مِسْكُ الخِتَام
29 رمضان 1432
سعد العثمان

لقد دار الدهر دورته.. ومضت الأيام تلو الأيام.. وإذا بشهر رمضان تغيض أنواره.. وتسدل أستاره.. ويأفل نجمه بعد أن سطع .. ويُظلم ليله بعد أن لمع.. ويُخيم السكون على الكون .. بعدما كان الوجود، كلُّ الوجود يستعد ويتأهب.. لصوم هذا الشهر الكريم ..أنا لا أدري وأنا أكتب هذه الجمل.. أأهنئكم بحلول عيد الفطر المبارك..أم أعزيكم بفراق شهر العتق والغفران ..

 

إن القلبَ ليحزن.. وإن العينَ لتدمع .. وإنّا على فراقك يا رمضان لمحزونون ...
يا راحلاً وجميلَ الصبرِ يتبعهُ       هل من سبيل إلى لقياك يتفقُ
ماأنصفَتْك دموعي وهي داميةٌ       ولا وفَّى لك قلبي وهو يحترقُ

 

وداعاً يا رمضان.. يا شهر الصبر والغفران.. وداعاً يا شهر القرآن.. وداعاً يا شهر الصيام والقيام.. وداعاً يا شهر الرحمات والبركات.. وداعاً يا شهر الجود والإحسان والخيرات.. وداعاً يا شهر التوبة والغفران والعتق من النيران.. وداعاً يا شهر الاعتكاف والخلوات.. وداعاً يا شهر الانتصارات والغزوات الفاصلات.. وداعاً أيها الزائر العزيز.. وداعاً أيها الضيف الكريم..

 

أيها الحبيب الراحل: لقد عشنا فيك دقائق جميلة، وساعات بديعة، ومشاعر عجيبة؛ لقد كنا نشعر أننا انتقلنا من الكوكب الأرضي إلى عالَم علوي ندي، كنا نشعر بالرحمة تهبط علينا، والسكينة تحفنا، والعناية تحوطنا، والولاية تحرسنا، وكأنها الملائكة تصافحنا في الطرقات، القلوب غير القلوب، والأنفس غير الأنفس، والأخلاق غير الأخلاق.

 

هذا كله مع شدة تقصيرنا معك، وتضييعنا لحقوقك، ومخالفتنا لقوانينك؛ فكيف لو أخلصنا في الحب، وصدقنا في الود، والتزمنا بالعهد؟ واحسرتاه على أوقات ضاعت، وليال مرت، لم تكن في رحاب الحبيب! ماذا جناه النائمون من نومهم؟ والمفرطون من تفريطهم؟ واللاهون من لهوهم؟ واللاعبون من لعبهم؟ فئام هائمة، وأنوف راغمة، وجهود خاسرة، تلك التي لم تتذوق حلاوة الصيام، وروعة القيام، ولذة القرآن: ( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ )هود:24.

 

آه.. أيها الحبيب الراحل! لو نضمن لقاءنا بك مرة أخرى لهوَّنا على أنفسنا، وطيبنا خواطرنا، وأبردنا حرارة أشواقنا، وعللنا الأنفس بحلاوة اللقاء بعد مرارة الفراق، مَن لم يذق مرارة الفراق لم يدر ما حلاوة التلاقي؛ لكن الخوف أن يكون وداعنا لك وداعاً لا لقاء بعده، فكم رأينا من مُحِبٍّ لك، متمن للقائك، طامع في وصالك، حال بينه وبينك الموت، ومنعه من لقائك الردى.

 

إنَّ الموت لا يرحم عشاقك، ولا يراعي خلانك، يخطفهم قبل أن يروك، بل قد ينتشلهم من أحضانك، ويفتك بهم على مائدتك.

