17 شعبان 1435

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا ولله الحمد امرأة ناجحة في كل ميادين حياتي من فضل ربي، الذي أنعم علي بأكثر مما كنت أتمناه وأستحقه، ومع أنني تعرضت لظروف قاسية وأنا صغيرة، سواء على المستوى الصحي، أو الاجتماعي، أو المادي، إلا أن هذه الظروف قد وثَّقت صلتي بربي بحبل متين، وشخصيتي تتمتع بمجموعة مميزات منها اتساع أفق خيالي، وهذا قد حفزني على العمل والنجاح، وحتى العبادة، فكنت أتخيل الجنة والنار والقبر وكل شيء، أما ميزتي الثانية فهي خفة دمي، فانا مرحة بشهادة الجميع، وعندي القدرة على تحويل أشد الهموم إلى دعابة، مما حبَّبني إلى زوجي، ولغاية اليوم هو يحمل لي الكثير من التقدير، والمودة، والمحبة، ومع أنه مر على زواجنا 10 سنوات، وأنجبت له ثلاثة بنات ولم أنجب له ذكورا، إلا أنني ما زلت غالية عنده وكل طلباتي أوامر، ولكن مشكلتي أنني بعد مروري من ظروف صعبة وانتقالنا إلى بلد آخر لا اعرف فيه أحدا، بدأت تسيطر علي أحلام اليقظة بدرجة كبيرة فصلتني عن الواقع، وقد حاولت التخلص منها بالكتابة، إلا أنني لم أجد من يقرأ لي أو يتفاعل مع كتاباتي، فبدأت أشعر بالإحباط، وقمت بنشر بعض قصصي التي كتبتها على مواقع بالانترنت، وصرت أتقمص الشخصيات التي كنت أكتب عنها على أرض الواقع، أمام أشخاص لا يعرفونني، فمنحني هذا شعورا بقمة السعادة، ولحياتي معنى رائعا، فتماديت في هذا الخيال وصرت كل يوم أتقمص شخصية جديدة وأعيش معها، مع إدراكي بأن هذه السعادة التي أشعر بها مجرد تمثيل وليست حقيقية، وحاولت التخلص من هذا الخيال وأحلام اليقظة فباءت محاولاتي كلها بالفشل، فجربت طرق العلاج بالطاقة، وتقنية الحرية النفسية، وبعد سنة كاملة نجحت في الرجوع إلى الواقع، ولكن صدمت عند مواجهته ووقع علي كجبل من الصخر، وتملكتني المخاوف والوساوس من المستقبل، وذهبت شجاعتي، وفقدت بريق شخصيتي، وبدأت أشعر بالاكتئاب والخوف من كل شيء، وكلما تذكرت كيف كنت أكلم الناس بتلك الشخصيات المتعددة التي كنت أتقمصها، بكل استفاضة لا تجدر بي، ينتابني الخوف، ويتهيأ لي بأن جميع الناس تعرف قصة تقمُّصي للشخصيات، وزوجي قد يطلع عليها فيحتقرني واسقط من عينه، وقد يؤثر هذا المشكل سلبا على حياتي الزوجية، ويحطم سعادتي مع زوجي، علما بأنني لم أرتبط بأي علاقة حب أو أي علاقة خاصة مع أي شخص، ولو حاول أحدهم بأن يتمادى معي ألغيه نهائيا، ومع ذلك فأنا أعلم أن ما كنت أفعله لا يليق بي، وخاصة وان مجتمعنا شرقي ولن يرحمني أو يتفهم مشكلتي، وأنا أصلي وابكي، وأشعر بأن الله لن يغفر لي ما كنت أفعله، وأخشى انفضاح أمري، فأرجوكم ساعدوني..

أجاب عنها:
صفية الودغيري

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أختي السائلة الكريمة، بداية أقدِّر مشكلتك التي تعانين منها، وما ينتج عنها من إحباطات وانْكسارات..
وأرى أن مشكلتك الأساسية تتلخص فيما يلي:
ـ اتساع أُُفق خيالِك ومساحة أحلاِمك، وتأثيرُها السِّلبي على شخصَِِّيتك وطريقة تفكيرِك، وممارساتك اليومية على أرض الواقع..
