إجراء عقود المعاوضات في المسجد
4 ربيع الثاني 1435
معاذ بن عبدالله بن عبدالعزيز المحيش

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
فيقسم الفقهاء عقود المعاوضات من حيث محل العوض إلى أربعة أقسام([1]):
1. مبادلة مال بمال كالبيع والصرف والسلم والصلح عن مال.
2. مبادلة المال بالمنفعة، كالإجارة والاستصناع والجعالة والمسابقة.
3. مبادلة منفعة بمنفعة، كالمهايأة([2]).
4. مبادلة مال أو منفعة بما ليس بمال ولا منفعة كالزواج.

وكذلك قسمها الفقهاء من حيث قصد الطرفين للعوض إلى قسمين([3]):
أ‌. المعاوضات المحضة: وهي ما يقصد فيها المال من الجانبين. كالبيع والإجارة والسلم والمهايأة والاستصناع، فإن لم يقصد المتعاقدان الربح المالي، فإن العقد لا يكون معاوضة محضة([4]).
ب‌. معاوضات غير محضة: وهي إما أن يكون المال مقصوداً من أحد الجانبين، أو لا يقصده أحد منهما. كالجعالة أو المسابقة.
قال الزركشي في المنثور: المعاوضة قسمان: محضة وغير محضة، فالمحضة: ما يفسد العقد فيها بفساد العوض، وغير المحضة ما لا يفسد، وإن شئت قلت: المعاوضة المحضة: ما يقصد فيها المال من الجانبين, والمراد بالمال: ما يعم المنفعة وغيرها مما يتمول، وغير المحضة: ما لم تكن كذلك ا هـ ([5]).
وبما أن عقد البيع هو أصل عقود المعاوضات، فسنذكر حكم إجرائه في المسجد، ثم أُتبِعُ ذلك حكم إجراء بقية عقود المعاوضات.

المطلب الأول : حكم البيع في المسجد:
الفرع الأول : حكم البيع في المسجد لغير المعتكف .

يتمثل الكلام عن حكم البيع في المسجد من شقين:
الشق الأول: الحكم التكليفي للبيع في المسجد, وله ثلاثة صور:
الصورة الأولى: أن يتخذ المسجد محلا لتجارته أو يتخذ ذلك عادة له وإن كان يسيرا، فإن ذلك محرم باتفاق الفقهاء؛ ومن الدلالة على ذلك قول الله عز وجل: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)) [سورة النور:36]
وجه الدلالة: أن الله تبارك وتعالى ذكر المقصود من إقامة المساجد، وهو ذكر الله عز و جل وعبادته، ومن أشد ما يعارض ويناقض هذا المقصد: التجارة في المساجد وجعلها محلاً معتاداً للبيع والشراء.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه([6]) عن جده([7]) قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار وأن تنشد فيه الضالة وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة" أخرجه أصحاب السنن([8]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد الضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك" أخرجه الترمذي([9]).
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقا ولا يشهر فيه سلاح ولا ينبض([10]) فيه بقوس ولا ينثر([11]) فيه بنبل ولا يمر فيه بلحم نيئ ولا يضرب فيه حد ولا يقتص فيه أحد ولا يتخذ سوقاً" أخرجه ابن ماجه([12]).
وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع" أخرجه ابن ماجه([13]).

وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد، واتخاذها للتجارة أشد من ذلك.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: صليت العصر مع عثمان بن عفان أمير المؤمنين رضي الله عنه، فرأى خياطاً في ناحية المسجد، فأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين؛ إنه يكنس المسجد ويغلق الباب ويرش أحياناً، قال عثمان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "جنبوا صناعكم عن مساجدكم" أخرجه ابن عدي([14]).
قال القرطبي: ما ورد في هذا المعنى وإن كان طريقه ليناً فهو صحيح معنى، يدل على صحته ما ذكرناه قبل ا. هـ ([15]) أي من الأحاديث التي تنهى عن البيع والشراء في المسجد، وروى مالك عن عطاء بن يسار أنه كان يقول لمن أراد أن يبيع في المسجد: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا سوق الآخرة([16]).
ورأى عمران القصير رجلاً يبيع في المسجد , فقال: هذه سوق الآخرة, فإن أردت التجارة فاخرج إلى سوق الدنيا([17])([18]).
فهذه الآثار من الصحابة والتابعين تدل على نهيهم من التجارة في المساجد، ولم أجد من خالفهم في ذلك من المتقدمين إلا ما ذكره الترمذي عن بعض التابعين في رخصتهم للبيع في المسجد، قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد، وبه يقول أحمد، وإسحاق، وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين: رخصة في البيع والشراء في المسجد ا. هـ ([19])، وذكر ابن رجب بعضهم حيث قال: وحكى الترمذي في جامعه قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في المسجد، والكراهة قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم، وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه، وللشافعي قول: أنه لا يكره، وهو قول عطاء وغيره ا. هـ ([20]).
وروى عبدالرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فأتاه غريم له في مجاوره، فتجازاه حقه؟ قال: [لا بأس به]، قلت: فأتى مجاوره، أيبتاع فيه، ويبيع؟ قال: [لا بأس بذلك]([21])، وروى أيضاً عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت إن أتي هذا المجاور في فسطاطه بهو بسلعة يبيعها أو يبتاعها، أيفعل؟ قال: [نعم يبيع في مجاوره]([22]).
فهذه النصوص عن عطاء تشير إلى ترخيصه للبيع والشراء للمعتكف، ولكن جاء عن عطاء ما يعارض ذلك حيث قال: [لا يبيع المعتكف، ولا يبتاع، ولا يخرج إلى سلطان فيخاصم إليه إلا أن ينوي ذلك] رواه عبدالرزاق ([23])، ولنا مسلكان اتجاه هذه النصوص عن عطاء:
المسلك الأول: الجمع بين الروايات، فيرخص للمعتكف في البيع والشراء إن اشترط ذلك في اعتكافه، وإلا فلا.
المسلك الثاني: أن لعطاء في هذه المسألة روايتان: رواية بالجواز مطلقاً، ورواية بالجواز إذا اشترط المعتكف ذلك.
وليس في هذه النصوص ما يدل على جواز ذلك لغير المعتكف؛ لأن المعتكف أحوج من غيره في تحصيل قوت يومه، وهذا يعضد قول عامة الفقهاء في النهي عن التجارة في المسجد. ولم أجد قولاً عن غيره في الكتب المعتنية بنقل آثار الصحابة والتابعين كمصنف عبدالرزاق وابن أبي شيبة.
وقد يقال بأن المعتكف أحوج من غيره في حفظ وقته وملئه بالعبادة والذكر وقراءة القرآن والابتعاد عن الدنيا، فإن جاز للمعتكف البيع والشراء، فغيره أولى بالجواز.
• وهذه نقول عن أهل العلم في تحريم اتخاذ المسجد محلاً للتجارة:
قال الحصكفي في شرحه لتنوير البصائر: (وخص المعتكف بأكل وشرب ونوم وعقد احتاج إليه) لنفسه أو عياله فلو لتجارة كره (كبيع ونكاح ورجعة) فلو خرج لأجلها فسد لعدم الضرورة (وكره ) أي تحريما؛ لأنها محل إطلاقهم. بحر (إحضار مبيع فيه) كما كره فيه مبايعة غير المعتكف مطلقا للنهي ا.هـ ([24]).
وقال في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: (وكره إحضار المبيع والصمت والتكلم إلا بخير) أما إحضار المبيع وهي السلع للبيع فلأن المسجد محرز عن حقوق العباد وفيه شغله بها وجعله كالدكان وقوله وكره إحضار المبيع يدل على أن له أن يبيع ويشتري ما بدا له من التجارات من غير إحضار السلعة وذكر في الذخيرة أن المراد به ما لا بد له منه كالطعام ونحوه وأما إذا أراد أن يتخذ ذلك متجرا يكره له ذلك وهذا صحيح ا. هـ ([25]).
وجاء في مواهب الجليل لشرح مختصر خليل: واختلف إذا رأى سلعة خارج المسجد هل يجوز أن يعقد البيع في المسجد أم لا، قولان من غير سمسار، وأما البيع بالسمسار فيه ممنوع باتفاق ا. هـ ([26]).
وقال الباجي في المنتقى: وقد كره مالك ما هو أخف من هذا فاعتبر مالك إحضار العين في المسجد على غير الوجه المعتاد من الناس ا. هـ ([27])، ويعلم بهذا كراهية تعمد إحضار سلعة في المسجد للبيع، لأن مالك منع إحضار العين التي لم يعتاد الناس إحضارها في المسجد فقال: لا أحب لأحد أن يظهر سلعة في المسجد للبيع فأما أن يساوم رجلا بثوب عليه أو سلعة تقدمت رؤيته لها ومعرفته بها فيواجبه البيع فيها فلا بأس به ا هـ ([28])، وهذا يدل بطريق الأولى نهيه عن اعتياد البيع في المسجد، ولهذا قال أبو الوليد ابن رشد: وعندي أن قول مالك راجع إلى ذلك وإنما يجوز من كلا الوجهين اليسير إذا انفرد ولعله إذا اجتمعا فإنه يمنع اليسير منهما ا. هـ ([29]).
وقال النووي : يكره أن يجعل المسجد مقعدا لحرفة كالخياطة ونحوها ... فأما من ينسخ فيه شيئا من العلم أو اتفق قعوده فيه فخاط ثوبا ولم يجعله مقعدا للخياطة فلا بأس به ا. هـ ([30]).
وقال في طرح التثريب: قال الرافعي في إحياء الموات: إن الجلوس في المسجد للبيع والشراء والحرفة ممنوع منه إذ حرمة المسجد تأبى اتخاذه حانوتا. ا. هـ ([31])
وفي كشاف القناع: ( ويحرم البيع والشراء في المسجد ) للمعتكف وغيره في القليل والكثير ا. هـ ([32]) والتجارة فيه أشد تحريما([33])([34]).
الصورة الثانية: أن يجلس صاحب السلعة في المسجد ويأتي المشتري لها يقلبها وينظر فيها ويعطي فيها ما يريد، فقد اختلف أهل العلم في بيعه وشرائه على أقوال:
القول الأول: يباح اليسير ويكره الكثير، وهو قول بعض الحنفيةِ ([35]) والمالكيةِ ([36]) والشافعيةِ([37])، واشترط المالكية والشافعية أن يقع ذلك اتفاقاً لا قصداً، قال الباجي: وفي المبسوط عن مالك لا أحب لأحد أن يظهر سلعة في المسجد للبيع فأما أن يساوم رجلا بثوب عليه أو سلعة تقدمت رؤيته لها ومعرفته بها فيواجبه البيع فيها فلا بأس به، وقال محمد بن مسلمة لا ينبغي لأحد أن يبيع في المسجد ولا يشتري شيئا حاضرا ولا غائبا أما الحاضر فلأن المسجد ليس بموضع للسلع ولو جاز ذلك صار المسجد سوقا وأما ما ليس بحاضر كالدور والأصول وبيع الصفة وشبهه فلما فيه من اللغط واللغو، وقد كره مالك ما هو أخف من هذا فاعتبر مالك إحضار العين في المسجد على غير الوجه المعتاد من الناس ولم يذكر في هذه الرواية كثرة المراجعة المبلغة إلى اللغط واعتبر محمد بن مسلمة الأمرين جميعا ا.هـ ([38])، وإحضار السلعة على غير الوجه المعتاد يدل على قصد بيعها.
وقال الغزالي: ومنها([39]) الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة والتعويذات وكقيام السؤال وقراءتهم القرآن وإنشادهم الأشعار وما يجري مجراه فهذه الأشياء منها ما هو محرم لكونه تلبيسا وكذبا كالكذابين من طرقية الأطباء وكأهل الشعبذة والتلبيسات وكذا أرباب التعويذات في الأغلب يتوصلون إلى بيعها بتلبيسات على الصبيان والسوادية فهذا حرام في المسجد وخارج المسجد ويجب المنع منه، بل كل بيع فيه كذب وتلبيس وإخفاء عيب على المشتري فهو حرام.
ومنها ما هو مباح خارج المسجد كالخياطة وبيع الأدوية والكتب والأطعمة فهذا في المسجد أيضا لا يحرم إلا بعارض وهو أن يضيق المحل على المصلين ويشوش عليهم صلاتهم فإن لم يكن شيء من ذلك فليس بحرام والأولى تركه ولكن شرط إباحته أن يجري في أوقات نادرة وأيام معدودة فإن اتخاذ المسجد دكانا على الدوام حرم ذلك ومنع منه ا. هـ ([40]).

