18 رمضان 1435

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: مشكلتي أنني تزوجت منذ شهرين من رجل خليجي عن طريق أحد الأقارب، وقد سبق وأن وعدني بأشياء كثيرة ولم يَفِ بها.. وكانت حياتي معه خلال الأسبوعان اللذان سافرنا فيهما بعد زواجنا نوعا ما سيئة، في البداية استقر بنا المقام في شقة فندقية، بعد ذلك أعطتنا أخته منزلها بمدينتهم لحين سفري، وفي كلتا الحالتين كان يتركني اقضي وقتي وحيدة، ولم يشعرني قط بأنني عروس في بداية فرحتها بزواجها.. علما بأنه رجل أرمل وله أولاد فاجأهم بزواجه مني فلم يتقبَّلوني، وأنا لم أحاول أن احتك بهم، وقد أخبرني بأنه تزوج من اثنتين، الأولى زاهدة بالحياة الزوجية ومسامحة في حقها، والثانية تعاني من عدة أمراض، وبالتالي سأكون له وحدي زوجته، واكتشفت بعد ذلك بأنه قد خدعني، وكل كلامه عن زوجته الثانية كذب وأنها لا تعاني من شيء، وبعد أسبوع من زواجنا أخبرني بأنالبكر لها الحق في أسبوع، وبعد ذلك يوم لي ويوم لزوجته الثانية، فعدت إلى أهلي بسبب ظروف عملي، وتعذُّر حصولي على الإجازة إلا بعد الفصل الأول، فقلَّت اتصالاته ومكالماته الهاتفية، التي صارت تتأخر إلى أسبوع فأكثر، ولا تتجاوز بضع دقائق، بعد أن كان يكلمني في فترة الخطوبة يوميا ولأكثر من ساعة، فما سبب هذا التغير المفاجئ؟؟، هل لأنه ضمن زواجه مني، وبالتالي لن يفقدني بعد ذلك؟؟ هل هكذا هو يفكر!!!
المهم، هو طلب مني قبل الزواج أن آخذ إجازتي من بداية العام، ولأنني لم أستطع أمْهلني لغاية الفصل الثاني، وحاليا غير رأيه وأراد مني أن أؤخِّرها لغاية نهاية السنة الدراسية حتى يجهز بيتا لي، لان أولاده من زوجته المتوفاة لم يقبلوا العيش معي، ولكل زوجة من زوجاته الاثنتين بيتا مستقلا مع أولادها..
وقد اتصل بي قبل يومين فانفعلت عليه جدا، وعاتبته على قلة اتصالاته، فوعدني بزيارة لي لمدة يومين، يجيبني خلالها على كل تساؤلاتي، وفعلا حضر كما وعدني، ولم يبرر تصرفاته معي، وفي اليوم الأول تجولنا معا في سيارتي بمدينتي، وأخذته إلى مطعم كبير وتغدينا سوياً، وفي اليوم الثاني أخبرني بأن لديه خدمة لصديق من بلده في السوق الحرة للسيارات، ومع أنني أخبرته بأن اليومان من حقي فقط، وعدني بأن لا يتأخر في العودة، وأوصلني من الشقة الفندقية صباحا إلى أهلي، على أساس نتغذى عصرا في أحد المطاعم، وانتظرته بالغذاء فلم يعد إل غاية آخر اليوم، وحين التقينا لم يقدم لي مبررا بل اكتفى بأن قال لي ونحن عائدون بسيارتي: دعينا نشتري عشاء.. فامتنعت، وأكل لوحده، حتى أنه نسي أن يشتري لي هدية ليرضيني، فغضبت منه ليلتها، ووعدني أن يشتريها لي في اليوم الموالي، وبعد عودتي من الدوام لم يفي بوعده لي، وبالتالي أوصلته للمطار كرما مني...