ـ تعرُّضِك لظروف صعبة، وانتقاِلك إلى بلد آخر، نتج عنه ارتباطِك الشَّديد بأحلام اليقظة وانفصالِك عن الواقع..
ـ تماديك في حالة من التَّخَيُّل والبعد عن الواقع، إلى حدِّ تقَمُّصِك لشخصيات ـ مقتبسة من قصصِك التي تكتبينها ـ على أرض الواقع، وأمام أشخاص غرباء، لا يعرفون شيئا عن شخَِّصِيَّتِك الحقيقِيَّة..
ـ تخلُّصك من حالة التقمُّص ورجوعِك إلى الواقع، سبَّب لك صدمة نفسية، وشعوِرك بالإحباط وتأنيب الضَّمير، وخوفك من انهيار حياتك الزوجية إذا عرف زوجك مشكلة تقمصك لشخصيات أمام غرباء وبشكل لا يليق بك..
ومن الحلول التي أقدمها لأختي الكريمة ما يلي:
بداية أنبِّهَك أحتي الكريمة ـ حفظك الله ـ إلى تشخيص حالتك فهذا سيساعدك في إيجاد حلول لمعاناتك:
أولا: إن الاستغراق حالة التخيُّل وأحلام اليقظة التي تعانين منها قد فسَّرها كثير من علماء النفس على أنها عبارة عن وسيلة يلجأ إليها بعض الأشخاص لحماية النفس من الأزمات التي تعجِز عن مواجهَتِها، وردْع المشاعر السِّلبية التي تتسبَّب في الإصابة بحالات الاكتئاب والإحباط النَّفسي، وما ينتج عنها من قلق، وتوتُّر، وخوف، وشعور بالحزن، واليأس، ومشاعر الألم..
ولذلك يستجيبون لسلطة الخيال وإعمالِ الذِّهن لتنشيطِ الذَّاكرة وأحلامِ اليقظة، لأنها وسيلة لإشباع رغباتِهِم وملذَّاتِهِم المكبوتَة، وتلبية احْتياجاتِهِم النَّفسِيَّة والعاطفِيَّة، ولأنها الحلُّ البديل في غيابِ الحلولِ المُمْكِنَة لتحقيق أحلامِهم المُؤَجَّلة، وتطلُّعاتهم التي اسْتحالَ عليهم تحقيقُها بالطُّرق المشروعة على أرض الواقع، ووسيلة إِسْعافٍ نَّفسيَّة تخلِّصُهم من أسبابِ معاناتهِم وتحرِّرهم من قيودِها المنغِّصَة، والحلُّ المنقِذ لوجودهم وحياتهم وعيشِهِم في أمن وسلام، ولو كان سلاما وهميًّا للهروب من مواجهتهِم لفشلهِم، وهزيمتِهٍِم، وفقدهِم لثقتهِم بأنفُسِهِم ومؤهِّلاتهِم، وعجزهِم عن تحقيق أهدافهِم،،والتَّأقلُم مع واقعِهِم وظروفِ حياتهِم ومحيطِهم، فهي أشْبَه بالمُسَكِّن للألم، والمخدِّر الذي يغيِّب الشخص عن وعيِِه حتى لا يشعر بما يحدُث حولَه..
وهذا الإغراق في حالة التَّخَيُّل والانْشِغال بأحلام اليقظة، يصيب الشخص بالشُّرود الذِّهني المستمر، والانطواء على نفسه، وما يشبه أعراض مرض التوحُّد، فينعزل تدريجيًّا عن وسطه الأسري والاجتماعي، وعن مواجهةِ واقعِه، ومشاكله، والْتزاماته، وواجباته، إلى أن ينفصِل نهائيا عن الواقع وعن حرَكِيَّة الحياة الواقعِيَّة وأحداثِها المتلاحِقَة..