القول الثاني: يكره البيع والشراء في المسجد، وهو مذهب المالكية ([41]) والشافعية ([42]) والظاهرية ([43]) وبعض الحنابلة ([44])، واستثنى المالكية كثرة اللغط والمناداة على السلعة فإنها محرمة ([45]).

القول الثالث: يحرم البيع والشراء في المسجد. وهو مذهب الحنفية ([46]) والحنابلة ([47]) وبعض المالكية ([48]).

أدلة القول الأول:
1. حديث علي رضي الله عنه قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتاه ناس من قريش فقالوا: يا محمد، إنا حلفاؤك وقومك، وإنه لحق بك أبناؤنا وأرقاؤنا، ليس بهم رغبة في الإسلام، وإنما فروا من العمل، فارددهم إلينا، فشاور أبا بكر في أمرهم فقال: صدقوا يا رسول الله، فتغير وجهه، فقال لعمر: "ما ترى؟" فقال مثل قول أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر قريش، ليبعثن الله عز و جل عليكم رجلاً منكم، امتحن الله قلبه للإيمان، فيضرب رقابكم على الدين"، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: "لا"، قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: "لا، ولكنه خاصف النعل في المسجد"، وكان قد ألقى إلى علي نعله يخصفها، وقال علي رضي الله عنه : أما أني سمعته يقول:" لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار" رواه الطحاوي ([49]).
قال الطحاوي مبينا وجه الدلالة: أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينهَ علياً رضي الله عنه عن خصف النعل في المسجد، وأن الناس لو اجتمعوا حتى يعموا المسجد بخصف النعال كان ذلك مكروهاً، فلما كان ما لا يعم المسجد من هذا غير مكروه وما يعمه منه أو يغلب عليه مكروها كان ذلك في البيع وإنشاد الشعر والتحلق فيه قبل الصلاة مما عمه من ذلك فهو مكروه وما لم يعمه منه ولم يغلب عليه فليس بمكروه والله أعلم بالصواب. ا. هـ ([50]).
2. يحمل حديث النهي عن البيع في المسجد على اتخاذ المساجد متاجر كالسوق يباع فيها وتنقل الأمتعة إليها، توفيقا بينه وبين حديث علي رضي الله عنه في خصفه للنعل في المسجد([51]).
ويناقش الدليل الأول والثاني بالآتي:
أ‌. أن الحديث ضعيف، ولو افترض صحته، فيحتمل أن علياً رضي الله عنه فعل ذلك تطوعاً كما يحتمل أنه فعله تكسباً، وعند الاحتمال يبطل الاستدلال.
ب‌. أن حديث علي رضي الله عنه مجمل ومتشابه، وحديث النهي عن البيع في المسجد مبينٌ ومحكم، والقاعدة حمل المجمل على المبين والمتشابه على المحكم.
3. وقد يستدل لهم بأن حديث النهي عن البيع في المسجد محمول على جواز اليسير وكراهة الكثير لاقترانه بإنشاد الشعر فيه والتحلق قبل صلاة الجمعة.
ونوقش: بأن الجمع بين حكمين في النهي لا يلزم منه إعطاء حكم أحدهما للآخر؛ إذ دلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين([52]).

أدلة القول الثاني:
1. نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع في المسجد هو نهي تنزيه وليس نهي تحريم؛ لأن حديث خصف علي رضي الله عنه النعل في المسجد يعد قرينة على صرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
2. أن مباشرة العقد في المسجد يفضي إلى اللغط المنهي عنه([53]).

أدلة القول الثالث:
1. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد الضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك"([54]).
وجه الدلالة:
أ‌. أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع في المسجد، والأصل أن النهي يقتضي التحريم.
ب‌. أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالدعاء عليه، وهذا من باب التعزير، والتعزير لا يكون إلا بمعصية.
ويناقش بالآتي:
- بعدم التسليم؛ لأن التعزير كما هو مشروع في حق من فعل محرماً أو ترك واجباً، فهو كذلك مشروع في حق من ترك السنن أو فعل المكروهات([55]).
- ولوسلمنا ذلك جدلاً، فإن الفقهاء قد حملوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء عليه على الندب([56])، ولم يحملوه على الوجوب، وهذا يخالف قاعدتهم في حصر التعزير بارتكاب محرم أو ترك واجب.

2. إن المبيع إما أن يكون حاضراً أو يكون غائباً، فإن كان حاضراً فإن المسجد ليس بموضع للسلع، ولو جاز ذلك صار المسجد سوقاً، وأما ما ليس بحاضر كالدور والأصول وبيع الصفة وشبهه فلما فيه من اللغط واللغو([57]).
3. أن البيع لا يكاد يخلو من الرفث فيه([58]).
4. أن مباشرة العقد في المسجد يفضي إلى اللغط المنهي عنه([59]).
5. أن فيه انتهاكاً لحرمة المسجد.

الراجح: هو القول الأول - جواز البيع والشراء في المسجد إن كان يسيراً ويكره إن كان كثيرا - بشرط أن يقع اتفاقاً لا قصداً؛ للأسباب الآتية:
1. ما جاء عن كعب رضي الله عنه أنه تقاضى ابن أبي حدرد رضي الله عنه ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى: " يا كعب "، قال: لبيك يا رسول الله، قال: " ضع من دينك هذا "، وأومأ إليه؛ أي الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: "قم فاقضه "متفق عليه([60])، وهذا الحديث فيه دلالة على جواز الصلح عن إقرار في المسجد، وقد يكون بمعنى البيع، ولو كان البيع محرماً بذاته لما صالح النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في المسجد.
فإن قيل: ينقسم الصلح عن إقرار إلى قسمين: صلح معاوضة وصلح إسقاط، والأول له حكم البيع، أما الثاني فليس له حكم البيع، وما حصل بين كعب وابن أبي حدرد من القسم الثاني وليس من القسم الأول.
يجاب عنه: بأن نتيجة الصلح ليست متيقنة، فربما يُسقِطُ كعباً رضي الله عنه شيء من المال وربما لا يسقط، فلو لم يسقط سيئاً لكان الصلح بمعنى البيع، والنبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس ورعاً، ومن الورع تجنب الأعمال التي تؤدي إلى الوقوع في المنهيات. وقال ابن رجب عن قصة كعب وابن أبي حدرد: وهذا مما يعتضد به من يجيز البيع والشراء في المسجد ا. هـ ، إلا أن ابن رجب ناقشه بقوله: ومن كره البيع، فرق بينه وبين التقاضي بأن البيع في المسجد ابتداء لتحصيل المال فيه، وذلك يجعل المسجد كالسوق المعد للتجارة، واكتساب الأموال، والمساجد لم تبن لذلك، ولهذا قال عطاء بن يسار وغيره لمن رأوه يبيع في المسجد: عليك بسوق الدنيا، فهذا سوق الآخرة، أما تقاضي الدين، فهو حفظ مال له، وقد لا يتمكن من مطالبته إلا في المسجد، فهو في معنى حفظ ماله من الذهاب، وفي معنى التحاكم إلى الحاكم في المسجد ا. هـ ([61]).

2. إن النهي عن البيع في المسجد ليس مقصودا لذاته، بل لما يشتمل عليه من اللغط واللغو وإزعاج المصلين، فكان النهي مخصوصاً بذلك ([62])؛ لأنه يجوز تخصيص العموم بالعلة المستنبطة في أصح أقوال العلماء.

3. المقصود من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع في المسجد هو البيع الذي يعم المسجد ويغلب عليه؛ لأن هذه الأمور - وهي البيع وإنشاد الشعر وإنشاد الضالة والتحلق قبل صلاة الجمعة - يجمعها علة واحدة وهي وجود اللغط وارتفاع الصوت، واليسير مغتفر في الشريعة المطهرة ([63]).

4. إن المقصود من بناء المساجد هو ذكر الله تعالى وعبادته لقوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [سورة البقرة:125]، وقوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)) [ سورة النور:36 ]، لكن وردت وقائع كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يفعلونها في المسجد وكانت خارجة عما بنيت المساجد له، ولكنها كانت يسيرة؛ ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: "أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد؛ ليعوده من قريب، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ؟! فإذا سعد يغذو([64]) جرحه دماً فمات فيها" متفق عليه ([65])، وكذلك قالت رضي الله عنها:"لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم" متفق عليه ([66])، فعلمنا بذلك جواز أن يفعل الإنسان فعلاً لم تبنَ له المساجد ([67]).

وأما قولهم: إن مباشرة العقد في المسجد يفضي إلى اللغط المنهي عنه.
فيجاب عنه: بأن البيع اليسير لا يفضي إلى اللغط المنهي عنه، بخلاف الكثير فإنه يفضي إلى اللغط المنهي عنه.
وأما قولهم: إن البيع لا يكاد يخلو من الرفث فيه.
فيجاب عنه: بأن فعل اليسير لا ينتهك حرمة المسجد، والبيع الكثير قد يفضي إلى انتهاك حرمة المسجد وقد لا يفضي إلى ذلك، فمنعنا الكثير سداً للذريعة، بينما البيع اليسير فإنه لا ينتهك حرمة المسجد إلا نادراً، والنادر لا حكم له، ومن القواعد المقررة أن اليسير مغتفر في الشريعة([68]).
فإن قيل: ما الضابط في معرفة اليسير من الكثير.
قلت: ضابط اليسير: هو الذي لا يشعر أحد في المسجد بعقد المبايعة لقلة ما يحصل من المراجعة، وألا تشغل السلعة بقعة من المسجد، قال الباجي في المنتقى: قد روى ابن القاسم عن مالك في المجموعة([69]) لا بأس أن يقضي الرجلُ الرجلَ في المسجد ديناً، فأما ما كان بمعنى التجارة والصرف فلا أحبه، فأرخص في القضاء لخفته وقلة ما يحظر منه، فأما المصارفة فيحظر كل واحد منه بما يعاوض به وتكثر المراجعة، وهذان المعنيان هما المؤثران في المنع، ولعله يريد بذلك كثرة اللغط ولم يحظر فيه يسير العمل، ولو كان قضاء المال جسيماً تتكلف المؤنة في استجلابه ووزنه وانتقاده ويكثر العمل فيه لكثرته لكان مكروهاً، وفي المبسوط([70]) عن مالك: لا أحب لأحد أن يظهر سلعة في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلاً بثوب عليه أو سلعة تقدمت رؤيته لها ومعرفته بها، فيواجبه البيع فيها فلا بأس به ... قال القاضي أبو الوليد: وعندي أن قول مالك راجع إلى ذلك، وإنما يجوز من كلا الوجهين اليسير إذا انفرد، ولعله إذا اجتمعا فإنه يمنع اليسير منهما على ما ذكرناه في مسألة الصرف ا.هـ ([71]). وخلاصة المسألة أن البيع في المسجد على أقسام:
1. أن يتخذ المسجد محلاً لتجارته، وهذا محرم.
2. أن يكثر من البيع والشراء في المسجد، فهذا مكروه إلا إذا شوش على من في المسجد، فيحرم حينئذٍ.
3. يباح اليسير من البيع والشراء في المسجد.
4. إن أراد أن يتخذ المسجد محلاً لتجارته ولكنه يفعل اليسير من ذلك احتيالا على الشرع، فهذا محرم.