فهل كان من المفروض أن أذكِّره بهديتي ومصروفي في اليوم الموالي...؟؟ وهو لم يفكر في هذا من تلقاء نفسه، حتى أنه لم يمنحني مصروفا إلا ما قدره 500 ريال، منذ انتهاء إجازة الزواج وعودتي لبلدي؟؟ وهل كان من المفروض أن أطلب أنا منه؟ ألا يعلم بأنه ملزم بالنفقة علي وتلبية مصاريفي واحتياجاتي؟؟
تساؤلات كثيرة جعلتني أستنتج شيئا، إما أن هذا الشخص غبي لدرجة لا يشعر بي وبالتالي فهو لا يناسبني، وإما أنه بخيل للغاية، وهو لا يناسبني أيضا، وفي كل الأحوال فقد اكتشفت خلال هذين الأسبوعين من زواجي منه عدة تفاصيل لا مجال لذكرها، كانت كافية لتؤكد لي بأن لديه إحدى هاتين الصفتين، مع العلم أني لم احمل منه وربما هذه نعمة من الله، ولكن من باب الأمانة فلديه ميزة واحدة هي أنه ليس ببذيء اللسان ولا بالشخص العصبي، فكان في كل مرة أتعصب فيها يسكت، ولكنني بحاجة لزوج يؤنسني لا بمن يتذكرني فقط آخر الليل أو متى شاء...
فهل أنفصل عن زوجي وأطلب الطلاق، أم أصبر...؟؟ وأيهما ترجحون على ضوء الحيثيات السابقة الذكر؟؟

أجاب عنها:
صفية الودغيري

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أختي السائلة الكريمة، بداية أشكرك على رسالتك، وعلى ثقتك بموقع المسلم وطرحك لاستشارتك، ومشكلتك التي وردت في رسالتك تعاني منها كثير من النساء في حالات تعدد الزوجات، وكذلك في حالات الاختلاف بينهما في طريقة التفكير والبيئة والبلد والواقع المعاش، والفوارق في التقاليد والعادات والسلوك العام.. وأحيانا بسبب عجز أزواجهم عن تحقيق العدل بينهن، وأداء حقوقهن بإنصاف، أو بسبب ظروف العمل والعجز عن تحقيق التوازن بين وظيفة الرجل خارج بيته وداخل أسرته.
ومن الحلول التي تساعدك في كيفيَّة التصرُّف مع زوجك ما يلي:
بداية أقول لأختي الكريمة: أنا مقدرة جدا لظروفك التي تمرين بها، خاصة وأنك في بداية عهدك بالزواج، وما زلت تحملين بداخلك الكثير من الأحلام التي تسعين لتحققينها مع فارس أحلامك داخل عش الزوجية، ولديك احتياجات عاطفية ونفسية تحتاج لإشباع، واحتياجات مادية ومصاريف ملزم بها زوجك، إضافة لما تتحملينه من بعد عن بيت الزوجية ومفارقة لزوجك، وما ينتابك من مشاعر الغربة والوحدة، وعدم الشعور بالأمان مع شخص لا يقدر المسؤولية، ولا يفي بوعوده والتزاماته، ولا يوفر لحياتك الاستقرار والسكينة.. ثم تحملك لاستهتاره وعدم إنصافه اتجاه حقوقك الزوجية حتى في الأيام المخصصة لك..
ثانيا: أريد أن أنبهك أختي الكريمة إلى بعض الأخطاء التي ارتكبتها في هذا الزواج لتبادري لمعالجتها، وأولها أنك قبلت بزواج لم تحيطي بظروفه ولم تدرسي مشكلاته المتوقعة فقد قبلت من البداية الزواج من رجل متزوج من زوجتين وله أولاد، وتتحملين بالتالي مسؤولية اختيارك، على أساس أنك الزوجة الثالثة، فشرعا وعقلا وواقعا يستحيل تصديق مقالته بانه سيكون لك وحدك، إلا لو أنت قبلت على نفسك أن تخالفي شرع الله وتجوري على حقوق كلتيهما، حتى ولو كانت الأولى زاهدة في حقوقها، والثانية كانت مريضة أو لا، فهذا لا يعطيك ولا يعطيه مبررات إلغاء ما لهما من حق وواجب في الإنفاق وفي العشرة بالمعروف، وما له اتجاههما واتجاه أبنائه من حقوق وواجبات والتزامات..
فأنت بالتالي كمن صدقت ما يشبه الوهم، أو ما كنت تتمنَّين لو أنه حصل واقِعا الحقيقة خلاف ذلك، وعليه تقبلي فكرة أنك تشاركين كلتا زوجتيه في الحقوق والواجبات مناصفة، إلا إذا رضيت إحداهما وتنازلت لكِ عن حقٍّ من حقوقها الشرعية، وآثرتكِ به برضاها، مع الإبقاء على استمرار ميثاق الزوجية، حينها لا حرج في ذلك ولا إثم عليك ولا على زوجك، فقد روى مالك في الموطأ أن رافع بن خديج الأنصاري رضي الله عنه اتفق مع إحدى زوجاته على التنازل عن بعض حقوقها، فأمسكها رافع رضي الله عنه على ذلك، ولم ير أن عليه إثماً بذلك حين رضيت به.
