السياسة الشرعية في كتاب (غياث الأمم) للجويني
26 جمادى الثانية 1432
د. محمد العبدة
تمهيد

 

لم تكن موضوعات السياسة الشرعة والحكم غائبة عن نظر علماء المسلمين في العصور الأولى، وإن لم يدونوها في كتاب مستقل، فالدولة الإسلامية التي نشأت في المدينة لم تنقطع بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي دولة بكل ما تعني الكلمة من مدلولات سياسية، وقد تحدث القرآن طويلاً عن العدل والظلم وعن الشورى والتمكين، قال تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.." الحج/41 وقال تعالى: "ولقد مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.." يوسف/56 كما دوّن علماء الحديث الآثار المروية عن الرسول (ص) حول الإمرة والأميروالإمام العادل والسمع والطاعة في غير معصية، وكتب العلماء مبكراً عن (الخراج)[1] و(الأموال)[2] وعلاقات السلم والقتال، والعلاقات الدولية في كتب (السير)[3]وقد أصل الإمام الشافعي لموضوع الإجماع وخاصة إجماع الصحابة على مبدأ الإختيار بالنسبة للخلافة ،

 

في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع وفي معترك الصراع بين الخلافة العباسية السنية وتسلط البويهيين الشيعة وظهور نظريات حول الإمامة من قبل الفرق الأخرى كالإسماعيلية ، في معترك هذا الصراع كتب الإمام الماوردي الفقيه الشافعي كتابه ( الأحكام السلطانيه ) ولكنه كان يؤصل ويكتب تحت ضغط الواقع ، واقع نفوذ الأسرة البويهية على الخلافة ، وكذلك تشظي الخلافة العباسية بظهور أمراء الإستيلاء في مناطق مختلفة والإرتباط الشكلي بالخلافة . كانت محاولته أقرب للإعتراف بالواقع وإنقاذ مايمكن إنقاذه والحؤول دون سقوط هيبة الخلافة وتحت ضغط هذا الواقع كتب عن إمارة الإستيلاء وولاية العهد وشروط الوزارة مسوغا لأمور يراها من باب الواقعية . ثم جاء الإمام الجويني وكتب في السياسة الشرعية ( غياث الأمم في التياث الظلم ) فكان فيما كتب أكثر أصالة وبعدا عن التأثر بمناهج وآراء الأمم الأخرى ، وغير متـأثر بآراء الفلاسفة أو المتكلمين ( 5[4]) وتتابعت الكتابات في هذا الشأن ومن أهمها ( سراج الملوك ) للطرطوشي و ( السياسة الشرعية ) لابن تيمية والتفت فيه إلى التأصيل الشرعي والنواحي العملية،وأما ما كتب بعد القرن الخامس عن تدبير الممالك ونصائح الملوك، أومايسمونه ( مرايا الملوك ) فهي جمع من حكم الفرس أو الهند ولا تعبّر عن السياسات الشرعية،وأكثرها كتب لتثبيت سلطة هؤلاء الحكام والغريب أن يذهب هؤلاء الكتاب إلى (الفرس) و (أرد شير) ويجمعون حكمة من هنا وحكمة من هناك، ولماذا لم يتعبوا أنفسهم ويؤصلوا للسياسة الشرعية من القرآن والسنة وتجربة الخلفاء الراشدين، ولا مانع بعد ذلك من الاستفادة من تنظيمات بشرية سياسية وإدارية.