الصورة الثالثة: أن يتم الإيجاب والقبول في المسجد من دون إحضار سلع، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال:
القول الأول: يباح عقد البيع في المسجد من دون إحضار سلع، وإليه ذهب المالكية([72]).
القول الثاني: يكره ذلك، ويخرج عليه مذهب الشافعية ([73]) وبعض الحنابلة ([74]).
القول الثالث: يحرم ذلك، وهو قول بعض المالكية([75]) ويخرج عليه مذهب الحنفية([76]) والحنابلة([77]).
وقد يستدل للقول الأول: بأن الإيجاب والقبول في المسجد من قبيل الكلام المباح، فيأخذ حكمه.
ويستدل للقول الثاني والثالث بالأدلة نفسها في الصورة السابقة.
والأقرب للصواب هو القول الأول ما دام خالياً عن اللغط وارتفاع الصوت؛ لوجاهة دليلهم، ولأن المقصود من النهي الوارد في الحديث هو ارتفاع الصوت واللغط في المسجد لمنفعة خاصة بآحاد الناس؛ لما ذكرناه في المسألة السابقة.

الشق الثاني: الحكم الوضعي للبيع في المسجد:
فقد اتفق الفقهاء على صحة عقد البيع في المسجد، قال ابن مفلح في الفروع في آخر كتاب الوقف عند ذكره لأحكام المسجد: وفي صحة بيع فيه (و) وتحريمه (خ) ا. هـ ([78])، بل نقل بعض أهل العلم الإجماع على صحته، قال ابن بطال: وقد أجمع العلماء أن ما عقد من البيع في المسجد أنه لا يجوز نقضه ا هـ ([79])، قال المازري: واختلفوا في جواز ذلك في المسجد مع اتفاقهم على صحة العقد لو وقع ا هـ ([80])، والنهي تعلق بمعنى في غير العقد فلا يبطل به العقد، ومما يدل على صحته أن البيع تم بأركانه وشروطه ولم يثبت وجود مفسد له، وحرمة ذلك لا توجب الفساد كالغش في البيع والتدليس والتصرية وقوله صلى الله عليه وسلم: "وقولوا: لا أربح الله تجارتك" من غير إخبار بفساد البيع دليل على صحته كما ذكر ذلك ابن قدامة([81]).

الفرع الثاني : حكم البيع في المسجد للمعتكف .
الاعتكاف في المساجد من أجل القرب والطاعات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، ولما في شريعتنا الإسلامية من رفع الحرج عن الأمة فقد اختص المعتكف بأحكام تختلف عن غيره، ومن ذلك بيعه وشراؤه في المسجد([82])، فله ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يتخذ المسجد محلاً لتجارته، فإن ذلك يحرم باتفاق الفقهاء([83]).
الحالة الثاني: ألا يتخذ المسجد محلاً لتجارته، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال:

القول الأول: يباح اليسير ويكره الكثير، وهو قول بعض الحنفية([84]) والمالكية([85]) والشافعية([86]).
القول الثاني: يكره له ذلك. وهو مذهب المالكية([87]) والشافعية([88]) وبعض الحنابلة([89]).
القول الثالث: يحرم عليه ذلك. وهو مذهب الحنابلة([90]) وبعض المالكية([91]).
القول الرابع: يجوز له ذلك بشرط عدم إحضار السلعة أو الأمتعة أو الميزان في المسجد إلا إن كان لا يشغل البقعة كدراهم أو دنانير يسيرة أو كتاب أو طعام ونحوه. وهو مذهب الحنفية. ([92])
فأما أدلة القول الأول والثاني والثالث هي ذاتها الأدلة في المسألة السابقة، وسأقتصر على ذكر أدلة القول الرابع حتى لا أقع في التكرار.

أدلة القول الرابع:
1. أن البيع من غير إحضار السلعة والميزان هو بيع بالقول فحسب، وهذا جائز لأنه مباح فهو كسائر كلامه في الأمور المباحة([93])، وأما إحضار السلعة والميزان ونحوه فهذا منهي عنه؛ لأن المسجد منزه عن حقوق العباد([94]).
2. أن إحضار السلعة في المسجد من إمارات اتخاذه سوقاً([95])؛ فيمنع ذلك سداً لذريعة اتخاذه سوقاً.
الترجيح: الذي يظهر للباحث جواز البيع إن كان يسيراً ويكره إن كان كثيراً؛ للاعتبارات التي ذكرتها في المسألة السابقة، وما ذكره الحنفية من أن إحضار الأمتعة من إمارات اتخاذ المسجد سوقاً، فيسلم لهم ذلك إن كان المتاع كثيراً، أما إن كان يسيراً فلا يكون أمارة على اتخاذه للمسجد سوقاً.

الحالة الثالثة: أن يحتاج المعتكف إلى البيع والشراء لما لا بد له منه، فالذي يظهر للباحث جواز ذلك؛ لأنها من الحاجيات، والأمر إذا ضاق اتسع كما قال الشافعي، لأن النهي عن البيع في المسجد ليس مقصودا لذاته، بل لحرمة المسجد وحتى لا تقضى الأوقات في المسجد بغير ما بُنِيَ له، وإذا كان النهي نهي وسيلة فإن الحاجة تبيحه كما قرر ذلك ابن القيم ([96]).
وجاء في المدونة: قيل لابن القاسم: ما قول مالك في المعتكف أيشتري ويبيع في حال اعتكافه فقال: نعم , إذا كان شيئا خفيفا لا يشغله من عيش نفسه ا. هـ ([97])، وقال الشافعي: ويخرج المعتكف لحاجته إلى البول والغائط إلى بيته إن شاء أو غيره ولا يمكث بعد فراغه من حاجته ولا بأس أن يسأل عن المريض إذا دخل منزله، ولا بأس أن يشتري ويبيع ويخيط ويجالس العلماء ويتحدث بما أحب ما لم يكن إثماً ا. هـ ([98])، وجاء في مسائل الإمام أحمد من رواية إسحاق الكوسج: قلت: سئل سفيان عن المعتكف يشتري ويبيع؟
قال: يشتري الخبز إذا لم يكن من يشتري له.
قال أحمد: لا بأس أن يشتري الشيء إذا لم يكن له من يشتري له، ولا يصيرها تجارة ا.هـ. ([99])
وجاء في رواية حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: المعتكف لا يبيع ولا يشتري إلا ما لا بد له منه, طعام أو نحو ذلك, فأما التجارة, والأخذ والعطاء, فلا يجوز شيء من ذلك ا.هـ. ([100]).
وجاء في الفتاوى الهندية: ولا بأس للمعتكف أن يبيع ويشتري الطعام, وما لا بد منه, وأما إذا أراد أن يتخذ متجرا فيكره له ذلك ا. هـ. ([101]).
قال النووي في المجموع: فرع في مذاهب العلماء في بيع المعتكف وشرائه: قد ذكرنا أن الأصح من مذهبنا كراهته إلا لما لا بد منه, قال ابن المنذر وممن كرهه عطاء ومجاهد والزهري, ورخص فيه أبو حنيفة, وقال سفيان الثوري وأحمد: يشتري الخبز إذا لم يكن له من يشتري, وعن مالك رواية كالثوري, ورواية يشتري ويبيع اليسير قال ابن المنذر: وعندي لا يبيع ولا يشتري إلا ما لا بد له منه إذا لم يكن له من يكفيه ذلك ا هـ. ([102]).
وذهب بعض أهل العلم إلى النهي عن ذلك مطلقاً، جاء في كشاف القناع: ( ولا يبيع ) المعتكف (ولا يشتري إلا ما لا بد له منه طعام أو نحو ذلك) خارج المسجد من غير أن يقف أو يعرج لذلك ا. هـ. ([103]).

المطلب الثاني : حكم إجراء البيع إذا كان أحد طرفيه في المسجد والآخر خارجه.
لم يذكر الفقهاء هذه المسألة، ويمكن تخريجها على مسألة البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة ممن تلزمه الجمعة على من لا تلزمه الجمعة، وبناءً على ذلك يكون للمسألة شقان:
الشق الأول: من كان منهما داخل المسجد، فيخرج عليه الخلاف في حكم إجراء الإيجاب والقبول في المسجد([104]).
الشق الثاني:من كان منهما خارج المسجد، فإن الأصل في فعله الإباحة، ولكن إذا ترتب على ذلك مكروه صار مكروهاً، وإذا ترتب على ذلك محرم صار محرماً، ولكنه لا يأثم إلا بكونه عالماً ذاكراً مختاراً، فإن لم يعلم كون العاقد الآخر في المسجد فإنه لا يلحقه الإثم.
وبما أن الراجح جواز الإيجاب أو القبول لمن كان في المسجد، فلمن كان خارج المسجد أولى بالجواز، ومحل الجواز عدم تشويشه على من في المسجد وعدم إضرارهم وإلا حرم، فعن أبى سعيد قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" أو قال:"في الصلاة" أخرجه أبو داود وأحمد ([105])، وقال ابن الحاج: وهذه المسألة لا يعلم فيها خلاف بين أحد من المتقدمين من أهل العلم أعني منع رفع الصوت بالقراءة والذكر في المسجد مع وجود مصل يقع له التشويش بسببه ا. هـ ([106])، فبما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى رفع الصوت بالعبادة إن أضر به غيره، فلأن يمنع ما هو أدنى منها من باب أولى.

المطلب الثالث: حكم المساومة في المسجد .
المساومة في اللغة: عرض السلعة على البيع([107]).
والمراد بها هنا: المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وفصل ثمنها.
لم أجد من ذكر هذه المسألة سوى المالكية، وهي عندهم على مراتب:
المرتبة الأولى: إن حضرت السلعة والسوام، فهذا حرام، ولعله يدخل في الصورة الأولى من جعل المسجد محلا لتجارته وأنه محرم باتفاق الفقهاء، جاء في مواهب الجليل: واختلف إذا رأى سلعة خارج المسجد هل يجوز أن يعقد البيع في المسجد أم لا قولان من غير سمسار وأما البيع بالسمسار فيه فممنوع باتفاق ا. هـ ([108]).
المرتبة الثانية: إحضار العين في المسجد على غير الوجه المعتاد من الناس([109]) كأن يحضر حاسب محمول أو آنية في المسجد ثم يحصل السوم، فهذا محرم، جاء في منح الجليل: قال الإمام مالك رضي الله عنه لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع فأما أن يساوم رجلا بثوب عليه أو بسلعة تقدمت رؤيته لها فيوجب بيعها , فلا بأس به ا. هـ ([110])، والذي يظهر للباحث أن مدار هذه المرتبة على إحضار سلعة تشغل بقعة من المسجد، أو أن يتخذ المسجد محلا لتجارته ومن أمارات ذلك ما ذكره الباجي من إحضار العين في المسجد على غير الوجه المعتاد، والله أعلم.
المرتبة الثالثة: أن يساوم على سلعة جرت العادة إحضارها في المسجد كأن يحضر هاتفاً محمولاً أو قلماً، فهذه يجوز فيها السوم، وهذه المرتبة عكس المرتبة السابقة.
وأضيف إلى هذه المراتب ما يلي:
المرتبة الرابعة: أن يساوم في المسجد - وهو يقصد ذلك ويتخذه عادة له - ويبرم العقد خارج المسجد، فإن هذا محرم لأنه جعل المسجد محلا لتجارته، ولأنها حيلة على الشرع.
المرتبة الخامسة: أن يساوم في المسجد - ويقع ذلك معه اتفاقاً لا قصداً - ويبرم العقد خارج المسجد، فهذا جائز؛ لأنه يريد أن ينزه المسجد عن البيع والشراء فيه ويخرج من الخلاف في المسألة، ولأن فعله فيه تشريف للمسجد وتنزيهه عن البيع والشراء فيه وليس في فعله انتهاك لحرمة المسجد، وقال محمد العثيمين: المماكسة الأولى تركها؛ لأنها تؤدي إلى البيع لكنها ليست حراماً ا. هـ([111]).