قال الباجي في شرح الموطأ: إن أذنت له في ذلك فهو جائز، وقد وهبت سودة بنت زمعة يومها لعائشة تبتغي بذلك رضا النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقسم بذلك لعائشة يومين.
كذلك الفترة التي قضيتها مع زوجِك لا تتعدَّى الشهرين فقط، وهي فترة قصيرة جدا لتُصْدِري خلالها استنتاجا فاصلا، يعطيكِ تصوُّرا كافيا للحكمِ على شخصيتِه، وعلى مصيرٍ حياتِك معه، بل كلُّ ما لَمَسْتِه من طباعِه هو القشر الظاهري منه فقط، وأنتِ لم تنفُذِي بعد لأعماقِ جهازِه النفسي والعاطفي والسيكولوجي، ولم تتعاملي معه عن قرب داخل بيت الزوجية لتكتشفي أسرارا أعمق، تجعل انتقاداتِك الحالية حول تصرُّفاته تصوُّرا مختلفاً، وأسبابا أبعد لاكتشافِ ما هو أَدْعَى لمحَبَّتِه وموَدَّتِه، وتوثيقِ ارتباطِك به، وما يمكن أن تُؤْثِرينَه في عِشْرتِه..
فالأولى بك خلال هذه المرحلة المقبلة:
ـ أن تتغاضَيْ عن كل أخطاء زوجك، وتمتَصِّي غضبك المبالغ فيه، وتتجاوزي كثرة لومِه وعتابه على كل صغيرة أو كبيرة..
ـ أن توثّقي علاقتك الزوجية بوِثاق المحبة، والسَّكَن، والرَّحمة، ووِثاقِ المشاعر التي تبثُّ الدِّفء، والتآلف، والانسجام داخل الحياة الزوجية..
ـ أن تتعاملي بذكاء مع زوجكِ، حتى تحتفِظي بشعلة الحبِّ مشتعلة بينكما، وبأواصِرِ العاطفة متأجِّجَة، وبمعينِ العطاءِ جاريا..
ـ أن تترفَّعي عن كثرة المحاسبة، وممارسة دور الجلاد الذي يتعَقُّب الأخطاء ويحصيها،لأن الحياة الزوجية أرقى وأجمل بكثير من أن تفقد بريقها وسط زحمة الخلافات التافهة أو الطلبات الثانوية..
ـ أن تصحِّحي من نظرتك لزوجك، وتتعاملي معه لا كملكٍ خاص بك وحدك، بل كملكٍ مشاع، لك فيه من الحقوق ما لغيِرك فيه..
ـ وحاولي أن تقترّبي من بريقِ جوهَرِه ومعدنِه، وترتبطي بما هو أجمل في شخصيته، وما يستحق أن تتمسكي به وتناضلي لأجل الاحتفاظِ به..
ـ كذلك تحتاجين لمساحة زمنية ومكانية، تفسح لعلاقتك بزوجك تصورا أعمق، وارتباطا أوثق، يلغي كل الاعتبارات المادية، ويفسح المجال لمزيد من العطاء والتضحية والصبر وكل معاني الحب والوفاء، ويسمح بتضييق مساحة الأشياء المهملة القيمة، لتتصدر مكانها قيمة الأشياء الأصيلة والثابتة..
فالحب الحقيقي هو القيمة الأساس بين الزوجين التي تذيبُ كل الفوارق، وكل الخلافات، وكل المشاحنات مهما كانت عظيمة، ويكسر كل الحواجز التي تضخِّم أسباب الصُّدود والنُّفور فيما بينهما..
ثانيا: إن ما تشعرين به اليوم لا يتعدَّى مخلفات البعد الذي بينكما، فكلاكما يستقر في بلد، وكلاكما يعيش ظروفا لا تسمح بالمقابلة والملاقاة والتواصل اليومي داخل عش الزوجية، ولكن بمجرد تغيُّر هذا الواقع وانتقالِك لبيتِك ومعاشرةِ زوجك، ستذوب كل هذه المشاعر وسيَأْلَفُكِ زوجكِ وتَأْلَفينَه، وسيتعوَّد كلاكما على طباعِ الآخر وما يحبُّه ويكرهُه، وبالتالي سيشرع في تحمُّل التزاماتِه وحقوقه..