 

تميز كتاب الغياثي للجويني بأنه بعد أن أصل لموضوع الحكم ووظائف الدولة افترض حالتين يمكن أن تقعا للإمة الإسلامية : أولا : حالة عدم وجود إمام للمسلمين ، ثانيا : عدم وجود الأئمة المجتهدين أوالمفتين الموثوقين ناقلي المذهب

 

 

 

فكيف يكون حال المسلمين، وكيف يتصرفون! ولم يكن – رحمه الله – ممن يفترض الافتراضات الخيالية  أو يمارس رياضة ذهنية، بل كانت التجربة والملاحظة والنظر في واقع المسلمين في عصره هو الذي حدا به إلى هذه الإفتراضات ليضع لها الحلول المناسبة، يقول: "إني وضعت هذا الكتاب لأمر عظيم فإني تخيلت الشريعة وانقراض حملتها وعاينت في عهدي الأئمة( 6)[5]ينقرضون ولا يخلفون والمتسمون بالطلب يرضون بالاستطراف[6] ، مطلبهم مسائل خلافية يباهون بها[7].

 

إن افتراض إمام الحرمين خلو الزمان عن المفتين وعن العلماء الذين يدركون تفاصيل الشريعة حيث لايبقى إلا الأصول والمراسم الكلية . هذا الإفتراض قد يقع في زمن ما أو مكان ما حيث يندرس العلم ولا يتذكر الناس إلا أنهم سمعوا آباءهم وأجدادهم يقولون لا إله إلا الله لأن حديث، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يعارض ذهاب العلم كلية، ولكن احتراسات الجويني صحيحة لما نشاهده في عصرنا هذا من خلو قطر من الأقطار من عالم كبير يرجع إليه الناس، كما نلاحظ أنه إذا توفي أحد العلماء البارزين لا يخلفه أحد.

 

إن افتراض الجويني يستحق الاهتمام والدراسة لأنه يضع الحلول المناسبة أيضا ولذلك سمى كتابه (غياث الأمم). فهو من الكتب النادرة في تراثنا الإسلامي، وهو كفقيه وأصولي يعلم أن موضوع الحكم والرئاسة فيه مجال للاجتهاد وليست أموره كلها قطعية، وهذا ما أخذه على سلفه الماوردي يقول : "قد كثر في أبواب الامامة الخبط والتخليط، والافراط والتفريط، والسبب الظاهر في ذلك أن معظم الخائضين في هذا الفن يبغون مسلك القطع في مجال الظن "[8]

 

وهذه التفاتة مهمة لأن بعض المعاصرين يظنون هذا الظن أي أن أبواب الإمامة وما يدور حولها من طريقة اختيار أهل الحل والعقد وعددهم ومدة بقاء الخليفة في الحكم،.. يظنون أنها قطعية، ولا يعلمون أن الوسائل يمكن أن تكون محل الاجتهاد، وليس هناك ما يبرر تحفظ هؤلاء المعاصرين على الطرائق الإجرائية التي يتعرف بها على الرأي العام أو غالب الناس، وخاصة أهل العلم، أو ظنهم أن للخليفة أو للحاكم جميع الاختصاصات دون مراقبة أو محاسبة.

 

لم يفرض الإسلام للحكم شكلاً محدد التفاصيل والجزئيات، فيجرفه الزمن بتبدلات الأحوال ويصبح غير قابل للاستمرار، ولذلك ترك التفاصيل للاجتهاد، وفي الوقت نفسه لم يترك الأمر مهملاً تملأه الأهواء والمصالح والتقاليد، ولكنه وضع المبادئ العامة مثل الشورى وأن الحاكم يصل إلى منصبه بالاختيار وأن من مهام الدولة  حفظ الدين، والكل مقيد بما جاء في الكتاب والسنة من أحكام تشريعية، الحاكم والشعب، وترك تحديد الشورى من حيث كيفية الأعضاء وعددهم ليكون في ذلك توسعة ومراعاة للاختلاف المكاني والزماني، ومما يبين عن أصالة منهج إمام الحرمين عدم ميله إلى المصنفات التي تسرد الأقوال ولا تأتي بجديد، وكأنه كان يعاني من المقلدين الجامدين، يقول: "ولست ولست أحاذر إثبات حكم لم يدونه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء، ولكني لا أبتدع ولا أخترع شيئاً، بل ألاحظ وضع الشرع، وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدة"[9]

 