المطلب الرابع: استيفاء الديون وأثمان المبيعات في المسجد .
الأصل في هذه المسألة ما جاء عن كعب رضي الله عنه أنه تقاضى ابن أبي حدرد رضي الله عنه دينا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى: " يا كعب "، قال: لبيك يا رسول الله، قال: " ضع من دينك هذا "، وأومأ إليه؛ أي الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: "قم فاقضه "([112])، وبوب عليه البخاري: باب التقاضي والملازمة في المسجد ا هـ ، قال ابن رجب: مقصود البخاري: الاستدلال بهذا الحديث على جواز تقاضي الغريم لغريمه في المسجد، ومطالبته بدينه، وملازمته له لطلب حقه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك وسمعه ولم ينكره ا. هـ .
حتى من كره أو حرم البيع في المسجد، فإنه يجيز تقاضي الغريم لغريمه في المسجد، قال ابن رجب: ومن كره البيع، فرق بينه وبين التقاضي بأن البيع في المسجد ابتداء لتحصيل المال فيه، وذلك يجعل المسجد كالسوق المعد للتجارة، واكتساب الأموال، والمساجد لم تبن لذلك، ولهذا قال عطاء بن يسار وغيره لمن رأوه يبيع في المسجد: عليك بسوق الدنيا، فهذا سوق الآخرة .
أما تقاضي الدين، فهو حفظ مال له، وقد لا يتمكن من مطالبته إلا في المسجد، فهو في معنى حفظ ماله من الذهاب، وفي معنى التحاكم إلى الحاكم في المسجد ا هـ. ([113])، وقال ابن بطال: وأما ارتفاع صوت كعب وابن أبي حدرد في المسجد، فلما كان على طلب حقٍ واجبٍ، لم يغير الرسول ذلك عليهم، ولو كان لا يجوز رفع الصوت فيه في حق ولا غيره لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بيان ذلك إذ هو مُعَلِّم، وقد فرض الله تعالى عليه ذلك ... فيه: المخاصمة في المسجد في الحقوق والمطالبة بالديون، وقال مالك: لا بأس أن يقضى الرجل الرجل فيه ذهبًا، فأما بمعنى التجارة والصرف فلا أحبه ا هـ ([114])، وروى عبدالرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فأتاه غريم له في مجاوره، فتجازاه حقه؟ قال: "لا بأس به"، قلت: فأتى مجاوره، أيبتاع فيه، ويبيع؟ قال: "لا بأس بذلك"([115]).
وجاء في منح الجليل: جواز قضاء الحق على غير وجه التجر والصرف; لأنه معروف, بخلاف البيع والصرف... أراد بالقضاء المعتاد الذي فيه يسير العمل وقليل العين , وأما قضاء المال الجسيم المحتاج للوزن والنقد وكثرة العمل فإنه مكروه ا هـ ([116]).
وعللوا ذلك بأنه معروف، ولخفة القضاء وقلة ما يُحظِرُ معه ليقضي به الحق، ولقلة المراجعة بين الطرفين([117]).
والذي يظهر للباحث عدم التعارض بين قول عطاء وترجمة البخاري مع قول الإمام مالك؛ لأن قول عطاء والترجمة ذكرت الأصل في قضاء الدين في المسجد وهو الجواز، ورأي مالك بمثابة ضابط لهما.
وقد يقال بالكراهة، قال الخطابي: ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد : من أمور معاملات الناس، واقتضاء حقوقهم ا. هـ ([118]).

المطلب الخامس: حكم إجراء بقية عقود المعاوضات المالية في المسجد.
يختلف حكم إجراء بقية عقود المعاوضات المالية في المسجد عن البيع بحسب قصد الطرفين للعوض، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك "([119])، فأمر بالدعاء عليه بنقيض قصده - وهو التجارة في المسجد -، والتجارة قائمة على قصد الطرفين للعوض، ولهذا يحصل بينهما مماكسة، وشرع لذلك خيار المجلس وخيار الشرط ونحو ذلك من الأحكام التي ترسي العدل بين المتعاقدين، وبناءً على ذلك تنقسم العقود إلى قسمين:
القسم الأول: عقود المعاوضات المالية المحضة: فتأخذ أحكام البيع في المسجد؛ لأن العوض مقصود للطرفين، ولأن البيع أصل لها فتقاس عليه، قال ابن عابدين: (قوله وكل عقد) الظاهر أن المراد به عقد مبادلة ليخرج نحو الهبة تأمل , وصرح في الأشباه وغيرها بأنه يستحب عقد النكاح في المسجد ا هـ ([120])، وعلق عليه الرافعي قائلا: قوله ( الظاهر أن المراد به عقد مبادلة إلخ) كأن ذلك من لفظ عقد، قرنه الإيجاب والقبول والهبة ركنها الإيجاب بالنسبة للواهب، وإن لم يوجد قبول، ولذا حنث في يمينه لا يهب بالإيجاب بدون قبول، أو من كون الهبة من مكارم الأخلاق، وتورث التوادد والائتلاف بين المسلمين، فلم تخرج عن كونها عبادة، والمسجد محل لها تأمل ا. هـ ([121]).
وقال الخرشي في شرحه على خليل: وكذلك يكره البيع والشراء في المسجد حيث كان فيه تقليب ونظر للمبيع , وأما مجرد العقد فهو جائز ولا فرق بين بيع الذوات والمنافع ا. هـ ([122]).
وقال ابن المنذر: وإذ نهي عن البيع والشرى في المسجد ففي معناه أبواب المكاسب كلها ا. هـ ([123]).
وقال النووي: كره الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة وكذا البيع والشراء والإجارة ونحوه من العقود هذا هو الصحيح المشهور ا. هـ ([124]).
وقال في كشاف القناع: ( ولا يجوز التكسب فيه ) أي المسجد ( بالصنعة كخياطة وغيرها قليلا كان ) ذلك ( أو كثيرا لحاجة وغيرها ) وفي المستوعب. سواء كان الصانع يراعي المسجد بكنس أو رش ونحوه أو لم يكن; لأنه بمنزلة التجارة بالبيع والشراء, ( ولا يبطل بهن ) أي: بالبيع والشراء والإجارة والتكسب بالصنعة ( الاعتكاف ) كسائر المحرمات التي لا تخرجه عن أهلية العبادة ( فلا يجوز أن يتخذ المسجد مكانا للمعايش ); لأنه لم يبن لذلك ( وقعود الصناع والفعلة فيه ينتظرون من يكريهم بمنزلة وضع البضائع فيه ينتظرون من يشتريها وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك ) كسائر المحرمات ا هـ. ([125]).

ومن أمثلة عقود المعاوضات المحضة:
1. الصرف: وهو أحد أنواع البيع، ويخرج عليه الخلاف في البيع في المسجد، وتقدم ترجيح جواز المعاملة بضوابط:
أ‌. عدم اتخاذه محلاً للتجارة.
ب‌. ألا يشوش على من في المسجد.
ت‌. ألا يكون كثيراً.
وقال ابن عثيمين - مع ترجيحه بتحريم البيع في المسجد -: إذا وقف عليك فقير وأنت في المسجد، وأردت أن تتصدق بخمسة ريالات، وليس معك إلا فئة عشرة، فهل يجوز أن تقول لهذا الفقير: هذه فئة عشرة وأعطني فئة خمسة، أو لا يجوز؟
الجواب: أن هذه مصارفة ولا شك، ولكنه لم يرد بها التجارة، وإنما أراد بها دفع حاجة أخيه، فهذا جائز ا. هـ ([126]).
2. السلم: ولا يتصور إلا في الصورة الثالثة - وهي أن يتم الإيجاب والقبول في المسجد من دون إحضار سلع - وبعض صور المساومة فيأخذ أحكامها.
3. والاستصناع: إما أن يتم بإيجاب وقبول فقط، أو يتلبس الإيجاب والقبول بالمساومة، فيأخذ أحكامها في مواضعها، أو يزيد على الإيجاب والقبول بفعل ما اتفقا عليه في المسجد، فيأخذ حكم التكسب بالصنعة في المسجد كما سنذكره في المطلب الآتي.
4. الإجارة: وتأخذ حكم البيع في المسجد في جميع صوره، وأما التكسب بالصنعة في المسجد وإن كانت داخلة في [ الإجارة ] إلا أنني أفردتها بالبحث في المطلب الآتي؛ لأهميتها، ولكثرة مزاولة الناس لها، وللحاجة إلى تفصيل الحكم فيها.