لقد انقضى رمضان وانصرمت أيامه ولياليه، لقد ربح فيه الرابحون، وخسر فيه الخاسرون، فهنيئاً لمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً، ويا خيبة من ليس له من صومه إلا الجوع والعطش، وليس له من قيامه إلا السَّهر والتَّعب، هنيئاً للمقبولين، وجبر الله كسر المحرومين، وخفف مصاب المغبونين.

 

كان علي رضي الله عنه ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري! من المقبول فنهنيه ؟ ومن المحروم فنعزيه ؟ وكذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه. وخطب عمر بن عبد العزيز يوم فطر فقال: أيها النَّاس: إنكم صمتم لله ثلاثين يوماً، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم.
انقضى رمضان.. وقد اعتاد كثيرٌ من منَّا الصلاة مع جماعة المسلمين ..

 

فيا من أَلِف الحقَّ .. تمسَّك به هُديت.. واستمر عليه .. نعم اجعل رمضان قاعدة تنطلق منها للمحافظة على الصلاة في باقي الشُّهور.. نعم اجعل رمضان منطلقاً لترك الذنوب والمعاصي .. عَلَّ الله جل وعزَّ أن يغفر لك بما قدمت.. وإياك ثم إياك أن تكون من عُبَّاد رمضان ..
إنَّ من علامات قبول العمل المواصلة فيه، والاستمرار عليه، فاحكم أنت على صيامك، هل هو مقبولٌ أم مردود .. نعم احكم أنت ..
فيا من صام لسانه في رمضان عن الغيبة، والنميمة، والكذب، واصِل مسيرتك، وجُدَّ في الطلب.

 

ويا من صامت عينُه في رمضان عن النظر المحرم، غُض طرفك ما بقيت، يورث الله قلبك حلاوة الإيمان ما حييت.
ويا من صامت أذنه في رمضان عن سماع ما يحرم من القول، وما يُستقذر من سماعِ غناءٍ ولهو، اتق الله، و لا تعد..، اتق الله، ولا تعد ..

 

ويا من صام بطنه في رمضان عن الطعام، وعن أكل الحرام، اتق الله في صيامك، ولا تذهب أجرك بذنبك، وإياك ثم إياك من أكل الربا، فإن آكله محارب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. فهل تطيق ذلك ؟!

 

ويا من صام بطنه.. تذكر إخواناً لك في رمضان، وغيره يبيتون على الجوع والعُري، ولا يجد أحدهم ما يسدُّ به جوعته، ولا فاقة عياله، تذكر أنهم ينتظرون منك.. نعم منك أنت، ومن أمثالك، مَِنْ يُمدُّ لهم يد العون والمساعدة..

 

أيها الحبيب المهاجر: الأعين تذرف، والقلوب ترجف، والأفئدة تخفق، والضمائر تحترق، والأحشاء تتبدد، والأنفس تتحسَّر؛ فراق مُرٌّ، ورحيل شاقّ، وغياب مُضْنٍ؛ الذي عرف قدرك، واغتنم حلولك، وشرب من ينابيعك، يبكي للذة انقطعت، وشمعة انطفأت، ومتعة تلاشت، ومسرات كان يتمنى أن تطول؛ والذي تشاغل عن لقائك، وقصر في وصالك، يتألم لغفلته عنك، وتقصيره معك، وخسارته فيك؛ ولكننا نسأل المولى الأجَلَّ أن يعيدك علينا أعواما عديدة، وأزمنة مديدة، وأن يعفو عن التقصير، ويتجاوز عن الزلل.

 

أيها الصائمون: أحسن الله عزاءكم في شهركم، وعظَّم الله أجركم، وجبر مصيبتكم، وعوضكم خيراً مما مضى؛ لقد كانت لحظات عابرات، وأياماً معدودات، فكبِّروا الله على ما هداكم، واشكروه على ما آتاكم، واحمدوه على ما حباكم.