ثانيا: إن حالة التخيل وأحلام اليقظة التي كنت تعانين منها ـ أختي الكريمة ـ كانت في بدايتها عاملاً إيجابياًّ مقوِّيًا ومنشِّطًا لشخصيتك، ومحفِّزًا لتوثيق صلتِك بربِّك، وإتقانِ عبادَتِك وعَمَلِك، وشحْذِ همَّتك للإنجاز، والتخطيط لِمستقبلِك، وتحقيق النجاح بحياتك..
إلا أن الظُّروف القاسية التي مررتِ بها، وانتقالك لبلد آخر لا تعرفين فيه أحدا غير بلدك، ساعد في تحوُّل التخيل عندك إلى حالة مرضيَّة، أثَّرت سلبيًّا على شخصيَّتِك، ونفسيَّتِك، وحياتك بالكامل، واسْتحْوَذَت على مساحة تفكيرِك، ووِجْدانِك بالكامل، وعزَلتْكِ نهائيا عن واقعك، وفصَلَتْكِ عن محيطِك الأسري والاجتماعي، وانتقلت بوجودِك لعالم الأحلام والشُّرود في الخيال، بصورة عطَّلت نشاطك ووظيفة تفكيرك، وأَضْعَفت من قوة شخصيَّتك ومؤهِّلاتِك، ومن قدراتِك على قيادة نفسك، وإدارة بوصلة حياتك، وتوجيه خارطة عقلك ووجدانك..
ومن خلال تقمُّصِك لشخصيات مختلفة على أرض الواقع، وتمثيلِ أدوار أبطال قصصِك التي ألَّفتها واخترعْتها من خيالك، أمام غرباء يجهلون حقيقة شخصِيَّتِك، حتى تُثْبتي وجودك وكيانك، وتتخلَّصي من شعورك بالإخباط بعد فشلك في إثبات وجودك ككاتبة، وعدم تفاعل القراء نع قصصك التي نشرتِها عبر مواقع الانترنت..
ومع ذلك كنت واعيةً بأنَّك مخطئة في تصرُّفاتك، وأنََّّ ما تفعلينه ليس مناسبا ولا يليق بك، وأن السعادة التي كنت تشعرين بها من خلال تقمُّصِك لأدوار متعدِّدة أمام أشخاص غرباء، ليست إلا َّسعادةً وهمِيَّة ومؤقَّتة، وهروبًا من مواجهة الواقع، ولهذا قاومت هذه الحالة وحاولت التخلص منها بوسائل متعدِّدة، فلجأت إلى الكتابة كحل مؤقَّت، ثم استعنْتِ بحلول أخرى كالعلاج بالطاقة، وتقنية الحرية النفسية، وبعد عدة محاولات فاشلة نجحت في الرجوع إلى الواقع، ولكن بمعاناة جديدة وهي: كيف تواجهين الناس والمجتمع والحياة، وكيف تواجهين زوجك بحقيقة ما فعلته، وكيف سيتقبَّل ذلك؟
ومن الحلول التي أقدِّمها لمساعدتك أختي الكريمة ما يلي:
أولا: نمِّي قدراتك النفسية والعاطفيَّة، وامْنحيها ما تحتاجه من طاقة لمواجهة الواقع، وغذِّها بالغذاء الرُّوحي اليومي، المتمثل في الإكثار من الذكر ومناجاة الباري عز وجل في الخَلوات، فقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يقول الله عز وجل: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)..
وقيام الليل، والجلوس بين يديه في أوقات السمو الروحي، لتصْفية نفسِك وتزْكِيتِها، وتخْليتِها من الانْشغال بالأحلام والخيال، والملذَّات العريضة، وتفريغِها من متعلَّقات المادة وأثقالها، وتطهير القلب وفكِّ أقفاله، وتطهير النفس من الآثام والذنوب، لأنَّها تحرم الإنسان من رحمة ربه، وتقطع صلته به، وهي سبب كل بلاءٍ، وسبب ما يلحق الإنسان من نكدٍ وحرمانٍ وشقاء في الدنيا والآخرة..