المطلب السادس: حكم عمل الصنعة في المسجد والتكسب بها:
الفرع الأول: حكم عمل الصنعة في المسجد من غير تكسب.
مثل النساج والإسكاف والنجار والخياط والكتابة وإقراء القرآن وإصلاح باب المسجد أو مكبرات الصوت الخاصة به ونحو ذلك من الصنائع.
تحرير محل النزاع:
• اتفق الفقهاء على النهي عن عمل الصنعة المتسمة بإحدى السمات الآتية:
1. إضرارها بالمسجد أو تلويثه مثل النجارة ودباغة الجلود.
2. وكذلك الصنعة التي فيها امتهان للمسجد وابتذال له في ذاتها مثل الخياطة والحدادة والحجامة والفصد.
3. أن يحف العمل بها امتهان بالمسجد وازدراء له، مثل: كثرة تردد الناس إليه واجتماعهم عنده لاستئجاره ومعاملته على وجه يزري ونحو ذلك.
لما في ذلك من إزدراء للمسجد وامتهان له واتخاذ المساجد في غير ما بنيت له، ولما فيها من إضرار بالمصلين ونحوهم بمثل هذه الأعمال، وهذه الأصول متفق عليها بين الفقهاء إلا أنهم يختلفون في تحقيق مناطها وتنزيلها على الوقائع والجزئيات.
قال في فتح القدير: ولا يجوز أن تعمل فيه الصنائع لأنه مخلص لله فلا يكون محلاً لغير العبادة، غير أنهم قالوا في الخياط إذا جلس فيه لمصلحته من دفع الصبيان وصيانة المسجد لا بأس به للضرورة، ولا يَدُقُ الثوب عند طيه دقاً عنيفاً ا هـ. ([127]).
قال في البحر الرائق: وإن غسل المعتكف رأسه في المسجد فلا بأس به إذا لم يلوث بالماء المستعمل، فإن كان بحيث يتلوث المسجد يمنع منه; لأن تنظيف المسجد واجب, ولو توضأ في المسجد في إناء فهو على هذا التفصيل ا.هـ. ([128]).
قال الباجي في المنتقى: وأما الكتابة في المسجد ففي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك في ذكر الحق يكتب في المسجد قال: أما الشيء الخفيف فنعم وأما شيء يطول فلا أحبه ولم أرَ له شيئا في كتبة المصاحف في المسجد، وقد كره سحنون تعليم الصبيان في المسجد، ولعله كره ذلك لقلة توقيهم فيه، وأما الرجل المتوقي الذي يصون المسجد ويكتب المصاحف، فظاهره الجواز وإن كان منعه سحنون؛ لأنه عمل ظاهر على صورة الصنائع فيلزم على هذا منع كتابة المصحف فيه ... وأما الخياطة وغيرها من الأعمال الطاهرة التي لا تتعلق بالقرب، فقد قال سحنون: لا يجلس فيه للخياطة. ويلزم أن تكون سائر الأعمال التي تشبه الخياطة على ذلك ا هـ. ([129]).
وجاء في المدخل لابن الحاج: ويتعين عليه أن لا ينسخ في المسجد وإن كان في عبادة ... لأنه في سبب، والأسباب كلها ينزه المسجد عنها، هذا إذا لم يلوثه، فإن توقع ذلك منع وإن كان قليلا ا.هـ. ([130]).
وجاء في الفواكه والدواني: ( ويكره ) على وجه التنزيه ( العمل في المساجد ) حيث لا يمنع مصليا ولا يقذره ( من خياطة ونحوها ) كالنسخ للكاتب , وأما ما يقذره أو يضيق على مصل فيحرم؛ لأن المساجد وضعت للعبادة, وأجيزت القراءة والذكر وتعليم العلم تبعا للصلاة حيث لا يشوش شيء منها على مصل, وإلا منع كما يمنع كل ما يقذر من نحو حجامة أو فصادة أو إصلاح النعالات العتيقة ا. هـ ([131]).
وجاء في أسنى المطالب: ولا يجوز قصد المسجد بالأشياء المستقذرة ا. هـ ([132]).
وجاء فيه كذلك: ( ولا يكره له ) أي للمعتكف ( الصنائع ) في المسجد ( كالخياطة ) والكتابة ( ما لم يكثر ) منها ا. هـ ([133])، فعلق عليها أحمد الرملي قائلاً: ( قوله كالخياطة ) أشار بالتمثيل بها إلى إخراج الحرفة التي تزري بالمسجد ا. هـ ([134]).
وجاء في طرح التثريب: وأنه يكره حمل الصنائع فيه وقال الرافعي في إحياء الموات : إن الجلوس في المسجد للبيع , والشراء والحرفة ممنوع منه إذ حرمة المسجد تأبى اتخاذه حانوتا. وفرق الشيخ عز الدين بن عبد السلام في الفتاوى الموصلية بين الحرف فقال: لا يجوز أن تعمل فيه صنعة خسيسة تزري به قال: وأما الكتابة وغيرها مما لا يزري, فإنه إنما يجوز بشرط أن لا يبتذل ابتذال الحوانيت ا. هـ ([135]).
وجاء في الإنصاف: يحرم التكسب بالصنعة في المسجد, كالخياطة وغيرها, والقليل والكثير والمحتاج وغيره سواء ا.هـ. ([136]).
وجاء في كشاف القناع: (و) يجب أن (يصان) المسجد عن عمل صنعة لتحريمها فيه كما تقدم (ولا يكره اليسير) من العمل في المسجد (لغير التكسب كرقع ثوبه وخصف نعله, سواء كان الصانع يراعي) أن يتعهد (المسجد بكنس ونحوه) كرش (أو لم يكن) كذلك (ويحرم) فعل ذلك (للتكسب كما تقدم إلا الكتابة) ا. هـ ([137]).
• اتفق الفقهاء على جواز إقراء القرآن والكتابة في المسجد([138])؛ لأنه طاعة وعبادة، ولأن المقصود شرف ما يشغل به المسجد([139])، فيشمل ذلك كل عمل فيه منفعة عامة للمسلمين.
فقد جاء في تبيين الحقائق: يكره التعليم فيه بأجر وكذا كتابة المصحف فيه بأجر ا. هـ ([140])، وتنتفي الكراهة إن كان بغير أجر.
وجاء في المنتقى: وأما الكتابة في المسجد ففي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك في ذكر الحق يكتب في المسجد قال أما الشيء الخفيف فنعم وأما شيء يطول فلا أحبه، ولم أر له شيئا في كتبة المصاحف في المسجد، وقد كره سحنون تعليم الصبيان في المسجد، ولعله كره ذلك لقلة توقيهم فيه، وأما الرجل المتوقي الذي يصون المسجد ويكتب المصاحف، فظاهره الجواز وإن كان منعه سحنون؛ لأنه عمل ظاهر على صورة الصنائع فيلزم على هذا منع كتابة المصحف فيه ا. هـ ([141]).
وجاء في أسنى المطالب: (ولا يكره له) أي للمعتكف (الصنائع) في المسجد (كالخياطة) والكتابة (ما لم يكثر) منها ا. هـ ([142]).
وجاء في الآداب الشرعية: قال المروزي سألت أبا عبد الله عن الرجل يكتب بالأجر فيجلس في المسجد فقال أما الخياط وأشباهه فما يعجبني إنما بني المسجد ليذكر الله فيه وكره البيع والشراء فيه، وقال في رواية الأثرم: ما يعجبني مثل الخياط, والإسكاف وما أشبهه، وسهل في الكتابة فيه وقال: وإن كان من غدوة إلى الليل , فليس هو كل يوم ... وظاهر ما نقل الأثرم التسهيل في الكتابة فيه مطلقاً لما فيه من تحصيل العلم وتكثير كتبه، وينبغي أن يخرج على هذا والذي قبله تعليم الصبيان الكتابة في المسجد بالأجرة وتعليمهم تبرعا جائز كتلقين القرآن وتعليم العلم، وهذا كله بشرط أن لا يحصل ضرر بحبر وما أشبه ذلك ا. هـ ([143]).
وقال المهلب: وفيه أن المسجد قد ينتفع به في أمر جماعة المسلمين لغير الصلاة، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع فيه الصدقات وجعله مخزنا لها، وكذلك أمر أن يوضع فيه مال البحرين وأن يبات عليه حتى قسمه فيه، وكذلك كان يقعد فيه للوفود والحكم بين الناس، ومثل ذلك مما هو أبين منه لعب الحبشة بالحراب، وتعلم المثاقفة، وكل ذلك إذا كان شاملا لجماعة المسلمين، وإذا كان العمل لخاصة الناس فيكره مثل الخياطة والجزارة، وقد كره قوم التأديب في المسجد، لأنه خاص، ورخص فيه آخرون لما يرجى من نفع تعلم القرآن فيه ا. هـ ([144]).
وأما إقراء القرآن فيه وتعليم العلم، فالأدلة فيه ظاهرة واضحة على فعله صلى الله عليه وسلم لذلك، وفعل الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يومنا هذا، كقوله صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" رواه مسلم ([145])، وغيره كثير.
• واختلف الفقهاء في حكم فعل غير ذلك من الصنائع والحرف في المسجد التي ينتفع بها آحاد الناس على أقوال:
القول الأول: يباح إن كان يسيرا كأن اتفق قعوده في المسجد فخاط ثوبا، ويكره إن كان كثيرا. وهو مذهب الشافعية([146]) وبعض المالكية([147]) والحنابلة([148]).
القول الثاني: يكره ذلك. وهو مذهب الحنفية([149]) والمالكية([150]) وبعض الحنابلة([151]).
القول الثالث: يحرم ذلك. وهو مذهب الحنابلة([152]) وبعض المالكية([153]).
أدلة القول الأول:
1. عن أم صبية خولة بنت قيس قالت: "كنا نكون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر في المسجد نسوة قد تجاللن([154])، وربما غزلن، وربما عالج بعضنا فيه الخوص، فقال عمر: لأردنكن حرائر([155])، فأخرجنا منه، إلا أنا كنا نشهد الصلوات في الوقت" أخرجه ابن سعد([156]).
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعهم من عمل الصنائع في المسجد، وكذلك لم ينههم أبو بكر رضي الله عنه ولا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وإنما أخرجهم عمر من المسجد لمعنى آخر وليس لمعنى فعل الصنائع فيه.
2. ما ورد عن علي رضي الله عنه في خصفه للنعل في المسجد([157])، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بأنه خاصف النعل في مقام مدح وتشريف، ولو كان خصف علي رضي الله عنه للنعل في المسجد منهياً عنه، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوصف في مقام المدح والتشريف.
3. لأن فعل اليسير يجري مجرى لبس قميصه وعمامته([158])، والفعل الكثير ينافي حرمة المسجد.

أدلة القول الثاني:
1. لأن فيه امتهاناً للمسجد([159]).

أدلة القول الثالث:
1. لأن عمل الصنائع في المسجد تنافي حرمته، وتنافي المقاصد التي بنيت لها المساجد من طاعة الله وعبادته([160]).
2. لأن فيه اشتغالاً بمعيشته، فأشبه البيع والشراء في المسجد([161]).
3. وقد يستدل لهم بما روى أنس بن مالك رضي الله عنه حيث قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مه مه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزرموه دعوه"، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز و جل والصلاة وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه، متفق عليه([162]).
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر وظيفة المساجد من ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة، وعمل الصنائع ينافي ما بنيت المساجد لأجله.
الترجيح: الصواب هو القول الأول - وهو إباحة فعل اليسير وكراهة الكثير -؛ ولأن فعل اليسير ليس فيه انتهاكاً لحرمة المسجد إلا ما ندر، والنادر لا حكم له، ويكره الكثير من ذلك عرفاً؛ لأن فيه انتهاكاً بحرمة المسجد، وقد يرتقي للتحريم إن أكثر وأصر على فعله؛ لأن الإصرار على المكروه يصيره محرماً، قال الشاطبي: وأما المكروهة; فلا إثم فيها في الجملة; ما لم يقترن بها ما يوجبها، كالإصرار عليها، إذ الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، فكذلك الإصرار على المكروه، فقد يصيره صغيرة، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة في مطلق التأثيم، وإن حصل الفرق من جهة أخرى ا. هـ ([163]).

الفرع الثاني: حكم التكسب بالصنعة في المسجد.
اختلف أهل العلم في حكم التكسب بالصنعة - التي تجوز مزاولتها في المسجد - على أقوال أشهرها:
القول الأول: يباح إن كان يسيرا ويكره إن كان كثيرا. وهو قول بعض الحنفية([164]) والمالكية([165]) والشافعية([166]) والحنابلة([167]).
القول الثاني: يحرم ذلك. وهو مذهب الحنفية([168]) والحنابلة([169]) وقول عند المالكية([170]) وعند الشافعية([171]).
واستثنى الحنفية إن كان يحفظ المسجد عن الصبيان والدواب فيجوز للضرورة، ولأجل حفظ المسجد، لا للتكسب؛ فإن الأمور بمقاصدها([172]).
واستثنى الحنابلة والشافعية الكتابة؛ لأنها وسيلة لتحصيل العلم، فهي في معنى المذاكرة والمدارسة([173])، ولما فيها من تحصيل العلم وتكثير كتبه([174]).
القول الثالث: يكره ذلك. وهو مذهب المالكية([175]) والشافعية([176]) وبعض الحنابلة([177]).
واستثنى الشافعية والحنابلة الكتابة([178])؛ لما سبق بيانه.

أدلة القول الأول:
1. عن علي رضي الله عنه قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتاه ناس من قريش فقالوا: يا محمد إنا حلفاؤك و قومك و أنه لحق بك أرقاؤنا ليس لهم رغبة في الإسلام و إنما فروا من العمل فارددهم علينا فشاور أبا بكر في أمرهم فقال: صدقوا يا رسول الله فقال لعمر: ما ترى ؟ فقال مثل قول أبي بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر قريش ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان فيضرب رقابكم على الدين فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل في المسجد، وقد كان ألقى نعله إلى علي يخصفها، ثم قال: أما أني سمعته يقول: لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار([179]).
قال الطحاوي مبينا وجه الدلالة: أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه علياً رضي الله عنه عن خصف النعل في المسجد، وأن الناس لو اجتمعوا حتى يعموا المسجد بخصف النعال كان ذلك مكروها، فلما كان ما لا يعم المسجد من هذا غير مكروه وما يعمه منه أو يغلب عليه مكروها، كان ذلك في البيع وإنشاد الشعر والتحلق فيه قبل الصلاة مما عمه من ذلك فهو مكروه، وما لم يعمه منه ولم يغلب عليه فليس بمكروه والله أعلم بالصواب ا. هـ ([180]).

أدلة القول الثاني:
1. لأن التكسب بالصنعة في معنى البيع، فيأخذ حكمه وهو التحريم.
2. لأن فيه امتهاناً للمسجد وابتذالاً له.
3. لأن المسجد أعد للعبادة دون الاكتساب([181]).
4. لأنه ينافي حرمة المسجد.