ثالثا: زوجك مرتبط بنفقاتِه على بيتين إضافة لبيت أبنائه من زوجته المتوفَّاة، ولهذا عليه عبء مضاعف من المصاريف والنفقات، مما يجعلكِ تشعرين بأنه بخيل في مهاداتك، ومهمِل في مصاريفك، ولكنها مرحلة وستنهي بعد انتقالِك للعيش معه في بيتٍ مستقِل، وستأخذ الأمور المعيشِيَّة بينكما طابعَها الصحيح والمقبول توفيره، والحمد لله أنه يتمتع بدخل طيب يكفي لتوفير حياة كريمة لكم جميعا..
رابعا: لو تتبَّعتِ انتقاداتِك لزوجِك ستكتَشِفي بأنها ليست بهذه الحدَّة ولا الخطورة التي تسْتَدْعي إقدامكِ على التفكير بالطلاق، فالأصل أن طلب الطلاق في حالات وجود عذر شرعي يمنع من الاستمرار بالزواج، كسوءِ عِشْرةِ الزوج مثلا، أو نفورِ الزوجة منه، وعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّة) صححه الألباني في صحيح أبي داود.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المختلعات هن المنافقات) صححه الألباني في صحيح الجامع.
أما بحالتك فأرى والله أعلم بأن الأمر أبسط من ذلك بكثير، ويحتاج منكِ فقط لمزيدٍ من الهدوء، والاستقرار النفسي والعاطفي، والتفكير برجاحةِ عقل، وبقدرٍ من الحكمة في التدبير وحسن التسيير..
ـ فما سبق وذكرتِه بشأن أنه كان كثيرا ما يتركك وحدك خلال سفركما بعد الزواج، قد لا يكون بالضَّرورة ناتِجًا عن سوءِ معاملته، وتغيُّر مشاعِرِه اتجاهك، بل قد يحتمل أسبابا أخرى منها: أن يكون ذا طبع خاص يدعوه لتفضيل وقت خاص به للاختلاء بنفسه، أو ربما يعتقد بأن الوقت الذي يخصِّصه لك كافيا، أو لعلَّكِ لا توفِّرين له الجوَّ المنسجِم مع راحتِه النفسية، أو لا تمنحينه ما يناسِبُ ذوقَه واختياراتِه الخاصَّة، وما يشُدُّه إليكِ ويدعوهُ لملازمَتِك، أو ربَّما تُكْثِرين عليه اللَّومَ والعتاب مما دعاه للانصراف عن رفقتِك وصحبتِك، تجنُّبًا للمشاكل والنّزاعات بينكما، إضافة أنَّكِ لستِ أول تجربةِ زواجٍ له، وبالتالي لا تجِدي منه التعلُّق الشديد الذي يكون لدى من لم يسبق له الزواج..
ـ أما بخصوص أنه خدعك بشأن زوجته الثانية حين أخبرك بأنها مريضة، فربما هي كذلك لكنها ليست بالصورة التي بالغ في إقناعك بها، أو ربما هو أساء التصرف ولكن بنية أن يكسب تعاطفك، ويضمن موافقتك على الزواج منه، وهذا التصرف يتكرَّر لدى كثير من الرجال لتحقيق مراد الزواج في حالات التعدد..
ـ أما بشأن تقصيره في الاتصال بك، وإهماله لنفقاتك، فهذا يحتاج لوقت يتعود فيه على وجودِك بحياته، ولقربِك منه في مكان يجمعكما معا، ليكون الالتزام تلقائيا وممكنا..
خامسا: العلاقة الزوجية لا تبنى على المشاحنة، والتصادُم حول كل الجزئيات والتفاصيل، وجمع الانتقادات والسلبيات وإحصائِها بأعداد تنوء بَحْمِلها الجبال، وتسجيل شريط بالذاكرة يحتمل ترديده في كل الأوقات..
ولا تبنى العلاقة الزوجية على ما يوفِّره كلاهما للآخر من الطَّلبات المادِّية فحسب، بل على قدرِ ما يجمعهما من المشاعر والعواطف النبيلة، والحب الصادق، وعلى قدرِ ما يربطهما من التزاماتٍ اتجاه دين الإسلام، والقيم، والفضيلة الإنسانية، والتكافل، والتعاون على البر والتقوى، والتكامل فيما بينهما، والاستعداد للتضحية والإيثار في السراء والضراء..
كما أنها لا تبنى على المحاكمة والمحاسبة، بقدر ما تبنى على أسلوب الحوار، والصراحة، ومناقشة الأخطاء في جوٍّ ومكان مناسبين، وبأسلوبٍ هادئ ولطيف في البحث عن الحلول المُثْلى في تحقيق متطَلَّباتِ العيش بكرامة، والعلاج الأَنْجَع للمشكلات المسْتعْصِية..
