مسح العنق في الوضوء
22 شعبان 1436
دبيان بن محمد الدبيان

قيل: يستحب في الوضوء مسح العنق، وهو مذهب الحنفية[1]، وقول في مذهب الشافعية[2]، ورواية عن أحمد[3].
وقيل: لا يستحب، وهذا مذهب الجمهور، وهو الصحيح[4].
دليل الحنفية على استحباب مسح العنق:
(906-135) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث، قال: حدثني أبي قال: حدثنا ليث، عن طلحة، عن أبيه، عن جده، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق بمرة[5].
قال: القذال السالفة العنق.
[إسناده ضعيف][6].
الدليل الثاني:
(907-136) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن رجلاً قال لعبدالله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟
فقال عبدالله بن زيد: نعم، وفيه: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم[7].
وجه الاستدلال:
قد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح قفاه عند مسح رأسه، والعنق يدخل في القفا.
ولا يصح هذا الاستدلال:
لأن قوله: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، فالضمير في قفاه يعود إلى أقرب مذكور، وهو الرأس، والعنق ليس من الرأس.
الدليل الثالث:
(908-137) قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان: ثنا محمد بن أحمد، ثنا عبدالرحمن بن داود، ثنا عثمان بن خرزاد، ثنا عمر بن محمد بن الحسن، ثنا محمد بن عمرو الأنصاري، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ مسح عنقه، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من توضأ ومسح عنقه، لم يغل بالأغلال يوم القيامة))[8].
[لا يثبت في مسح العنق حديث مرفوع][9].
دليل الجمهور على عدم استحباب مسح العنق:
قالوا: لم يثبت في مسح العنق شيء، والأصل عدم المشروعية، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد فيه مسح العنق، وإذا لم يثبت فيه شيء، كان التقرب به بدعة؛ للحديث: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد))، وهذا القول هو الصحيح.
• • • • •
مبحث
في كيفية مسح العنق عند القائلين به
اختلف القائلون باستحباب مسح الرقبة، هل تمسح ببقية ماء الرأس أو بماء جديد؟ على قولين.
فمنهم من رأى أنها تمسح بماء الرأس، باعتبار أن الرقبة تابعة للرأس حكمًا، فهي عضوٌ، طهارتُه مسحه، ومتصلة بالرأس كاتصال الأذنين به.
ومنهم من رأى أنها تمسح بماء جديد، فالخلاف فيها كالخلاف في الأذنين[10].
وقد ترجح أن الرقبة لا يشرع في حقها المسح، ولو كان مشروعًا لمسحت بماء الرأس كما هو الراجح في الأذنين، والله أعلم.

---------
[1] البحر الرائق (1/29)، حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص: 49)، المبسوط (1/10)، شرح فتح القدير (1/36)، بدائع الصنائع (1/23)، وهناك قول في مذهب الحنفية، أن مسح الرقبة بدعة، انظر شرح فتح القدير (1/36).
[2] الوسيط للغزالي (1/288)، روضة الطالبين (1/61).
[3] شرح العمدة (1/193).
[4] يرى المالكية كراهية مسح الرقبة، انظر حاشية الدسوقي (1/103)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/128)، المنهج القويم (ص: 47)، إعانة الطالبين (1/49)، روضة الطالبين (1/61)، مغني المحتاج (1/60)، المبدع (1/112)، الإنصاف (1/137)، الروض المربع (1/48).
[5] المسند (3/418).
[6] في إسناده ليث بن أبي سليم، قال فيه الحافظ: صدوق، اختلط جدًّا فلم يتميز، فترك.
[7] البخاري (185)، ومسلم (235).
[8] تلخيص الحبير (1/93).
[9] وقال ابن الملقن في البدر المنير (1/38): غريب لا أعرفه إلا من كلام موسى بن طلحة، كذلك رواه أبو عبيد في غريبه. اهـ
وقد نقل إسناده الحافظ في تلخيص الحبير (1/92)، فقال: ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور عن عبدالرحمن بن مهدي، عن المسعودي، عن القاسم بن عبدالرحمن، عن موسى بن طلحة قال: من مسح قفاه مع رأسه وقي الغل يوم القيامة.
قال الحافظ: فيحتمل أن يقال: هذا وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو على هذا مرسل. اهـ
قلت: والمرسل من قبيل الضعيف.
وروي بلفظ: مسح العنق أمان من الغل.
قال ابن الملقن في البدر المنير (1/38): لا يعرف مرفوعًا؛ وإنما هو قول بعض السلف، وقال النووي في شرح المهذب وغيره: موضوع. اهـ
وقال النووي في كلامه على الوسيط نقلاً من البدر المنير (1/38): لا يصح في مسح الرقبة شيء.
وقال ابن القيم في زاد المعاد (1/195): ولم يصح عنه في مسح العنق حديث ألبتة. اهـ
[10] انظر نيل الأوطار (1/204)، وقال ابن الهمام (1/36): ومسح الرقبة مستحب بظهر اليدين؛ لعدم استعمال بلتهما.

6 + 8 =
إبراهيم الأزرق
د. عبدالرحمن بن عبد العزيز العقل
عبد الله بن صالح الفوزان