أدلة القول الثالث:
لأن التكسب بالصنعة في معنى البيع، فيأخذ حكمه وهو الكراهة([182]).
الترجيح:
الأقرب أن التكسب بالصنعة في المسجد له ثلاث أحوال:
1. يباح إن كان يسيراً؛ لأن اليسير مغتفر في الشريعة، ولأنه لا ينافي حرمة المسجد، بحيث ألا يشعر أحد في المسجد بعقد المبايعة لقلة ما يحصل من المراجعة، وألا تشغل أدواته وآلاته حيزاً من المسجد؛ لأنه منزه عن حقوق العباد.
2. يكره إن كان كثيراً بحيث تكثر المراجعة ويحصل لغط وارتفاع للأصوات، أو شغلت آلاته وأدواته شيئاً يسيراً من المسجد ولم تزاحم المتعبدين والمصلين.
3. يحرم إن جعل المسجد حانوتاً لتجارته أو زاحم أهل المسجد بآلاته وأدواته؛ لأنه جعل المسجد محلاً لتجارته الدنيوية.
لما تقدم ذكره من الأدلة في مسألة البيع في المسجد([183]).
• فإن كان البيع لصالح المسجد، كأن يشتري سجاداً للمسجد أو يصلح مكبرات الصوت أو إنارة المسجد، فهل يجوز إجراء العقد في المسجد؟
قال محمد العثيمين: حتى ولو كان البيع والشراء لصالح المسجد، فإن الظاهر عدم جوازه؛ لأن هذا البائع يريد أن يتجر ا. هـ ([184]).
والذي يظهر للباحث: جواز البيع والشراء لصالح المسجد، حتى مع وجود اللغط وارتفاع الأصوات؛ لأن ذلك من مصلحة المسجد، وفيه انتفاع لعموم المسلمين، قال المهلب: وفيه أن المسجد قد ينتفع به في أمر جماعة المسلمين لغير الصلاة، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع فيه الصدقات وجعله مخزنا لها، وكذلك أمر أن يوضع فيه مال البحرين وأن يبات عليه حتى قسمه فيه، وكذلك كان يقعد فيه للوفود والحكم بين الناس، ومثل ذلك مما هو أبين منه لعب الحبشة بالحراب، وتعلم المثاقفة، وكل ذلك إذا كان شاملا لجماعة المسلمين، وإذا كان العمل لخاصة الناس فيكره مثل الخياطة والجزارة، وقد كره قوم التأديب في المسجد، لأنه خاص، ورخص فيه آخرون لما يرجى من نفع تعلم القرآن فيه ا هـ. ([185]). وفيه معنى إصلاح المسجد وترميمه، والله أعلم.