 

أيها الطائعون المغتنمون المبادرون: يا بشرى لكم! لقد سافر حبيبكم وهو عنكم راض، ولكم شاهد، وفيكم شافع، وبكم فخور؛ أيها المقصورن المفرطون المضيِّعون: يا لعظم خسارتكم! ويا لكبر مصيبتكم!.

 

انظروا إلى جيرانكم وإخوانكم وزملائكم الذين اجتهدوا، انظروا إلى سرور نفوسهم، ووضاءة وجوههم، وانشراح صدورهم، وفرحهم بما نالوا؛ ثم انظروا بماذا عُدتم أنتم، وماذا كسبتم؟ ذهب عنهم التعب وبقِيَتْ لهم حلاوة الطاعة، وأجر العبادة، وأنتم ذهبت عنكم حلاوة المعصية، وبقيت لكم تبعة الذنب، وجريمة التفريط، وقائمة السيئات: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء:13-14].

 

جمعوا الحسنات، وكنزوا الطيبات، وسُيقَالُ لكم ولهم ذوقوا ما كنزتم لأنفسكم، ولكن المنادي يناديكم: أن الحقوا بالركب، وتشبثوا بالحبل، وسارعوا بالندم، وقدِّموا الاعتذار، وبادروا بالتوبة، ولا تقنطوا من رحمة الله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53]؛ فبادروا بالتوبة مع ختام الشهر فإن الأعمال بالخواتيم، وتداركوا أنفسكم طالما أن في العمر بقية، وفي الزمن فسحة، والمعبود كريم، والمقصود رحيم.

 

بادِروا بالتودُّدِ للخالق، والتذلل للعظيم، والانطراح على أعتاب الكريم؛ اغسلوا لوثات القلوب بماء الدموع، وحرقة الندم، وزلال التوبة؛ إن مَن لم يتقطع قلبُه في الدنيا على ما فرط حسرة وخوفا تقطع قلبه في الآخرة إذا حقت الحقائق، وظهرت الوثائق، وحضرت الخلائق، وتقطعت العلائق، (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا) النبأ:40، (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) الشعراء:88-89، (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) آل عمران:106.

 

إن كل بني آدم خطَّاء، ولكن خير الخطائين التوابون؛ وإن الأعمال الجليلة، والمواسم العظيمة، تختم بالاستغفار، والتوبة للقهار، فهو سبحانه المنادي: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه:82؛

 

أيها المؤمنون: إن هنالك أموراً جميلة يكمل بها الصيام، ويتوج بها القيام، ويختم بها الموسم، منها زكاة الفطر التي هي طهرة للصائم، وفرحة للفقير؛ وهي صاع من طعام عن الفرد من تمر أو شعير أو أرز أو زبيب، ووقتها يوم العيد قبل الصلاة، ولا بأس بإخراجها قبل العيد بيوم أو يومين. ومما يختم به الصيام: التكبير، فقد شرعه الله تعالى عند إكمال العدة: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) [البقرة:185]، ويبدأ التكبير من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، يكبِّر المسلم في المسجد والبيت والسوق والسيارة، وفي كل مكان، ويجهد بذلك؛ تعظيماً لله. ومنها حضور صلاة العيد للمشاركة في الفرحة، والغنيمة في المهرجان، والتلذذ بمشهد الغبطة، والاقتداء بالسنة، والاستماع للخطبة، وإعلان الشكر، وإظهار البهجة. ومنها صيام ستة أيام من شوال، فمن صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر، كما جاء في صحيح مسلم. ومنها الاستمرار على الطاعة، والمواصلة في المسيرة، والمحافظة على المكاسب، فلا تضعف بعد القوة، ولا تتأخر بعد التقدم، ولا تهوِي بعد العلو، ولا تسقط بعد السمو، ولا تفسد بعد الإصلاح، ولا تتمرد بعد التودد، ولا تتردد بعد التعبد والتهجد.

عزيزي القارئ: وفقني الله وإياك للعلم النافع والعمل الصالح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
9 + 1 =