أنت هنا

فوائد متفرقة في الشتاء
13 صفر 1433
اللجنة العلمية

نفس الشتاء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يارب أكل بعضي بعضًا فأذن لي بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير) متفق عليه، والمراد بالزمهرير شدة البرد.

قال ابن رجب: فإن شدة برد الدنيا يذكر بزمهرير جهنم.

وهذا ما يوجب الخوف والاستعاذة منها، فأهل الإيمان كل ما هنا من نعيم وجحيم يذكرهم بما هناك من النعيم والجحيم حتى وإن شعر القوم بالبرد القارس فيدفعهم هذا إلى تذكر زمهرير جهنم، ويوجب لهم الاستعاذة منها، ويذكرهم بالجنة التي يصف الله عزو جل أهلها فيقول عز وجل (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً) الانسان13، قال ابن رجب: فنفى عنهم شدة الحر والبرد .

قال قتادة: علم الله أن شدة الحر تؤذي وشدة البرد تؤذي فوقاهم أذاهما جميعا . فيدفعهم هذا إلى النصب وإلى التهجد فكل ما في الدنيا يذكرهم بالآخرة .

 

إطفاء النار والمدفئة قبل النوم

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: احترق بين في المدينة على أهله، فحدث بشأنهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن هذه النار إنما عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم) وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون) رواهما البخاري ومسلم .. وقال الحافظ بن حجر: وحكمة النهي هي خشية الاحتراق، قم قال: قيده بالنومك لحصول الغفلة به غالبًا، ويستنبط منه أنه متى وجدت الغفلة حصل النهي .

فيستفاد منه الحذر الشديد من ابقاء المدافئء مشتعلة حالة النوم والحوادث لاتخفى في ذلك فتبنه

 

ومن الفوائد التي لها علاقة في فصل الشتاء ما يلي:

أولاً: لم ترد كلمة الشتاء في القرآن الكريم سوى مرةً واحدة، وذلك في قوله تعالى: {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف}.

قال الإمام مالك –رحمه الله-: الشتاء نصفُ السَّنة، والصيف نِصفها.

 

ثانياً: روى البخاري ومسلم –تحت باب- (بيان كفر من قال: مُطرنا بالنوء) عن النبي –صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح مِن عبادي مؤمن بي وكافر، فأمَّا من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب».

 

والنوء جمعه أنواء: وهي منازل القمر، فمن اعتقد أنه مُطر بنجم كذا أو بنوء كذا فهذا شرك وكفر، وهذا ما كان يعتقده أهل الجاهلية وهو الشرك الذي بعث الله الرسل بالنهي عنه ومحاربتِه.

 

ثالثاً: إن ما قلناه عن النوء يلزم منه بيان حكم ما يكثر الكلام حولَه مما يُسمى بالأرصاد الجوية أو تنبؤات الطقس، وحكم الشرع فيه؟

 

فهذه التتبؤات دراسات علمية متطورة تقوم في مجملها على التقاط صور الغيوم وسمكها، مع معرفة حركة الرياح واتجاهاتها، وسرعتها، ثم على ضوء ذلك تَوقُّعُ الحالةِ الجويةِ المستقبيلة لمدة يوم أو أكثر من حيث درجات الحرارة، وكميات الأمطار ونحوُ ذلك.

 

وتشير الدراسلت العلمية الحديثة إلى احتمالية صدق التنبؤات الجوية لمدة يومين قد تصل إلى 90%، وإذا كانت المدة من خمسة أيام إلى سبعة تهبط إلى نحو 60%.

 

فكما سمعنا أن ما سبق كله قائم على مقدمات تتبعها نتائج،مبنية على توقعات واحتمالات، وهذا كلَّه من الناحية الشرعية جائز ومشروع، ولكن ننبه على أمرين:

 

الأول: وجوب ربط هذا التوقع بالمشيئة الإلهية، لأن حالاتٍ كثيرةً وقعت في كثير من البلاد جرى فيها خلاف المُتوقَّع، وعكس ما ذكرته الأرصاد البجوية فحصل ما لا تُحمد عقباه.