ثانيا: اجْتهدي في الدعاء والعبادة، وستجِدي في ذلك القوة على مواجهة واقعك وحلِّ مشاكلك، واغْتنمي أوقات القبول والاستجابة خاصة في الثلث الأخير من الليل، وهو الوقت الذي ينزل فيه ربُّ العزَّة تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، واشْتكي إليه بما يضيق به صدرُك، واذرفي الدَّمع بين يديه، وثقي بأنه سبحانه سيستجيب لدعائك، قال صلى الله عليه وسلم: ("ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا كلَّ ليلة في الثلث الأخير من الليل)، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ شَطْرُهُ، نَزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: " هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ")..
ثالثا: تخلصي من شعورك بالذنب، واليأس من رحمة الله ومغفرته، لأن الله سبحانه يغفر الذنوب جميعا إلا ان يُكْفَر به، ويكفيكِ أن تتوبي إلى الله تعالى توبة نصوحة، وتخلصي النية وتكوني صادقة مع الله، ولا تعودي إلى ما فرطت في حقِّ الله تعالى، وما قصَّرتِ في حقوق عباده، وحقِّ زوجك، وأسرتك، وجدِّدي عهدك مع الله، ووثِّقي صلتك به، واجْتهِدي في التقرُّب إلى الله تعالى، وأكْثري من الطاعات فهي تُذْهِب السَّيئات، وتطهِّرك مما اقْترَفْته من معاصي وآثام، مصداقا لقول الحق سبحانه: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }، وقوله تعالى: { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ }..
ولْيكن مع ذلك حالك حال المؤمن الذي يعمل صالحا ويخشى عقاب الله ويرجو رحمته، تتقلَّبين بين الخوف والرجاء، كحال من امتدحهم الله جلَّ وعلا فقال: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقال الله جلَّ وعلا: { أَمْ مَّنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }..
رابعا: واظِبي على قراءة القرآن بقلب منيبٍ وقلبٍ حي، وتفكَّري في آيات الله، وتدبَّري في معانيها، واسْتشْعري أسرارها واسْبُري أغوارَها، واسْْتَحْضِِري عظمته، ومهابته، وقدرته، ورحمته.. وحينها لن تجدي مكانا فارغا في قلبك، ولا وجودًا للخوف في قلبك إلا مخافة الرقيب في السر والعلن، ولا رجاءً إلا رجاء رحمته،ومحبَّته، ومغفرته، وثوابه.
خامسا: اغْتنمي وقتك ولحظات عمرك، وأوقات فراغك، فيما هو نافع ومنِج، ويعود على نفسك، ويتك، وأسرتك، ومجتمعك، بالخير والفائدة، وما دمت تملكين موهبة الكتابة، ولديك خيالا خِصْبًا لكتابة القصص، فاسْتثمري هذه الموهبة، واسْهري على تنميتها، وراعِها كفسيلة خضراء وكبرعم صغير يولد صغيرا ثم ينمو ويشتد عوده ويتفتح، واجتهدي في صقل قلمك، والرَّفع من مستوى إبْداعك، بالانفتاح على مجالات الثقافة وفروع المعرفة الجادَّة، واقْرئي ما يغذِّي عقلكوينير بصيرتك من الكتب الثقافية والأدبية والدينية.. النَّافعة، وامْلئي ذاكرتك برصيدٍ ثريٍّ من الأفكار الهادِفة، والعلوم النَّافِعة، والصور الجميلة، والتجارب الهادِفة، ورقِّي ذوقكِ في الكتابة، واستعيني بمن لهم خبرة في ذلك، واقْرئي عن طرق وأساليب وضوابط الكتابة الصحيحة والناجحة، وشاركي في مسابقات أدبية، كمسابقة كتابة الشعر الملتزم والخاطرة الراقية، ومسابقة القصة الطويلة أو القصيرة، أو الرواية، والمقالة أو أي مجال يناسب ذوقك في الكتابة، واجعلي لقلمك رسالة نبيلة وقيمة دينية وأخلاقية وإنسانية، حتى تكوني جديرة بحمل رسالة القلم، ونشر ما يستحقٌّ قراءته وتقديره والاحتفاء به وتخليد علم يُنتفع به..