 وصف الجويني كتابه بأنه "مجموع يجمع أحكام الله تعالى في الزعامة" وهكذا وصف ابن تيمية رسالته في السياسة الشرعية : "جوامع من السياسة الإلهية والآيات النبوية"

 

الركن الأول من كتاب: الغياثي

 

يتعلق هذا الركن بالإمامة ووجوبها، والجهة التي تعين الإمام، وهذا الركن مقدمة للركن الثاني، ويصرح المؤلف أكثر من مرة بأن المقصود هو الركن الثالث، وقد أطال النَّفس في الركن الأول مع أنه تقدمة وتمهيد، فتكلم عن وجوب الإمامة شرعاً وأنها بالاختيار لا بالنص "بل بطل دليل أصحاب النص، فلم يبق إلا الاختيار وسند ذلك الإجماع، فالخلفاء الراشدون كان مستند أمرهم صفقة البيعة"[10] وتكلم عن طبيعة منصب الإمامة أو الخلافة "فالإمام مستناب في تنفيذ الأحكام، وهو في التزام الأحكام كواحد من الأنام"[11] فالحاكم موظف لدى الأمة أو أجير عندها كما وصفه أحد الصحابة، وفي الفصل الذي عقده لصفات الذين يختارون الإمام (أهل الحل والعقد) ذكر: البصر بالسياسة والفتوى، وأما عددهم فلم يهتم بهذا الأمر بل خالف رأي الأشعري والباقلاني عندما قررا أن الواحد يكفي لعقد الإمامة، والرأي عند الجويني أن أي عدد فيهم منعة وشوكة يستطيع بها الإمام أن يقيم أمور الدين والدنيا، فهذا هو المطلوب، وهذا ما وافقه عليه ابن تيمية عندما رأى أن المطلوب إقامة الولاية والتمكين من تطبيق شرع الله، وإن كان الأجدر بهذين الإمامين أن يفصلا في صلاحيات أهل الحل والعقد، ومن هم؟ ومن الذي يختارهم، ولا مانع من ذكر الحد الأدنى من العدد المطلوب حسب اتساع الدولة أو قلة عدد سكانها، والاجتهاد مفتوح للاستفادة اليوم من الوسائل الحديثة لمعرفة رأي الناس ورأي النخبة، أما الصفات المطلوبة في الإمام فيركز الجويني على صفتين لا بد منهما:

 

1 – العلم "فالشرط أن يكون الإمام مجتهداً، مستجمعاً صفات المفتين، فالإمامة زعامة في الدين والدنيا"[12]، ومع أنه وصل إلى رتبة الاجتهاد، ولكن هذا لا يمنع من الاستشارة في آحاد الوقائع "فإن صاحب الاستبداد لا يأمن الحيد عن سنن السداد"[13] ومن الواضح أن الشورى غير ملزمة برأي الجويني، بل نستطيع أن نقول أن الشورى لم تأخذ حقها من البحث والدرس والتأصيل والتفريع عند القدامى، ربما كان ذلك لضغط الواقع والأخطار الخارجية التي توالت على المسلمين فكانت التوجيهات تكتفي بأن لا بد للحكام من الاستشارة، ثم يتخير هو أفضل الحلول، وحتى إذا وافقنا الجويني بأن الإمام المجتهد تكفيه الاستشارة، فمن أين نجد هذا الإمام! وفي الواقع لم يتوفر هذا الشرط إلا زمن الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز، وحتى الملوك الصالحين الذين جاؤوا بعد ذلك لم يتوفر فيهم هذا الشرط ولو قال أن الحاكم يجب أن يكون على اطلاع بالعلم الشرعي او عنده العلم الضروري بالشريعة لكان أكثر واقعية. وقد ناقش المعاصرون هذه القضية ويرى أكثرهم أن الشورى ملزمة للحاكم المسلم بشرائطها وضوابطها الشرعية[14]

 