 

الثاني: هذه التوقعات ليست من علم الغيب في شيء، إنما هي توقعات مبنية على مقدمات تتبعها نتائج، فلا يجوز إصدارها بصور القطع، ولا يجوز تلقيها بصورة الجزم، وإنما هي نافعة للحيطة والحذر.

 

رابعاً: قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «ليست السَّنةُ ألا تُمطروا، ولكن السَّنة أن تمطروا ولا تُنبِتُ الأرض شيئاً». رواه مسلم وابن حبان في صحيحه وبوب عليه بقوله: (ذِكر الإخبار عما يجب على المسلمين مِن سؤالهم ربَّهم أن يبارك لهم في ريعهم، دون الاتكال منه على الأمطار).

والمراد بالسَّنة هنا القحط، ومنه قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسِّنين}.

 

خامساً: قال أبو هريرة: «إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطرِ أربعين ليلة»، وله حكم الرفع.

 

سادسًا: روى الإمام مسلم في «صحيحه» عن أنس –رضي الله عنه- قال: أصابنا مطر ونحن عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فَحَسَر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثوبَه حتى أصابه مِن المطر، فقلنا: لِم صَنعتَ هذا؟ قال: «لأنه حديث عهد بربه».

 

(فائدة هامة): ما زال أئمة العلم مِن أهل السنة يُوردون هذا الحديث في باب صفات الباري جل وعلا؛ إثباتاً لعلوه فوق خلقه –سبحانه-، واستوائه على عرشه؛ فقد رواه الإمام عثمان بن سعدي الدارمي في كتابه «الرد على الجهمية» ثم عقّب بقوله: «ولو كان [الله] على ما يقول هؤلاء الزائغة في كل مكان، ما كان المطر أحدثَ عهداً بالله من غيره من المياه والخلائق»، وكذا استدل به الإمام ابن أبي عاصم في كتابه «السُّنّة»، ومثلُهما الإمام الذهبي في كتابه «العُلوِّ للعليِّ العظيم» ضمن دلائله المتكاثرة على إثبات هذا الأصل العقائدي المهم الذي لم يفهمه حق فهمه كثير من العامة، وبعض (أشباهمم) من الخاصة.

 

سابعا: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «الشهداء خمسة...» فذكر منهم: «الغَرق».

أي: الغريق، «وهو الذي يموت غريقاً في الماء».

 

ويُستفاد مِن هذا الحديث في موضوعنا أن مَن غَرِقَ نتيجةَ الفياضانات والسيول الجارفة في الشتاء –أو غيره- وكان على دين وصلاح وحُسن حال يُرجى له الشهادة، كم هو نص حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

 

ثالثاً: روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: احترقت بيتٌ بالمدينة على أهله، فحُدِّث بشأنهم النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نِمتُم فأطفئوها عنكم».

وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تتركوا النارَ في بيوتكم حين تنامون».

وبوب الإمام البخاري على الحديثين (باب لا تُترك النارُ في البيت عند النوم).

 

و«حكمةُ النهي هي خشيةُ الاحتراق»؛ كما قال الحافظ في «فتح الباري» ثم قال: «قيّده بالنوم لحصول الغفلة به غالباً، ويُستنبط منه أنه متى وُجِدت الغفلة حصل النهي».

 

وقال القرطبي: «في هذه الأحاديثِ أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيرُه وفيه نارٌ، فعليه أن يٌطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يُؤْمَن معه الاحتراق، وكذا إنْ كان في البيت جماعةٌ، فإنّه يتعين على بعضهم، وأَحقُّهم بذلك آخرهم نوماً، فمَن فرّط في ذلك كان للسُّنة مخالفاً، ولأدائها تاركاً».

 

قلتُ: يُستفاد مِن ذلك كلِّه الحذَرُ الشديدُ مِن إبقاء المدافئ بأنواعها كافةً مشتعلةً حالةَ النوم، لما في ذلك من خطر الاحتراق، أو الاختناق، وحوادثُ مأساويةٌ كثيرةٌ وقعت بسبب التساهل في ذلك، فتنبه.

 

ثامنًا: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فَأَذِنَ لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف؛ فأشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشد ما تجدون من الزمهرير».

1 + 1 =