وحتى ولو لم تحقِّقي نجاحا في مجال الكتابة، فهناك مجالات أخرى لتُبِْْدعي فيها، وتستمري من خلالها خيالك الثري، وتنمِّي شخصيتك الناجِحة، كأن تسْتغلِّي أحلامك في ابتكار أشياء يدوية جميلة، أو تساهمين في مجال الدِّيكور والزينة، ووضع تصاميم للملابس التي لا تخرج عن ضوابط الشرع، أو ابتكار أفكار للرفع من مستوى الإنتاج المحلي، وغيرها من الأعمال توظِّفي من خلالها خيالك الواسع، وتسْتغلِّي مواهبك، وقدراتك الإبداعية، وتستغلِّي مهارات تفكيرك في مجالات منتِجة ونافِعة...
سادسا: حاولي أن تصنعي لك وجودا مشتركا مع بناتك، وزوجك، وامْنحيهم من وقتك، واهتمامك، وحنانك، وحكمتك، وحبِّك الكبير.. وأعتقد بأن خيالك وأحلامك قد سرقك منهم، وابتعدت عنهم بما يكفي من خلال تقمُّصِك لشخصيات غير حقيقية، وحاليا أنت بحاجة لتعودي لشخصيَّتك الحقيقية، وتعيشي أدوار قصة حياتك الواقعية بصدق وحب وتفاني، فكوني الزوجة المحِبَّة لزوجها الذي يحمل لها كثيرا من المحبة والمودة والتقدير، وكوني الأمَّ الرَّؤوم التي تسهر على راحة أبنائها وإسعادهم، والتي تضحي لأجلهم بكل نفيس، وشاركيهِم الحوار ودراسة الأفكار، ووضع الأهداف، والغايات، والتَّخطيط لتحقيق ما يمكن تحقيقه من الأحلام والمشاريع المستقبلية، وازْرعي بداخل بناتك ثمرة نجاحك وخلاصة تجاربك، وأجمل مميزات شخصيتك، وكوني لهن قدوة صالحة، ومرآة صافية تعكس أمامهم سموَّ الأخلاق، والقيم النبيلة، الأفكار الرَّائدة، والمشاعر الجميلة، والالتزام بالدين قولا وفعلا وسلوكا حياة.. فهؤلاء هم المستقبل، وهؤلاء هم أبطال أجمل قصة حياة تعيشين أدوارها بسعادة وافتخار..
سابعا: امَْْسحي من ذاكرتك أحداثِ الماضي الحزين، واحْذفي كل الأفكار المزعجة، والذكريات المؤلمة، والمشاعر المُحْبطة للنفس، وابْدئي بصناعة التغيير من داخلك ليشعَّ بريقه في كلمتك، وأفعالك، وافْتحي صفحة بيضاء نقية من كتاب حياتك، وضعي له عنوانا برَّقًا، ومقدِّمة، وهدفا، وغاية نبيلة، ورسالة أعظم من التفكير في مطامِع النفس وشهواتها الزَّائلة، واصْنعي تاريخا مجيدا، وصحِّحي أخطاء التاريخ القديم، وتقدَّمي في الحياة بجسارة وشجاعة وقوة على المواجهة وتحدِّي الصِّعاب..
ثامنا: تحرَّري من خوفِك من الآتي، ومن انكشاف حقيقتك أمام الناس وأمام زوجك، واجْعَلي خوفك من الله وحده، واعْتصمي بحبله المتين، واجْعَلي لهذه المرحلة بداية مشرقة، صادقةً في توبتِك، مخلصةً في عبادتك، وحينها ستجدين للطاعة حلاوةً، وأثرًا طيبِّاً على حياتِك، ومع بناتك، وزوجك، والناس جميعا، وستجِدي في القرب من الله الحماية، والكِفاية، والحِصْنَ المنيع، فلا يكشف لك سِترا، وسييسُرُّك، ويرزقك لذَّةً وسعادة حقيقية في حياتك، وحين تتحرَّكين في سرِّك وعلنِك اتِّجاه طريقٍٍ واحد موصِِلٍ إلى الجنة، حينها ستدركين أنه لا سلطانَ على قلبِك وعقلِك وجوارحِِك إلا سلطان من قلبك بين أصبعيه، ومن له وحده التفرُّد بالطاعة، وستدركين بأن كلَّ نوالٍ في الدنيا هو عطِيَّةً ومنْحةً من الله على قدر إخلاصك في عبادته، والتفاني في محبَّته، والعملِ وِفقَ طاعته، وستشعرين بالطمأنينة التي لا يجدها إلا أصحاب القلوب الخاشعة إجلالاً لله، المُسْتأنِسَة بقربه ومحبَّته، فينالك ما ينالهم من أنوار المعرفة، ومن الجزاء ما اسْتحقَّه أولياؤه من عباده المخلصين، يقول الحق سبحانه: { ألا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }..