2 – التقوى والورع: وهذه الصفة يعطيها الجويني أهمية بالغة "إذا لا يوثق بفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يولى أمر المسلمين كافة، والأب الفاسق مع فرط حدبه على ولده لا يعتمد في مال ولده، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق"[15] لا شك أن الولاية العامة الشرعية هي من حق أهل الإيمان والعدل، والله سبحانه وتعالى لم يعهد بإمامة الناس وتولي أمورهم للظالمين (وإذا ابتلى إبراهيمَ رَبُهُ بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال: ومن ذريتي، قال: لا ينال عهدي الظالمين) البقرة/124 وأما واجبات الدولة فأهمها: حفظ أصل الدين "وجمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء"[16] ومن حفظ الدين السعي في دعاء الكافرين بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، ومن الواجبات الرئيسية: إقامة الحدود حتى يأمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، "فالأمن والعافية قاعدتا النعم كلها ولا يهنأ بشيء منها دونها".

 

ولا بد من الإشارة هنا إلى اهتمام إمام الحرمين بقضية الفقراء اهتماماً بالغاً، فإن لم تفِ الزكوات بحاجاتهم "فحقّ على الإمام أن يجعل الاعتناء بهم من أهم أمر في باله، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل ضرر فقير من فقراء المسلمين في ضرّ فإن لم يبلغهم نظر الإمام، وجب على ذوي اليسار البدار إلى دفع الضرر عنهم، وإن ضاع فقير بين ظهراني موسرين حرجوا من عند آخرهم وباؤوا أعظم المآثم"[17] وقبل أن نغادر هذا الركن المتعلق بالإمامة، لا بد أن نعرّج على قضية اهتم بها إمام الحرمين وذلك في معرض حديثه عن التعزيرات الشرعية، حيث ذكر ما يقوم به بعض الحكام من زيادة العقوبات على ما هو مقرر في الشرع، وذلك لردع الناس كما يزعمون ويسمون ذلك (سياسة) وقد عارض الجويني بشدة هذا الاتجاه أو ما يماثله من التسويغ للحكام في الخروج عما قرره الشرع فيقول: "وهذا الفن قد يستهين به الأغبياء، وهو في الحقيقة مضاد لما ابتعث به سيد الأنبياء، وما أقرب هذا المسلك من عقد من يتخذ سنن الأكاسرة والملوك المنقرضين عمدة الدين، ومن تشبث بهذا فقد انسل عن ربقة الدين انسلال الشعرة من العجين"[18] وهذا الذي حذر منه إمام الحرمين واقعٌ فعلاً ففي أيام الظاهر غازي (ابن صلاح الدين) حاكم حلب جيء بامرأة قد كذبت على شخص واعترفت، فقال الظاهر للقاضي ابن شداد: ما يجب عليها؟ قال: التأديب، قال غازي: تضرب بالدرة شريعة، ويقطع لسانها سياسة، قال سبط ابن الجوزي (الشريعة هي السياسة الكاملة، وما عداها يكون تغاصباً، فأطرق الظاهر...)

 

الركن الثاني:

 