-----------
([1]) انظر: معجم المصطلحات المالية والاقتصادية لنزيه حماد 328.
([2]) وهي قسمة المنافع على التعاقب والتناوب. انظر: فتح القدير 9/455. شرح حدود ابن عرفة 376. معجم المصطلحات المالية لنزيه حماد 448.
([3]) انظر: المنثور في القواعد الفقهية 3/186.
([4]) انظر: المنثور 3/186. أحكام الرجوع في عقود المعاوضات المالية 1/72- 86.
([5]) 3/186
([6]) هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، روى عن أبيه وجده ومعاوية، توفي في دولة عبد الملك بن مروان. انظر: تهذيب الكمال 12/534. سير أعلام النبلاء 5/181.
([7]) وهو عبد الله بن عمرو على الصحيح من أقوال المحدثين. انظر: سؤالات أبي داود للإمام أحمد 175ـ. الطبقات الكبرى 7/240.
([8]) أبو داود في كتاب الصلاة، باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة 187 برقم 1089. الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية البيع والشراء وإنشاد الضالة والشعر في المسجد 90 برقم 322. النسائي في سننه الصغرى في كتاب المساجد، باب النهي عن البيع والشراء في المسجد وعن التحلق فبل صلاة الجمعة 119 برقم 713. ابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات، باب ما يكره في المساجد 143 برقم 749.
درجته: صححه ابن خزيمة، وحسنه الترمذي والألباني. انظر: صحيح ابن خزيمة 2/560.
([9]) الترمذي في كتاب البيوع، باب النهي عن البيع في المسجد 312 برقم 1321.
درجته: صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال عنه الترمذي: حديث حسن غريب، ورجح البزار والدارقطني إرساله. انظر: البحر الزخار 6/47. صحيح ابن حبان 4/528 . صحيح ابن خزيمة 2/560 . الحاكم في مستدركه 2/65 . العلل الوارد في الأحاديث النبوية للدارقطني 10/64ـ. فتح الباري لابن رجب2/525.
([10]) يُقال : " أنْبَض الرامي القَوْسَِ وعن القوسِ وأنبض بالوتر " : إذا جَذَبه ثم أرسله ليُصوِّت. المغرب في ترتيب المعرب 2/284.
([11]) أي: وضعه متفرقاً في المسجد، قال ابن فارس: النون والثاء والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على إلقاء شيءٍ متفرِّق. انظر: معجم مقاييس اللغة مادة ( نثر ).
([12]) ابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات، باب ما يكره في المساجد 142- 143 برقم 748.
درجته: ضعفه ابن عدي وابن كثير والألباني. انظر: الكامل في الضعفاء 3/202ـ. تفسير القرآن العظيم 3‍‍‍‍‍/275 .
([13]) ابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات، باب ما يكره في المساجد 143 برقم 750.
درجته: ضعفه ابن كثير وابن الملقن والألباني. انظر: تفسير القرآن العظيم 3/275. البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير 9/565.
([14]) الكامل في ضعفاء الرجال 6/263.
درجته: ضعيف؛لأن فيه محمد بن مجيب قال عنه ابن معين : كذاب. وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، انظر: البدر المنير 7/95.
([15]) الجامع لأحكام القرآن 12/270 .
([16]) أخرجه مالك في الموطأ 1/174.
([17]) انظر: المغني 6/383، وبحثت عنه في الآثار والمصنفات فلم أجده.
([18]) أما ما ذكره ابن هبيرة: وأجمعوا على أنه ليس للمعتكف أن يتجر ويتكسب بالصنعة على الإطلاق اهـ، فهذا يختص بعمل المعتكف في اعتكافه وأن ذلك ينافي المقصود من الاعتكاف، وأما كون سبب المنع: النهي عن البيع في المسجد أو انتهاك حرمة المسجد فهذا فيه نظر، مع التنبه أن مقصوده بالإجماع: هو اتفاق المذاهب الأربعة. انظر: اختلاف الأئمة العلماء لابن هبيرة 1/267.
([19]) سنن الترمذي 312.
([20]) فتح الباري لابن رجب 3/347.
([21]) مصنف عبدالرزاق 4/363.
([22]) مصنف عبدالرزاق 4/364.
([23]) أخرجه في مصنفه 4/361.
([24])حاشية ابن عابدين 3/506 - 507.
([25]) وانظر: المبسوط 3/135 . بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 2/187،. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/229. منهاج الراغب إلى إتحاف الطالب262.
([26]) 7/619.
([27]) 1/311.
([28]) المرجع السابق.
([29]) المرجع السابق. وانظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 5/448.
([30]) المجموع شرح المهذب 6/364.
([31]) 2/140.
وعند الشافعية قول بالجواز، ولكنه ضعيف كما ذكر النووي في المجموع 2/141. وانظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي 3/597. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 1/662.
([32]) 3/188.
([33]) انظر: المغني 6/383. المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد 1/232. الفروع 5/195. الإنصاف 3/273. الروض المربع شرح زاد المستقنع 4/444. شرح منتهى الإرادات 2/410.
([34]) بينما ذهب بعض الشافعية إلى كراهية التجارة في المسجد إذا لم يحصل تشويش في المسجد وإلا حرم، قال في نهاية المحتاج 3/220 - 221: ( قوله : وتكره المعاوضة فيه بلا حاجة ) وليس منها ما جرت العادة به من أن من بينهم تشاجر أو معاملة ويريدون الحساب فيدخلون المسجد لفصل الأمر بينهم فيه فإن ذلك مكروه , ومحل ذلك ما لم يترتب عليه تشويش على من في المسجد لكونه وقت صلاة وإلا يحرم ا هـ ، وكذلك ذهب الظاهرية إلى كراهة البيع والشراء في المسجد، ولم أجد لهم كلاماً في حكم التجارة فيه، ولا يخفى ضعف هذا المسلك، وأنه مخالف لنصوص الشريعة ومقاصدها الصريحة في تحريم التجارة في المساجد التي سبق ذكرها، والله أعلم. انظر: المحلى بالآثار 7/571.
([35]) شرح معاني الآثار 4/359.
([36]) انظر المنتقى للباجي 1/311. وجاء فيه: روى ابن القاسم عن مالك في المجموعة لا بأس أن يقضي الرجل الرجل في المسجد دينا فأما ما كان بمعنى التجارة والصرف فلا أحبه فأرخص في القضاء لخفته وقلة ما يحظر منه فأما المصارفة فيحظر كل واحد منه بما يعاوض به وتكثر المراجعة وهذان المعنيان هما المؤثران في المنع ولعله يريد بذلك كثرة اللغط ولم يحظر فيه يسير العمل .... قال القاضي أبو الوليد: وعندي أن قول مالك راجع إلى ذلك وإنما يجوز من كلا الوجهين اليسير إذا انفرد ولعله إذا اجتمعا فإنه يمنع اليسير منهما اهـ.
([37]) انظر: المجموع 6‍‍/363. البيان 3/598. وللشافعي قول بإباحة البيع في المسجد، وضعفه النووي في المجموع، وخرجه بعض الشافعية على وقوعه نادراً في المسجد قال السرخسي: في البيع والشراء للمعتكف نصان مختلفان وللأصحاب فيهما طريقان ( أحدهما ) في كراهته قولان ( والثاني ) أنهما على حالين فإن اتفق البيع نادرا لم يكره , وإن اتخذه عادة منع منه اهـ، وبهذا الجمع الذي ذكره السرخسي لم أفرد قول الشافعي بالإباحة، بل ضمنته هذا القول، والله أعلم بالصواب. انظر المجموع: 2/203، 6/363.
([38]) المنتقى 1/311.
([39]) أي المنكرات التي ألفها الناس.
([40]) إحياء علوم الدين 2/337.
([41]) انظر: المنتقى 1/113.مواهب الجليل لشرح مختصر خليل 7/619. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 5/448.
([42]) الحاوي الكبير257/3. البيان 3/597. المجموع 6/364. مغني المحتاج 1/662.
([43]) انظر: المحلى 7/572.
([44]) انظر: المغني 6/383. الإنصاف 3/273-274.
([45]) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 5/448. مواهب الجليل على مختصر خليل 7/619.
([46]) انظر: المبسوط 3/135. بدائع الصنائع 2/187. تبيين الحقائق 2/229. حاشية ابن عابدين 3/506.
إلا أنهم يقولون بأنه مكروه تحريما، وهذا يرادف المحرم عند جمهور الفقهاء، ويفرق الحنفية بين المحرم والكراهة التحريمية بأن المحرم ما ثبت بطريق قطعي، وأما الكراهة التحريمية ما ثبتت بطريق ظني، والخلاف بين الفريقين لفظي فيما يظهر والله أعلم.
انظر: البحر المحيط للزركشي 1/297. الخلاف اللفظي عند الأصوليين 1/217.
([47]) انظر: الفروع 5/195. الإنصاف 3/273. شرح منتهى الإرادات 2/410. كشاف القناع 2/366. الروض المربع 4/444.
([48]) انظر: المنتقى شرح الموطأ 1/311. مواهب الجليل لشرح مختصر خليل 7/619.
([49]) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 4/359 من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني ويحيى بن عبدالحميد الحماني عن شريك عن منصور عن ربعي عن علي، واللفظ له.
وفي رواية أخرى: "هو خاصف النعل" ليس فيها ذكر [ المسجد ]، أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه 11/140 - 141، والترمذي في سننه في باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه 842 - 843 برقم 3715، كلاهما من طريق شريك عن منصور عن ربعي عن علي.
وكذلك رواها الطبراني في معجمه الأوسط 4/158 عن قيس بن رمانة عن أبي بردة عن ربعي عن علي.
وكذلك رواها الخطيب في تاريخه، وابن عساكر في تاريخه عن قيس بن مسلم وأبو كلثوم عن ربعي عن علي.
وفي رواية أخرى: "خاصف النعل في الحجرة" بدلاً من [ المسجد]، أخرجها البزار في مسنده 3/118 والقطيعي في فضائل الصحابة للإمام أحمد 2/649 من طريق شريك عن منصور عن ربعي عن علي.
وكذلك رواها البزار في مسنده 3/119 من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن منصور عن ربعي عن علي.
وفي رواية أخرى: لم يذكر الحوار بينه صلى الله عليه وسلم وبين الصحابة ونصها: [ "ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا" وأبى أن يردهم وقال: "هم عتقاء الله عز وجل" ] أخرجها أبو داود في سننه في كتاب الجهاد، باب في عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون 476 برقم 2702 من طريق أبان بن صالح عن منصور عن ربعي عن علي.
درجته: أما الرواية الأولى: [ خاصف النعل في المسجد ] فقد صححها الطحاوي والحاكم في مستدركه 2/149 ووافقه الذهبي وحسنها شعيب الأرناؤوط.
وأما الرواية الثانية: [ خاصف النعل ] فقد صححها الحاكم في مستدركه 4/323، وصححها ابن جرير كما في كنز العمال 13/173، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب اهـ، وضعفه الألباني إلا الجملة الأخيرة [ من كذب علي متعمدا ... ] فهي متواترة، كما في حكمه على سنن الترمذي، وقال في السلسة الصحيحة 5/642: وإسناده حسن إن كان الفيدي قد حفظه ... ثم وجدت له طريقا أخرى عن ربعي، يتقوى بها، يرويه شريك عن منصور عنه عن علي ... قلت: شريك سيء الحفظ ولكنه يصلح للاستشهاد به والتقوية وقد تابعه أبان بن صالح، عن منصور بن المعتمر به. أخرجه أبو داود اهـ.
وأما الرواية الثالثة: [ خاصف النعل في الحجرة ]، ولكن وردت أحاديث في خصف علي رضي الله عنه لنعل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن منكم من يقاتل على تأويله، كما قاتلت على تنزيله " قال: فقام أبو بكر، وعمر فقال: " لا ولكنه خاصف النعل "، وعلي يخصف نعله، رواه أحمد في مسنده 17/391، وصححه ابن حبان والحاكم والهيثمي والألباني والأرناؤوط. انظر: صحيح ابن حبان 15/385. مستدرك الحاكم 3/132. مجمع الزوائد 5/186. السلسة الصحيحة 5/639.
فقد يحكم على الرواية الأولى بشذوذها ونكارتها لمخالفتها لهذه الرواية، ولكن دفع ذلك الطحاوي قائلاً في شرح مشكل الآثار 10/245: فقال قائل: الحديثان جميعا إنما كانا في معنى واحد، وقد دل على ذلك وصفه الرجل الذي ذكره بخصف النعل، ولكن الرواة لم يضبطوه، فجاءوا به على ما جاءوا به مما جعلته أنت من أجل ذلك حديثين مختلفين فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن الأمر لم يكن في ذلك كما توهم؛ لأن رواة الحديثين جميعا عدول في أنفسهم، وفقهاء في دين ربهم، وأثبات في أحاديث نبيهم صلى الله عليه وسلم، وفصحاء في لغاتهم يعرفون ما خوطبوا به؛ لأنهم خوطبوا بلغتهم؛ ولأنهم الفهماء بأمور دينهم، والناقلون إلينا ما سمعوه من نبيهم، وممن سمعه منه رضوان الله عليهم وأما خصف النعل، فقد يجوز أن يكون في يومين مختلفين، وذلك أولى ما حملت عليه الروايات حتى لا تتضاد ا.هـ.
وأما الرواية الرابعة: فقد صححها ابن جرير والألباني. انظر: كنز العمال 10/473.
([50]) شرح معاني الآثار 4/359.
([51]) انظر: بدائع الصنائع 2/187.
([52]) أحكام الاعتكاف 272.
([53]) فتح الباري لابن حجر 1/712.
([54]) تقدم تخريجه.
([55]) وهو مذهب المالكية والشافعية، بينما ذهب الحنفية والحنابلة إلى قصر التعزير على فعل المحرمات وترك الواجبات. انظر: حاشية ابن عابدين 4‍‍‍‍/67. تبصرة الحكام 2/289. تحفة المحتاج 9/178.كشاف القناع 6/125.
([56]) انظر: كشاف القناع 2/366.
([57]) المنتقى شرح الموطأ 1/311.
([58]) انظر: صحيح ابن حبان 4/528.
([59]) فتح الباري لابن حجر 1/712.
([60]) البخاري في كتاب الصلاة، باب التقاضي 1/99 برقم 457 واللفظ له. مسلم في كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين 3/1192 برقم 1558.
([61]) فتح الباري لابن رجب 3/348.
([62]) وقد ذكر أهل العلم عللاً أخرى. انظر صفحة 66.
([63]) انظر الذخيرة 8/24.
([64]) أي: يسيل.
([65]) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم 1‍/100 برقم 463، واللفظ له. وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب، باب باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم 3/1389 برقم1769.
([66]) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، باب أصحاب الحراب في المسجد 1/98 برقم 454، واللفظ له. وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد 2/607 برقم 892.
([67])انظر صفحة 76.
([68]) وذكر القرافي في الذخيرة هذه القاعدة، وذكر من فروعها جواز بيع اليسير في المسجد. انظر: الذخيرة 8/24.
([69]) وهي المدونة.
([70]) وهو من كتب المالكية، ألفه محمد بن محمد، المعروف: بابن عرفة الورغمي، التونسي، ألفه في تسعة أسفار، توفي سنة 803هـ. انظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون 2/1582.
([71]) 1/311.
([72]) المنتقى 1/311. شرح خليل للخرشي 7/72. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 5/448
([73]) انظر: المجموع 6/364. مغني المحتاج 1/662.
([74]) انظر: المغني 6/383. الإنصاف 3/273-274. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام 2/565.
([75]) انظر: مواهب الجليل لشرح مختصر خليل 7/619. منح الجليل شرح مختصر خليل 8/90.
([76]) انظر: البحر الرائق 2/326. حاشية ابن عابدين 3/506.
([77]) انظر: الفروع 5/195. الإنصاف 3/273.
([78]) قال ابن مفلح في تفسير هذه الرموز: وما وافقنا عليه الأئمة الثلاثة، أو كان الأصح في مذهبهم (و)، وخلافهم (خ) اهـ. الفروع مع تصحيحه 1/6.
([79]) انظر: شرح البخاري لابن بطال 2/105.