تاسعا: لا تجعلي لحياتك محطة واحدة، بل حياتك تمرُّ بأطوار ومراحل مختلفة، فاجْعَلي لكل مرحلة بداية ونهاية، واسْتثْمري مميزات قوة شخصيَّتِك لتتقدَّمي إلى صفوف الرِّيادة، وحقِّقي النجاح الحقيقي بامْتلاك أسبابه، من المثابرة، والاجتهاد بالحياة، والصبر ومكابدة المشاق، ومجاهدة النفس، وامتلاك عزيمة قوية، وجرأة في الحق، ونجاحك الحقيقي يبدأ من داخلِك حين يكون إيمانُكِ أكبر، ويقينُكِ أعظم، وثقتُكِ بالله هي مَلاذك في مواجهة الواقع وهزم ضعفك بالحياة، ونجاحك الحقيقي يعتمد على أن تكوني جديرة به، قمة في دينك، وأخلاقك، وسلوكك، وفهمك للحياة وغاياتها..
عاشرا: وإذا ما شعرت ـ أختي الكريمة ـ بأن حالتك النفسية غير مستقرة، أو تزداد سوءا، أو فقدت مجددا السيطرة على نفسك، ولم تنجحي في الفصل بين الخيال والواقع، وصارت مواجهتك للواقع تصيبك بأعراض العزلة والاكتئاب النفسي، واشتدت مخاوفك بصورة مؤثرة على تصرفاتك، فحينها يلزمك استشارة طبيبة نفسية، والتحدث إليها بكل ما يخالجك، حتى تساعدك على الهدوء والاستقرار النفسي، والتأقلم مع الواقع، والتحكم في تصرفاتك، وطرد تلك الوساوس والمخاوف..
.وختاما: أقول لأختي الكريمة.. الحمد لله لأنك خرجت من تجربة الماضي بأقل الخسائر الممكنة، فاغتنمي المرحلة القادمة لتحقِّقي أهدافك في الحياة، وامنحي نفسك فرصة جديدة للتأقلم مع حيتك وواقعك، والتلاحُمَ بأسرتك، والتواصل مع مجتمعك، وحاولي كسب صحبة طيبة لتساعدك على اغتنام وقتك، وتوجيه اهتماماتك لما هو مفيد ونافع، وانفُضي عنك غبار الماضي، واطْردي عنك وساوس الشيطان، وابْدئي حياتك كأنك ولدت من جديد، واسْتثمري طاقة تفكيرك في الخير بعيدا عن الوحدة والكآبة والأفكار المدمِّرة للنفس، وللمواهب والقدرات، والمثبِّطة للعزيمة، وقوِّي علاقتك مع خالقك، وسجِّلي في كتاب حياتك، أجمل صفحات العمر في ظل مرضاة الله ورسوله، وخلِّدي بصمتك المضيئة في كل مكان تدلُّ عليك وعلى أعمالك الجليلة..
أسأل الله العلي القدير أن يرزقك الصحة والعافية، وأن يمنحك الطمأنينة والسكينة، والقدرة على مواجهة الواقع بكل تحدياته، وأن ينجيك من خطوات الشيطان وحبائله، وأن يعفَّك ويحصِّنك بحصنه المنيع، ويسترك فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليه.. وغفر الله لنا ولك وللمسلمين جميعا..