تكلم الجويني – رحمه الله – في الركن الأول عن الحالة التي يكون فيها الإمام مستجمعاً للصفات المرعية وبويع من قبل أهل الحل والعقد ثم طرأ عليه الفسق، هل ينعزل! وكان ملخص جوابه: أنه لا ينعزل لمجرد الفسق إذا كانت أخطاء وهنات، وأما "إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، واستجرأ الظلمة، وتداعى الخلل إلى تعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم"[19] فهذا إن عسر عزله لاستعداده بالشوكة والعدد، فيجب الصبر حتى يجعل الله فرجاً، وأما إذا كانت مفسدة عزله قليلة بجانب الخير الذي يترتب على مجيء غيره، فليقدم أهل الحل والعقد على عزله، ولكن المؤلف يفترض في الركن الثاني أن بعض الصفات انخرمت أصلاً، فهل نتساهل ونقبل بالصفات المتبقية، وهنا نجد إمام الحرمين واقعياً، فإذا وجدنا رجلاً قليل العلم ولكنه ذو كفاية وعلم بأمور الدولة ويستفتي العلماء فلا مانع من قبوله، ولو نزلنا درجة أخرى وهي: إذا وجدنا رجلاً كافياً يذب عن حوزة الإسلام ولكنه يقع في المعاصي ولا يوجد غيره، فلا مانع عنده من قبوله، وأما إذا كان صاحب مجون، جريء على المنكرات فهذا لا سبيل إلى نصبه، فإنه إذا تقوّى بالعدد والعدة كانت قوته ذريعة للفساد في الداخل (ضد الأمة)، وهناك سؤال آخر: كيف إذا ظهر مستولٍ مستعد بالشوكة وأخذ الحكم بالقوة وليس عن طريق الاختيار والعقد؟ والجواب عند الجويني: إذا كان صالحاً للإمامة على كمال شرائطها فهو إمام، وأما إذا كان غير مستوفٍ للصفات ولكنه كافٍ ذو استقلال، فهذا يجب عليه مراجعة العلماء فيما يأتي ويذر "فإنهم قدوة الأحكام وأعلام الإسلام وورثة النبوة، وقادة الأمة وهم على الحقيقة أصحاب الأمر استحقاقاً وذوو النجدة (السلطان) مأمورون بارتسام مراسمهم"[20] والسلطان مع العالم كملك في زمان نبي

 

وهنا ينبه الشيخ إلى اهمية فروض الكفايات في مثل هذه الأوقات وذلك لعموم نفعها، ولذلك طلب من (نظام الملك) وزير السلاجقة أن يستكمل مهمته في إصلاح حال المسلمين حتى إذا استقرت الأمور قام بفرض الحج، ويرد على من يقول: أن الله يحفظ دينه، وليذهب نظام الملك متوكلاً على الله، يقول: "كلمة حق أريدَ بها باطل، ولو حكمنا مساق هذه الطامات لجرتنا إلى تعطيل القربات، فمضمون ما بلغه المرسلون أسباب الخير، واجتناب الضَّيْر، والأمور كلها موكلة إلى حكم الله ولكن الموفق لمدرك الرشاد، من يقوم بما كُلّفه من الأسباب"[21].

 

