التعامل بالربا للمسلم المقيم في بلاد الغرب
2 شعبان 1434
د. يوسف الشبيلي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فيذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى جواز التعامل بالربا للمسلم المقيم في بلاد الغرب ، ويستند هؤلاء في هذا القول على ما ورد عن أبي حنيفة رحمه الله من إباحة أخذ المسلم الربا من الحربي .
وكما يقول بعض أصحاب هذا القول : (( فإن هؤلاء الذين تترك لهم الفائدة – يعني المصارف الأجنبية في البلدان غير المسلمة - قد يكونون في نظر الشرع حربيين ، لمواقفهم المضادة للإسلام والمسلمين )) (1).
لكن هذه الفتوى منقوضة من أوجه :
أحدها : أن ما روي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله لا ينطبق على حال المسلم المقيم في بلاد الغرب ، لأن الإباحة المروية عنه وعن غيره ، إنما هي في التعامل بين المسلم والحربي في دار الحرب ، وإذا كان المسلم مقيماً في بلاد الغرب فإنه تربطه بهم عهود ومواثيق ، فهم معاهدون بالنسبة له وليسوا حربيين .
الثاني : والخلل في الاستدلال يكون جلياً إذا كان المستدل يستدل بفتوى أبي حنيفة في جواز شراء البيوت بالربا في بلاد الغرب ، لأن المروي عن أبي حنيفة إنما هو جواز أخذ المسلم للربا من الحربي ، وفي شراء البيوت يكون المسلم دافعاً للربا لا آخذاً له ، وهذا عكس فتوى أبي حنيفة .
الثالث :وعلى فرض صحة الاستدلال بفتوى الإمام أبي حنيفة بناء على أن بلاد الغرب لهم حكم أهل الحرب ، أو أن المراد بفتوى الإمام أبي حنيفة ما سوى دار الإسلام ، فقد نوزع الإمام أبوحنيفة في هذه الفتوى ، وإيضاحاً لذلك فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين :
القول الأول :
ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الربا مطلقاً ، لا مع حربي ولا مع غيره .
وحجتهم :
عموم النصوص التي تقتضي حرمة الربا ، والتي لم تفرق بين دار ودار ولا بين مسلم وحربي ، والمسلم مخاطب بفروع الشريعة أينما كان ، وإن كان الحربي لا يلتزم هذه الأحكام لكفره ، فإن المسلم ملتزم بها لإسلامه (2).
والقول بجواز الربا في تعامل المسلم مع غير المسلم وتحريمه في تعامله مع المسلم فيه مشابهة لحال اليهود الذين يحرمون الربا فيما بينهم ويبيحون أخذه من غيرهم ، والله سبحانه قد نهانا عن التشبه بهم في أخلاقهم .
القول الثاني :
وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى إباحة الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب (3).
واحتج على ذلك بدليلين :
دليله الأول - ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ولا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب )) (4).
ولكن نوقش هذا الاستدلال :
1- بأن الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به .
2- ولو صح فالمراد به النهي عن ذلك .
قال عنه النووي في المجموع : (( مرسل ضعيف فلا حجة فيه ، ولو صح لتأولناه على أن معناه لا يباح الربا في دار الحرب جمعاً بين الأدلة )) (5).
وقال ابن قدامه : (( مرسل لا نعرف صحته ، ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك، ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة وانعقد الإجماع على تحريمه ، بخبر مجهول لم يرو في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به ، وهو مع ذلك مرسل محتمل )) (6).
ودليله الثاني : لعدم توافر شروط جريان الربا ، يقول الإمام الكاساني الحنفي : (( لأن مال الحربي ليس بمعصوم بل هو مباح في نفسه ، إلا أن المسلم المستأمن منع من تملكه من غير رضاه لما فيه من الغدر والخيانة ، فإذا بذله باختياره ورضاه فقد زال هذا المعنى ، فكان الأخذ استيلاء على مالٍ مباح غير مملوك ، وإنه مشروع مفيد للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش )) (7).
ونوقش هذا الاستدلال :
1- (( بأنه لا يلزم من إباحة أمواله على سبيل الغنيمة أن تباح بالعقد الفاسد )) (8).
2- وبأن هذا التعليل (( منتقض فيما إذا دخل الحربي دارنا بأمان فباع منه المسلم درهماً بدرهمين ، فإنه لا يجوز اتفاقاً )) (9).
وبهذا يتبين أن القول الراجح هو ما عليه جمهور أهل العلم وهو عدم جواز الربا مطلقاً لا مع حربي ولا مع غيره ، لضعف الأدلة التي تستثني التعامل مع الحربي من التحريم ، وأن فتوى الإمام أبي حنيفة لا تنطبق على حال المسلم المقيم في الغرب ، والله أعلم .
-----------
(1) البنك اللاربوي في الإسلام ص 14 ، المصارف والأعمال المصرفية ص 435 .
(2) اختلاف الفقهاء ص 58 ، المدونة 3/295 ، المقدمات الممهدات 2/10 ، التاج والإكليل ، المجموع شرح المهذب 9/391 ، بدائع الفوائد 4/214 ، المغني 6/99 .
(3) شرح السير الكبير 4/1493 ، بدائع الصنائع 7/81 ، تبيين الحقائق 4/97 ، رد المحتار 7/422 .
(4) الحديث قال عنه الزيلعي : (( غريب ، وأسند البيهقي في المعرفة في كتاب السير عن الشافعي قال : قال أبو يوسف : إنما قال أبو حنيفة هذا لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لا ربا بين أهل الحرب )) أظنه قال : (( وأهل الإسلام )) قال الشافعي : وهذا ليس بثابت ولا حجة فيه ))
نصب الراية 4/44 ، وانظر : الدراية 2/158 .
(5) المجموع شرح المهذب 9/392 .
(6) المغني 6/99 .
(7) بدائع الصنائع 7/81 ، وانظر : الكفاية 6/177 ، إعلاء السنن 14/366 ، حاشية الطحطادي 3/122 .
(8) المجموع شرح المهذب 9/392 .
(9) المغني 6/99 .



1 + 12 =