذلك البذل والاجتهاد إنني اعلم الخيط الذي يصل به إلى التفوق وهو مدى ارتباطه بالله سبحانه وتعالى فعليه أن يتوكل على الله سبحانه بقلبه , يبذل كل ما في وسعه ساندا إلى ربه الكريم راجيا له فعلا , وعلى قدر وصاله بالله سبحانه وارتباطه به في هذه الأيام على قدر نجاحه وتفوقه .
وأيضا حسن الظن بالله سبحانه وتعالى واستبشار الخير منه سبحانه , فبعد العمل والاجتهاد والتواصل بالإله فهل بعد ذلك هل نتوقع أن يخزيه الله أبدا ؟ كلا فالله سبحانه كاف عبده .

                                       (3)
وهذه أيضا أيام التعب والأمراض والأوجاع عند كثير من الناس فقد يطول به مرض ما فيفقده قواه وتذهب حيويته وكلما اشتد به المرض كلما ضاق صدره وليس عليه إلا الصبر والدعاء لله سبحانه .

وأيضا عليه أن ينظر لمن حوله ممن هم اشد منه مرضا وسوف يجد نفسه بالنسبة لهم معافى , فعلى ذلك العبد أن يملأ قلبه بالذكر في هذه الأيام ويزيد تقربه بالله بكل أنواع الخير وخاصة بإخراج الصدقة فبالصبر والثبات والرضا بقضاء الله والحمد على كل شيء يأتي الله بالفرج والشفاء.

                                              (4)
وقد يضيق الحال بالبعض فيقل الرزق الواصل إليهم وتزيد المطالب والضغوط عليهم فقد يصله إحساس داخلي انه وبعد كل هذه السنين  من عمل وكفاح وحاله ما زال كما هو .. وقد يقارن انه لم يجمع مثل فلان وفلان من المال و ..... ,
لكن الله سبحانه وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب فقد قال في كتابه الكريم " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب "
فحين يشتد الحال ويضيق الرزق ليس علينا إلا كثرة التقوى لله سبحانه وتعالى ثم الصبر على ذلك الابتلاء

                                            (5)
ومثله مثل الذي طالت به السنين وتمني أن يرزق بولد فقد اختبره الله سبحانه وتعالى وابتلاه بعدم الإنجاب , فتسود الدنيا في عينيه ويمتلئ قلبه بالأحزان فينتهي به الصبر إلى البعد عن الله , لكن أمامه العلاج القرآني بين سطور كتاب الله تعالى في قوله سبحانه " فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا "
فبكثرة الاستغفار يزيد الرزق بأشكاله ويرزق الإنسان من الأولاد وبصبره وثباته .

                                                (6 )
وأيضا الأيام الأخيرة في حياة العبد فقد يفتن فيها إما بنقص في الإيمان أو بأي نوع من الملهيات فقد كان طول حياته سائرا على طريق الله ولكنه يأتي بعد ذلك ويعاني من الفتور في أشياء كثيرة ... فعليه اليقظة والانتباه لان الأعمال بالخواتيم فهذه الشهور أو الأيام في حياته ربما تكون أواخر حياته فلابد من الصبر والثبات على طاعة الله فلا نتكاسل ولا نتباطأ في حق أنفسنا فلا نصل إلى ما نريد إلا بعون الله سبحانه وتعالى .

فالصبر لازم في هذه الأيام ... هكذا حال المجاهدين في الميدان الذين يدافعون عن فكرتهم فقد يصل بهم ما يصل من البذل فتزهق ارواحهم على تراب أرضهم بحثا على الحرية واسترداد كرامتهم فيظلون صامدون ويطول بهم العناء ويطاردهم ظلم المستبدين بكل صوره ثم يصل الإحباط إلى نفوسهم , فههنا ليس عليهم إلا أن يواصلوا الصبر والثبات فعندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في عزوة بدر وكان المسلمون حين ذاك قليلي العدد والعدة , لجأ رسول الله صلى لله عليه وسلم إلى الله و وقف يدعو رافعا يده إلى السماء فدعا دعاءا شديدا وأطال الدعاء وبكى بكاء شديدا وأطال البكاء حتى وقعت عباءته من على كتفه وكان يقول " اللهم نصرك الذي وعدت اللهم نصرك الذي وعدت "

فذلك الوصال مع الله في هذه اللحظات والأيام القليلة والصبر والثقة بالله والاستبشار في ما عنده سبحانه فذلك هو علامة النصر وهؤلاء الثوار في الميادين في البلاد المختلفة إن عانوا ما عانوا وفقدوا ما فقدوا وفات ما فات وطال ما طال فالنصر إن شاء الله قريب لكن علينا ربع ساعة صمود وعودة .

 

صبر جميل والله المستعان على مايصفون

بارك الله في جهدك اختي المباركة
6 + 3 =