وهنا لنا وقفة مع إمام الحرمين وغيره ممن كتبوا حول إمارة الاستيلاء أو التغلب حين ينهض رجل ويستولي على الحكم ويضع العلماء والأمة تحت الأمر الواقع، فإذا كانت هذه الحالة مقبولة واستثنيت أحياناً لضرورة وحدة الأمة، أو الوقوف في وجه الأخطار الخارجية وهذا ما يسوغه من كتبوا في السياسة الشرعية أقول: إذا كانت هذه الحالة استثنائية والجويني نفسه يتكلم فيها على حذر، ويشترط الصفات والمؤهلات، إلا أن هذا التغلب طال أمده على الأمة الإسلامية وأصبح هو الأصل، وكأنه هو الذي مهد لقبول الناس بانقلابات العساكر في العصر الحديث التي أتت على ما تبقى من مذخورات الأمة. يقول الشيخ رشيد رضا: "ولو أن المسلمين بذلوا من العناية لإعادة الخلافة إلى نصابها عُشر ما بذلت فرق الباطنية لإفسادها لعادت أقوى مما كانت، وسادوا بها الدنيا" وبسبب قبول هذه الحالة الاستثنائية (إمارة التغلب) وبسبب عدم تداول السلطة عن طريق المؤسسات، ظهرت فئتان في المجتمع الإسلامي هما على طرفي نقيض، وكلتاهما سلبيتان عائقتان عن النهوض، الفئة الأولى: الذين يستخدمون العنف والقوة في سبيل التغيير ويستخدمون القوة في كل زمان وكل مكان ومهما كانت الظروف، هؤلاء قاتلوا وقتلوا ولم يقيموا ديناً ولا دنيا، "وفي تاريخنا الحديث رأينا العنف يأخذ الطريق على خطط الإسلام التي أراد لها أصحابها أن تقوى وتسود" [22] والفئة الثانية هم أصحاب الغلو في الإرجاء، الذين يبررون كل حكم ولو كان في أسوأ حالاته من الظلم والفساد والخنوع للأعداء، ولا يحاولون المقاومة ولو كانت مقاومة سلمية، وأما الثورات التي قادها أناس صالحون يبغون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد فشل أكثرها لأسباب لا مجال لذكرها في هذه العجالة، وكانت النتائج أن يصاب الناس بالإحباط ويصبحون في حالة تجعلهم يرضون بأقل القليل ويخضعون لحكومات حمقاء، وبقي جمهور علماء أهل السنة والتيار العريض الذين معهم يحاولون الإصلاح ما أمكن ذلك ، وعن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجابهة الحكام بالوعظ والإرشاد، ولكن لم يتحول هذا الإصلاح إلى مؤسسات عملية تستطيع التغيير السلمي وتنظيم الشورى وإخراجها من دائرة المبدأ إلى التنظيم الواضح، وتضع الأسس التفصيلية الشرعية للدولة (الإداري المقنن)، ولا يستعيروا النظم الفارسية في القديم أو النظم الغربية في الحديث وأعني الاستعارة الكاملة، ولا بأس بالاستفادة من تجارب الآخرين بما يناسب الشريعة وطبيعة المجتمعات الإسلامية، إنه في غياب هذه المؤسسات كانت القوة هي الوسيلة للتغيير، وهذه لم تنجح في الغالب، وإذا كان العلماء قد قبلوا بالتنازل عن بعض الشروط الشرعية مقابل بقاء الوحدة (وحدة الجماعة) وبقاء الأهداف الكبرى للدولة (الدعوة، الصلاة، الجهاد، العدل...) ولكن ألا يخشى من استمرار هذه التنازلات، إلى فقد الوحدة ذاتها على المدى البعيد

 

كانت طريقة اختيار أبي بكر رضي الله عنه، وموافقة الصحابة على ترشيح عمر من قبل أبي بكر، ثم الشورى التي اختير فيها عثمان، ومبايعة أكثر الصحابة لعلي، كان ذلك بداية مهمة وضرورية للحياة السياسية الإسلامية ولكن لم يتهيأ الوقت الكافي لاستثمار جهود الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في تنظيم الدولة وترسيخ مبدأ الشورى وذلك بسبب الفتنة الكبرى التي وقعت في أواخر عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وما تلا ذلك من التفرق وعدم الاستقرار وانتقلت الخلافة إلى ملك، وبدأت الدولة الأموية وهذا الملك فيه خير وصلاح، وفيه دَخَن أيضاً كما جاء في الحديث ثم جاءت الدولة العباسية ولكن بعد المأمون والمعتصم تشظت إلى دويلات في الشرق والغرب، وهذه الدويلات وإن استمرت حين أعلنت أنها تابعة للخلافة في بغداد ولكنها في الواقع كانت مستقلة تماماً، ولم تستطع أن ترتبط مع الخلافة في بغداد برباط يحمي المسلمين من التمزق والضعف واستيلاء الأعداء على أجزاء من الأرض الإسلامية، وأحد الأسباب لذلك هو التصلب الذي انتقده الإمام الجويني حين يظن البعض أن أمور السياسة الشرعية قطعيات، ومن هذه القطعيات أن العالم الإسلامي يجب أن يحكمه خليفة واحد, وهذا صحيح إن وجد ولكن الواقع غير ذلك، وعندما استقلت الأندلس اضطر العلماء للقول بجواز خليفتين إذا تباعدت الديار.

 

لماذا لا يكون هناك شيء من الاستقلال الذاتي مع الارتباط الجامع للكل؟ هل يعني هذا أننا نحاكمهم إلى واقعنا الآن، واقع ظهور الاتحادات بأنواعها، ليس من العدل أن نحاكمهم إلى واقعنا اليوم ولكننا ننتقد المقولات الجامدة التي ليس عند أصحابها المرونة الكافية لاقتراح حلول مناسبة.