([80]) فتح الباري لابن حجر 1/712. وكذلك نقل الإجماع الماوردي والحافظ العراقي، انظر: نيل الأوطار 3/582.
([81]) انظر: المغني 6/383.
فإن قيل: قال المرداوي : قلت قاعدة المذهب تقتضي عدم الصحة اهـ - والمقصود بالقاعدة هي قاعدة استنباط الأحكام في المذهب - حيث أن النهي يقتضي الفساد؛ لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار وأن تنشد فيه الضالة وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة"، والنهي إذا عاد إلى ذات المنهي عنه اقتضى التحريم والفساد، وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة: إذا ورد النهي عن السبب الذي يفيد حكما، اقتضى فساده مطلقا، يعني سواء كان النهي عنه لعينه أو لغيره، في العبادات أو في المعاملات، وذلك كالنهي عن بيع الغرر وعن البيع وقت النداء وفي المسجد ... فإنه يقتضي الفساد في ذلك كله، على خلاف في بعضه اهـ 2/430 - 431، وممن ذكر بطلان العقد القاضي أبو يعلى وابن هبيرة وعبدالحليم بن تيمية وهو مذهب متأخري الحنابلة.
فيجاب عنه من جهتين:
الجهة الأولى: فمن الناحية النظرية، وذلك من شقين:
1. أن القاعدة في المذهب: أن النهي يقتضي الفساد لعينه أو لغيره إلا بدليل يصرفه عن ذلك. كما في شرح مختصر الروضة للطوفي 2/430 - 431، وقد ورد الدليل على صحة العقد من قوله صلى الله عليه وسلم: "وقولوا لا أربح الله تجارتك"، ولم يخبر صلى الله عليه وسلم بفساد البيع كما ذكر ذلك ابن قدامة - إمام المذهب الحنبلي في الفقه وأصوله - في المغني، فإن لم يعتبروا هذه القرينة - مع قوتها ووضوحها - صارفة عن فساد المنهي عنه - ولعل المرداوي يقصد ذلك - فكما قال المرداوي من اقتضاء النهي الفساد على أصول المذهب الحنبلي.
2. أن النهي لا يعود إلى ذات الفعل، بل إلى محل خارج عنه، وهذا لا يقتضي الفساد قال ابن رجب: وإن عاد - أي التحريم - إلى ما ليس بشرط فيها ففي الصحة وجهان واختار أبو بكر عدم الصحة وخالفه الأكثرون اهـ وقد تخرج هذه المسألة على مسألة النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة بناء على اشتراط كون المكان - الذي جرى فيه المعاملة أو العبادة - مباحا، فمن اشترط ذلك جعل النهي الوارد يشمل صلب العقد كما يفهم من كلام أبي يعلى، ومن لم يشترطه جعل النهي الوارد خارج عن محل العقد، والله تعالى أعلم. انظر: العدة في أصول الفقه 1/268 وما بعدها. التمهيد في أصول الفقه 1/369 وما بعدها. روضة الناظر وجنة المناظر 1/213 وما بعدها وَ 2/652 وما بعدها. المسودة في أصول الفقه لآل ابن تيمية 1/224 وما بعدها. شرح مختصر الطوفي 2/430 وما بعدها. المختبر المبتكر شرح مختصر التحرير في أصول الفقه ( شرح الكوكب المنير ) 3/84 وما بعدها. تقرير القواعد وتحرير الفوائد 1/51 وما بعدها.
الجهة الثانية: فمن الناحية التطبيقية، أن الإمام أحمد جوز التكسب بالكتابة في المسجد - وسيأتي كلام سعد الحراني والرد عليه - وهذا يدل على عدم عمله بتلك القاعدة لوجود الصارف الذي ذكرناه.
ثم إن قواعد المذهب في التخريج تقتضي صحة العقد للآتي:
1. وردت رواية عن الإمام أحمد في جواز بيع المعتكف وشرائه لما لا بد له منه، ومن المعلوم أن المعتكف يكون ملازماً للمسجد، وهذا يقتضي صحة العقد في المسجد من باب أولى.
فإن قيل: معنى هذه الرواية أنه يجوز له الخروج من المسجد للبيع والشراء.
يجاب عليه: بأن هذا يخالف الظاهر من الرواية، أو أن الرواية تشمل الحالتين معا ( الخروج من المسجد للبيع والشراء أو فعل ذلك في المسجد ).
2. أن القول بعدم صحة العقد هو وجه مخرج في المذهب، ومن موانع التخريج في المذهب ما قاله المرداوي: إذا أفضى النقل والتخريج إلى خرق الإجماع، أو رفع ما اتفق عليه الجم الغفير من العلماء، أو عارضه نص كتاب أو سنة امتنع النقل والتخريج. قاله في آداب المفتي. اهـ تصحيح الفروع 1/43. ولا يخفى عليك أن القول ببطلان العقد فيه خرق للإجماع أو في أقل أحواله رفع ما اتفق عليه الجم الغفير من أهل العلم.
3. البيع في المسجد قرين للتكسب بالكتابة في المسجد، والأولى أن نصحح عقد البيع نقلا وتخريجا على رواية الإمام أحمد في صحة عقد التكسب بالكتابة في المسجد؛ لأن الأول بيع للأعيان والثاني بيع للمنافع.
والخلاصة: أن القول بإبطال العقد ضعيف جدا، لاسيما وأن المذهب عند المتوسطين هو صحة العقد، قال ابن قدامة في الكافي 237: وليس للمعتكف بيع ولا شراء إلا لما لابد له منه كالطعام ونحوه اهـ والله تعالى أعلم بالصواب.
([82]) أما خروجه لبيع وشراء ما يحتاجه فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جوازه، ومنع منه الحنفية والحنابلة في قول. انظر: حاشية ابن عابدين. المدونة 1/299. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/546. منح الجليل شرح مختصر خليل 2/174. مغني المحتاج 1/664 . الفروع 5/195. كشاف القناع 2/359.
([83]) انظر: المراجع في المسألة السابقة.
([84]) شرح معاني الآثار 4/359.
([85]) انظر المنتقى للباجي 1/311. وجاء فيه: روى ابن القاسم عن مالك في المجموعة لا بأس أن يقضي الرجل الرجل في المسجد دينا فأما ما كان بمعنى التجارة والصرف فلا أحبه فأرخص في القضاء لخفته وقلة ما يحظر منه فأما المصارفة فيحظر كل واحد منه بما يعاوض به وتكثر المراجعة وهذان المعنيان هما المؤثران في المنع ولعله يريد بذلك كثرة اللغط ولم يحظر فيه يسير العمل .... قال القاضي أبو الوليد: وعندي أن قول مالك راجع إلى ذلك وإنما يجوز من كلا الوجهين اليسير إذا انفرد ولعله إذا اجتمعا فإنه يمنع اليسير منهما اهـ.
([86]) انظر: المجموع 6‍‍/363. البيان 3/598.
([87]) انظر: المنتقى 1/113.مواهب الجليل لشرح مختصر خليل 7/619. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 5/448.
([88]) الحاوي الكبير257/3. البيان 3/597. المجموع 6/364. مغني المحتاج 1/662.
([89]) انظر: المغني 6/383. الإنصاف 3/273-274.
([90]) انظر: الفروع 5/195. الإنصاف 3/273. شرح منتهى الإرادات 2/410. كشاف القناع 2/366. الروض المربع 4/444.
([91]) انظر: المنتقى شرح الموطأ 1/311. مواهب الجليل لشرح مختصر خليل 7/619.
([92]) انظر: المبسوط 3/135. بدائع الصنائع 2/187. تبيين الحقائق 2/229. حاشية ابن عابدين 3/506.
قال ابن نجيم: دل تعليلهم أن المبيع لو كان لا يشغل البقعة لا يكره إحضاره كدراهم ودنانير يسيرة , أو كتاب ونحوه ا هـ . انظر: تبيين الحقائق 2/229.
([93]) انظر: أحكام القرآن للجصاص 1/310.
([94]) انظر: العناية شرح الهداية 2/397. تبيين الحقائق 2/229.
([95]) انظر:‍ مجمع الأنهر في شرح ملتقى البحر 257/1.
([96]) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين 2/408 . قواعد الوسائل في الشريعة 311.
([97]) 1/293.
([98]) 2/421.
([99]) 3/1350.
([100]) الآداب الشرعية 3/379.
([101]) 1/213.
([102]) 6/364.
([103]) 2/362.
([104]) انظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام 2/566.
([105]) أبو داود في كتاب التطوع، باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل 229 برقم 1334 واللفظ له. وأحمد في مسنده 18/392.
درجته: صححه ابن خزيمة والحاكم والألباني والأرناؤوط. انظر: صحيح ابن خزيمة 2/190، المستدرك 1/454.
([106]) المدخل 1/106.
([107]) انظر: معجم مقاييس اللغة مادة ( سوم ). لسان العرب مادة ( سوم ).
([108]) 7/619.
([109]) المنتقى للباجي 1/311.
([110]) 8/90.
([111]) فتح ذي الإجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام 2/471.
([112]) تقدم تخريجه.
([113])فتح الباري لابن رجب 3/348.
([114]) شرح صحيح البخاري 2/106.
([115]) مصنف عبدالرزاق 4/363.
([116]) 8/86 - 87.
([117]) انظر: المنتقى للباجي 1/311.
([118]) شرح السنة للبغوي 2/375.
([119]) تقدم تخريجه.
([120]) حاشية ابن عابدين 2/526.
([121]) المصدر السابق.
([122]) 7/72.
([123]) الأوسط في السنن والإجماع والخلاف 5/126.
([124]) المجموع 2/141.
([125]) 2/367.
([126]) فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام 2/569.
([127]) 1/422.
([128]) 2/327.
([129]) 1/311
([130]) 4/85
([131]) 2/335.
([132]) 1/186.
([133]) 1/434
([134]) 1/434.
([135]) 2/140.
([136]) الإنصاف 3/274.
([137]) 2/367.
([138]) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/229. منح الجليل شرح مختصر خليل 8/87. حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 2/484. أسنى المطالب 1/186. مغني المحتاج 1/662. كشاف القناع 2/367.
قلت: ولعلهم يقصدون التمثيل على كل عمل ينتفع به المسلمون في دينهم مما لا يزري بالمسجد ولا يعد امتهانا له.
([139]) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 3/220.
واستثنى المالكية - على تفصيل عندهم - والحنابلة في قول لهما المعتكف، فيكره له الاشتغال بالإقراء أو التعليم أو الكتابة.
ولكن كراهتهما لذلك من أجل الاعتكاف، وليس من أجل المسجد. انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/548 - 549. منح الجليل شرح مختصر خليل 2/174.الفروع 5/191.
([140]) 2/229.
([141]) 2/311.
([142]) 1/434
([143]) 4/28 نقلته بتصرف.
([144]) شرح ابن بطال 3/533.
([145]) صحيح مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة الاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر 4/2074 برقم 2699.
([146]) انظر: المجموع 6/364. أسنى المطالب 1/186. مغني المحتاج 1/662.
([147]) انظر: المنتقى 2/311. الذخيرة 13/345.
([148]) انظر: المغني 4/479. الفروع 7/400. وعندي أن هذا القول قد جمع روايات الإمام أحمد، ففي رواية حرب: سئل الإمام أحمد عن العمل في المسجد نحو الخياطة وغيره , فكأنه كراهة ليس بذلك التشديد اهـ، ورواية الأثرم: ما يعجبني مثل الخياط والإسكاف وشبهه , وسهل في الكتابة فيه وقال وإن كان من غدوة إلى الليل , فليس هو كل يوم اهـ. انظر: الآداب الشرعية 4/28.
([149]) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/229.
([150]) انظر:منح الجليل شرح مختصر خليل 8/87. حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 2/484.
([151]) انظر: الفروع 5/196.
([152]) انظر: الكافي لابن قدامة 237. المحرر للمجد بن تيمية 1/232. الفروع 5/196. كشاف القناع 2/367.
([153]) انظر: منح الجليل شرح مختصر خليل 8/87. حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 2/484. وقال بعض المالكية: يمنع فعل الصنائع الخاصة, فأما العامة للمسلمين في دينهم مثل المثاقفة ( وهي تسوية الرماح بأداة من خشب أو حديد ) وإصلاح آلات الجهاد مما لا مهنة للمسجد في عمله فيه فلا بأس به اهـ فهذا القول يحتمل دخوله في القول الثالث؛ لأن الشق الأول منه يدل على تحريم الصنائع الخاصة، وأما الشق الثاني فهو داخل في القسم الذي اتفق الفقهاء على جوازه، ويحتمل أنه قول مستقل بذاته، والأقرب: الاحتمال الأول، ولذا لم أفرده بالذكر، والله أعلم بالصواب.
([154]) أي كبرن في السن، قال ابن الأثير في النهاية: أي كَبِرْنَ اهـ، وقال الزمخشري في الفائق: اسْننَّ. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 161. الفائق في غريب الحديث 1/229.
([155])أي لألْزمنَّكُنّ البيوت فلا تخرجن إلى المسجد؛ لأن الحجاب إنما ضُرب على الحرائر دون الإماء. انظر: النهاية 161. الفائق 1/229.
([156]) كتاب الطبقات الكبير 8/269.
درجته: ضعفه ابن رجب؛ لأن فيه الواقدي . انظر: فتح الباري لا بن رجب2/449.
([157]) تقدم تخريجه.
([158]) المغني 4/479.
([159]) انظر: الفروع 5/197.
([160]) انظر: الكافي لابن قدامة 237.
([161]) انظر: المغني 4/479.
([162]) مسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها 1/263 برقم 285 واللفظ له. البخاري نحوه في كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله 8/12 برقم 6025.
([163]) الإعتصام 223. وانظر: إحياء علوم الدين 2/283. الموافقات 3/ 294- 295.
([164]) انظر: شرح معاني الآثار 4/359.
([165]) انظر: المنتقى للباجي 1/311
([166]) انظر: المجموع 6‍‍/363. البيان 3/598.
([167]) انظر: الفروع 7/400.
([168]) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/229. الفتاوى الهندية 1/110.
([169]) انظر: الكافي في لابن قدامة237. المحرر لابن تيمية 1/232. الفروع 5/195. الإنصاف 3/274. كشاف القناع 2/366.
([170]) انظر: حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 2/485.
([171]) انظر: أسنى المطالب 1/186.
([172]) غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر4/56.
([173])انظر: الفروع 7/400 . كشاف القناع عن متن الإقناع 2/367. الآداب الشرعية والمنح المرعية 4/28. جاء في الآداب الشرعية لابن مفلح: قال حرب : سئل الإمام أحمد عن العمل في المسجد نحو الخياطة وغيره , فكأنه كراهة ليس بذلك التشديد. وقال المروذي: سألته عن الرجل يكتب بالأجرة فيه قال: أما الخياط وشبهه فلا يعجبني, إنما بني لذكر الله تعالى , وقال في رواية الأثرم: ما يعجبني مثل الخياط والإسكاف وشبهه , سهل في الكتابة فيه وقال وإن كان من غدوة إلى الليل, فليس هو كل يوم، قال القاضي سعد الدين الحراني من أصحابنا خص الكتابة لأنها نوع تحصيل للعلم في معنى الدراسة وهذا يوجب التقييد بما لا يكون تكسبا وإليه أشار بقوله فليس ذلك كل يوم انتهى كلامه اهـ وعقبه ابن مفلح: وظاهر ما نقل الأثرم التسهيل في الكتابة فيه مطلقا، لما فيه من تحصيل العلم وتكثير كتبه اهـ. الآداب الشرعية 4/28، ولعل الإمام أحمد يشير إلى أن التكسب بالكتابة في زمانهم - لا يخل بحرمة المسجد لأنه - ليس بمستمر أو دائم ولهذا قال: وإن كان من غدوة إلى الليل فليس ذلك كل يوم اهـ، ولحاجتهم إليه في كتابة العلم والحديث.
([174]) وخرج الحنابلة على هذه المسألة جواز تعليم الصبيان الكتابة فيه بالأجر. انظر: الآداب الشرعية4/28. كشاف القناع 2/367.
([175]) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي 7/72.
([176]) انظر: أسنى المطالب 1/186. مغني المحتاج 1/662.
([177]) انظر: الفروع 5/195. الإنصاف 3/274.
([178]) انظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج 6/222.
([179]) تقدم تخريجه.
([180])شرح معاني الآثار 4/359.
([181]) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/230.
([182]) انظر: مغني المحتاج 1/662
([183]) انظر: صفحة رقم107.
([184]) فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام 2/565.
([185]) شرح ابن بطال 3/533.

8 + 0 =