التحولات الزيدية وعوامل ظهور الحوثية
19 جمادى الثانية 1434
منذر الأسعد

شاع بين كثير من المسلمين أن الزيدية هم أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة، تأسيساً على تبجيلهم للشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، واعتبار خلافتهما شرعية بالرغم من أن الزيدية يفضلون علي بن أبي طالب رضي الله عنه عليهما، فهم يجيزون إمام المفضول ولو في وجود الفاضل. وعامة القائلين بهذه الفكرة العامة، يجهلون أمرين مهمين يجب الوقوف عندهما قبل إطلاق أحكام جزافية، أولهما: أن اعتقاد الزيدية في توحيد الأسماء والصفات متأثر إلى درجة الاندماج بضلالات المعتزلة، والآخر أن الزيدية لم تظل –كما كانت في عهد زيد بن علي بن الحسين رحمه الله-زيدية واحدة، فقد توزعت إلى أشتات متنافرة يُفَسّق بعضها بعضاً، وبعضها شديد الانحراف –كالجارودية-حتى إنه يقول بأكثر ضلالات الرافضة.

 

ولعل بعض الناس لا يعرفون أن بني بويه الذين اعتدوا على دار الخلافة العباسية وتسلطوا عليها، كانوا من الزيدية وبعد هيمنتهم تحولوا إلى التشيع الرافضي!!!

 

لذلك يجدر بالذين يجهلون حقيقة القوم، وبخاصة تبدلاتهم المتأخرة على يد الحوثي الهالك وأبنائه، يجدر بهم مطالعة هذا الكتاب الثمين (التحولات الزيدية وعوامل ظهور الحوثية)، من تأليف أبي صالح عبد الله بن نوح الحَجَري، ويقع في 420 صفحة.

 

منذ توطئته للكتاب عقب مقدمته، يطلق المؤلف نيران الحق على الزبد الباطل، فينشر رسالة من بدر الدين الحوثي في عام 1425 إلى جواد الشهرستاني مسؤول مؤسسة آل البيت في قم، يعترف فيها بولائه المطلق والأعمى لدولة آيات الشياطين الصفوية الجديدة، ويقدم تقريراً على غرار المخبرين الصغار، يبين فيه "إنجازاته" في نشر سموم الرفض المجوسي في اليمن.

 

وهو يطمئن سادته في طهران على استعداد أتباعه عسكرياً بالتدرب على أيدي الحرس الثوري الصفوي في إيران، وكذلك على تغلغله وأذنابه في نخاع نظام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، على مستوى الوزراء والمحافظين والجيش وأجهزة الاستخبارات فضلاً عن الإعلام الخاص بهم ودس عملائهم في وسائل إعلام النظام نفسه!!

 

في الباب الأول من الكتاب، نتابع رحلة تاريخية وعلمية توثق نشأة الزيدية، وعلاقتها بالتشيع والرفض، ثم انشطارها فِرَقاً متناحرة متصارعة، مثل: الجارودية –السليمانية الجريرية- البترية الصالحية- المطرفية- الحسينية. يلي ذلك رصد لأبرز التغيرات في مسيرة الزيدية وهي التي أسهمت بالدرجة الأولى في ظهور الحوثية، المنحرفة إلى غلاة الرافضة بشراسة لا يخفونها.

 

في الباب الثاني يدرس المؤلف العوامل الإقليمية والدولية التي عززت من فرصة الحوثية للظهور بالغلو الذي أصبح ملازماً لها بغطرسة وسفاهة في الكلام إزاء الصحابة الكرام . ويلاحظ الباحث خبث الدولة الصفوية الجديدة إذ استطاعت التغلب على التكفير المتبادل بينها وبين كل الفرق غير الإمامية الاثني عشرية. بل إن موقف الرافضة التقليدي نحو الزيدية يجعلها في نظره مثل أهل السنة"النواصب بزعم الأفاكين-.

 

وعلى رأس الظروف المحلية التي ساعدت في انتشار ضلالات الحوثي: تفشي الجهل واجترار الماضي الكهنوتي وشيوع الرؤى الفاسدة الكاذبة، وانتشار الصوفية الغالية والتعلق بالأضرحة، وقيام نظام خميني وسعيه المنظم للتغلغل في ديار الإسلام بعامة وفي اليمن بخاصة، وتمويله نشاطات ضخمة تغري الشباب وتغويهم، وتقديمه بعثات تعليمية لإفساد العقائد نهائياً.. .. يضاف إلى ذلك فساد النظام الحاكم في اليمن وضعفه، وهشاشة الموقف السني من الهجمة الصفوية، ولا سيما في ظل التضييق الاستخباراتي عليهم وحدهم دون سواهم!

 

الكتاب يستحق القراءة العميقة لمعرفة الواقع وكيف تغلب الخبث المجوسي على اليمن، حتى إنه جعل من أدواته الحوثيين شوكة في خاصرة المنطقة كلها. فهل نتعظ؟

12 + 2 =