 

 

 

الركن الثالث

 

وهو الركن الذي يعتبره الجويني مهماً جداً "لأنه يستدعي نخل الشريعة من مطلعها إلى مقطعها وإمعان النظر في أصولها وفروعها، وسبب اتفاق العلماء، وعلة اختلافها"[23] وفي التقديم لهذا الركن ذكر صفة المستفتين والمفتين، ثم أحال التفاصيل إلى كتب أصول الفقه، وذكر قاعدة للمستفتي والذي يتعين عليه ضرب من النظر في تعيين المفتي الذي يقلده ويعتمده، وليس له أن يراجع كل متلقب بالعلم فقال: "والذي أراه أن من ظهر ورعه من العلماء، وبَعُد عن مظانِّ التهم، فيجوز للمستفتين اعتماد قوله إذا ذكر أنه من أهل الفتوى"[24].

 

وفي الفصل الثاني افترض الجويني خلو الزمان عن المجتهدين، وهنا أيضاً يفترض بمن يحمل رتبة دون المجتهد أن يكون مرموقاً في الفقه ولا يكتفي بنقل المسائل وحفظها.

 

ثم ينتقل إلى المرتبة الثالثة وهي: خلو الزمان من المفتين ونقلة المذاهب، ويصور هذه المرتبة بأن القواعد الشرعية محفوظة وإنما "تعتاص التفاصيل والتقاسيم والتفريع، ولا يجد المستفتي من يقضي على حكم الله في الواقعة على التعيين.."[25] وبعد أن يؤكد أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى، وينتقد بعض علماء الشافعية الذين لا يستبعدون أن تكون هناك واقعة ليس في الشريعة حكم لله فيها، وهنا وفي مثل هذه الأحوال يضع الشيخ قاعدة يرجع الناس إليها، أو يرجع مَن عنده الحد الأدنى من العلم ليساعد الناس في حل مشكلاتهم، ويقول: "وذلك أن قواعد الشرعية متقابلة بين النفي والإثبات، والأمر والنهي، والإطلاق والحجر، والإباحة والحظر، ولا يتقابل قط أصلان إلا ويتطرق الضبط إلى أحدهما، وتنتفي النهاية عن مقابله ومناقضه"[26].

 

هذه هي القاعدة، وضرب لذلك مثلاً: "ما يحكم الشارع بنجاسته ينحصر نصاً واستنباطاً، وما لا يحكم الشرع بنجاسته لا نهاية له في ضبطنا، فسبيل المجتهد أن يطلب ما يُسأل عن نجاسته وطهارته من القسم المنحصر فإن لم يجد منصوصاً فيه، ولا ملتحقاً به بالمسلك المضبوط المعروف ألحقه بمقابل القسم ومناقضه وحكم بطهارته"[27]. وهذا المسلك يطّرد في جميع قواعد الشريعة، ومنه ينبسط حكم الله تعالى على ما لا نهاية له، ثم ذكر أمثلة وتفاصيل في قضايا الطهارة والصلاة والصوم، ولا بأس بذكر ما كتبه حول المكاسب، خاصة وأن الشيخ يعتقد أنه كتب حول هذا الموضوع فصلاً نفيساً، ولم يحُم على المدرك السديد فيه أحد من الأصحاب (الشافعية)، ويقول: "لو فسدت المكاسب كلها، وطبّق طبق الأرض الحرام في المطاعم والملابس وما تحويه الأيدي – وليس حكم زماننا ببعيد من هذا[28] ؛فلا سبيل إلى حمل الخلق – والحالة هذه – على الانكفاف عن الأقوات، والتعري عن البزّة، ونحن على اضطرار من عقولنا نعلم أن الشرع لم يرد بما يؤدي إلى بوار أهل الدنيا، ثم يتبعها اندراس الدين؛ فالقول المجمل في ذلك: أن الحرام إذا طبّق الزمان وأهله، ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلاً، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس"[29] ثم يفترض سائلاً يسأل: ماذا تقصد بعموم الحرام؟ ويجيب: "إذا استولى الظلمة، وتهجّم على أموال الناس الغاشمون، ومدوا أيديهم اعتداء إلى أملاكهم، ثم فرقوها في الخلق وبثوها، وفسدت مع ذلك الساعات، وحادت عن سفن الشرع المعاملات"[30]