سادسا: ليس عيبا أن توضِّحي لزوجك احتياجاتِك العاطِفِيَّة والمادِّية، وتنبِّهينه للاهتمام ببعض الأمور التي يقصِّر بشأنها، وليس عيبا أن تكسري حاجز الصمت بينكما، وتكسري حاجز الكرامة، لأن العلاقة الزوجية تحمل في معناها ما يتعدَّى أُفُقَها، حيث يتحول الانسجام إلى انصهار وذوبان كامل، يكسر كل الحواجز بين الزوجين، فيسقط حينها التردد، ومشاعر كثيرة تكون قبل الزواج فقط.. فمن حقِّك مصارحته، وتذكيره مهما نسي أو تناسى، أو تكرَّر منه إهمالُه لحقوقِك، ولكن اسألي حاجتَكِ بذكاء ورفق، وقبل أن تطلبي ما لكِ من حقوقٍ شرعية لا تغْفلي عن حقوقِ زوجِك، فالزوجة لا تأخذ من زوجها إلا بالقدر الذي تهبُه من الإحسانِ إليه، والعدل معه في أداءِ حقوقه، وتقديمِ حقِّه على ما سواه من الحقوقِ، إلا ما كان حقا لله وفي طاعته ورضاه..
سابعا: تفهَّمي ظروف زوجك، وواقِعَه كزوجٍ، وأب مسؤولٍ عن أكثر من بيت وأسرة، وعليه أعباء والتزامات ونفقات مضاعفة..
ثامنا: كل نجاح ستحقِّقينه سيكون رهينَ تنازُلِك عن سقف الأنا، وسقف غرورِ الأنثى وعنادِها، ورهينَ إرضاءِك لزوجك، وإشباعِ غروره وكبريائِه، ومَنْحِه الثقة بنفسه وبأنه الأفضل، وعلى قدر إشباعِك لاحتياجاتِه العاطفية سيُشْبِع احتياجاتِك، وسيجعلكِ تسْتحْوِذين وسط كل ما يشغل حياته على مفاتيح شخصيته، وتتربَُّّعين عرشَ قلبه، وعقله، وكيانه بالكامل..
فكبري عقلك لتتجاوزي مشاكلك الصغيرة، ولا تحرمي نفسك مشاعر تحتاج أن تنمو في جوٍّ صِحِّي وآمِن، وتأخذ شكلا طبيعيا، يسمح لامتدادِ أصولِها الطيبة واشْتدادِ فروعها..
وإن شاء الله ستعملين على تحقيق كل هذا إن كنت حقا تودين فتح صفحة جديدة لحياة سعيدة..
ختاما أقول لأختي الكريمة: أنا لا ألومك على كل ما ينتابك خلال هذه الفترة من مشاعر متقلبة، فهي حالة طبيعية تنِمُّ عن احتياجِك العاطفي، وعن مدى تعلُّقِك وارتباطِك بالحياة الزوجية، إلا أنها مشاعر ستتبدَّد حتما، وستأخذ لها شكلا أفضل بعد انتقالك لبيتك إن شاء الله، فأنت ما زلت عروسا في بداية عهدها بالزواج، وحياتك الزوجية هي الآتية في المستقبل لا ما مضى منها ولا يتعدَّى الشهرين، وأمامك العمر المديد إن شاء الله لتكسبي رهاناتِ التفوُّق والنجاح في عشرتِك لزوجك، والقدرة على التعامل معه، وشحذِ رصيدِ مشاعرِك التي تمنحينها للانسجام معه، ولا تستعجلي الثمار والنتائج الحسنة، ولا تفْترِضي الاحتمالات السيئة، وتخسري زوجا فضَّلك عن بقية النساء، وناضل لأجل الزواج بك..
ولا يفوتني أخيرا: أن أوصيك بتقوى الله والتقرب له بالطاعات، والدعاء بأن يؤلف ما بينك وبين زوجك..
أسأل الله العلي القدير أن ييسر أمرك، ويجمع ما بينك وبين زوجك عاجلا غير آجل، وأن يؤلف ما بينكما ويصرف عنكما مشاعر الغربة وعدم الوفاق والانسجام، ويوثق أواصر المحبة والرحمة والطمأنينة بينكما، ويهديكما للخير ويدلَّكما عابه..