 

وفي المرتبة الرابعة: يفترض خلو الزمان عن أصول الشريعة، وذكر أن بعض العلماء يستبعدونه، وقد قلنا إن حديث "لا تزال طائفة من أمتي" يناقض هذا، ولكن الشيخ يفترض صورة من بلغتهم الدعوة واعترفوا بالوحدانية ولم يقفوا على شيء من أصول الأحكام فهؤلاء لا يلزمهم إلا اعتقاد التوحيد والنبوة، وتوطين النفس على التوصل إلى الأحكام في مستقبل الزمان؛ وهنا يذكر الشيخ أنه بلغ كنه ما أراده هذا الكتاب.

 

وهو سفر كبير، لا بد من الاستفادة منه ونحن نعاني ما نعاني، ونتلمس طريق النهضة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]  الخراج لأبي يوسف تلميذ أبي حنيفة (113-182) هجري
[2]  الأموال لأبي عبيد قاسم بن سلام (157-224) هجري
[3]  السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني
4قال الشيخ شعيب الارناؤوط في هامش سير أعلام النبلاء 18/475 : يعد هذا الكتاب العظيم مثلا لأصالة الفقه السياسي الإسلامي وبعده عن التأثر بالفلسفات الأخرى، ويعده الباحثون أحسن منهجا من كتاب الماوردي (الأحكام السلطانية)[4]
[5] يعني أئمة العلم
[6] أي الذين يسمون أنفسهم طلبة علم وهذا نقد شديد من الجويني لهذا النوع من طلبة العلم وطرق تلقين العلم
[7] الغياثي/521 تحقيق د.عبد العظيم الديب وهي النشرة التي اعتمدت عليها في الإحالة، وقد استفدت من المقدمة الضافية التي كتبها الدكتور الديب حول إمام الحرمين وكتابه
[8]  الغياثي /59
[9] المصدر السابق/266
[10] الغياثي/54
[11] الغياثي/276
[12] المصدر السابق/85
[13] المصدر السابق/87
[14] أنظر: رشيد رضا: الخلافة، عبد الرحمن عبد الخالق: الشورى، توفيق الشاوي: الشورى والاستشارة، عدنان النحوي: الشورى وغيرهم.
[15] الغياثي/88
[16] المصدر السابق/190
[17] المصدر السابق/234
[18] المصدر السابق/220
[19] الغياثي/106
[20] المصدر السابق/379
[21] المصدر السابق/367
[23] الغياثي/397
[24] الغياثي /408
[25] المصدر السابق/429
[26] الغياثي/433
27] المصدر السايق/433
[28] هذا في زمن الشيخ، فكيف في زماننا؟!
[29] الغياثي/477-478
[30] المصدر السابق/418

بودي لو تم التطرق الى بعض الدراسات الاسلامية الحديثة كتلك التي تطرق اليها الدكتور النفيسي في محاضراته وكذلك الدكتور حاكم المطيري والتي أرى لأول مرة اعترافا أن بعض كتب الأولين من (الفقه المحرف) على تقسيم الدكتور حاكم

تم بحمد الله طباعة اطروحة الدكتوراه - السياسة الشرعية حالة غياب حكم اسلامي عن ديار المسلمين - وهي تعالج التكييف الفقهي لواقعنا المعاصر، وطبعن هذه الاطروحة في دار السلام في مصر

ممتاز
2 + 16 =