الكويت.. بين صباحين! 2/ 3
7 ذو الحجه 1435
أحمد العساف

يتناول الجزء الثاني ذو اللون الأخضر الكويت من الدستور إلى الاحتلال(1962-1991م)، وتبلغ صفحاته (311) صفحة، وعلى الغلاف صورة الشيخ عبد الله السالم يفتتح جلسة المجلس التأسيسي، وبجواره يقف ابنه سعد، ويتكون هذا الجزء من أربعة فصول تسرد تاريخ ثلاثين عاماً حافلة بالأحداث والمتغيرات.

 

الدستور هو عنوان الفصل الأول، حيث بدأ المجلس التأسيسي أعماله باختيار عبد اللطيف الغانم رئيساً، ود. أحمد الخطيب نائباً له. ومن الطريف أن أحد المراقبين لاحظ انخفاض فاعلية هذا المجلس وتدني مستوى ثقافة أعضائه، فالتجار حريصون على مصالحهم، والبدو فرحون بمخصصاتهم من العضوية، والقوميون لاهمَّ لهم إلا معارضة الحكومة! فضلاً عن ضعف الروابط بين أعضائه؛ باستثناء ترابط التيار القومي.

 

انتخب الأعضاء في الجلسة السادسة لجنة لإعداد الدستور بعضوية رئيس المجلس وعضويه يعقوب الحميضي وسعود العبد الرزاق، ومعهم وزير العدل حمود زيد الخالد، ووزير الداخلية سعد العبد الله ممثلاً عن الأسرة الحاكمة. ونقل المؤلف مقتطفات طويلة ومفيدة من نقاشاتهم، أو حوارات كامل المجلس حول الدستور بعد اختصارها بما لا يخل بمضمونها، علماً أن اللجنة استعانت بخبيرين من الجمهورية العربية المتحدة لإعداد الدستور، ولذا فالنفس القومي متصاعد فيه، وظاهر منه اعتراضهم على جعل الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع، الذي طالب به بعض الأعضاء، ولم يَرُقْ الاقتراح للقوميين والتجار ولا للخبيرَين المصريين.

 

ومن الموافقات اللطيفة أن اللجنة طلبت تنظيم توارث الإمارة في ذرية مبارك، لقطع الطريق على تصارع الأجنحة، فاعترض سعد العبد الله بحجة استحالة وقوع خلاف على الحكم بين الأسرة، وبعد أقل من خمسين عاماً وقع خلاف على الحكم، وكان سعد أحد طرفي الخلاف! ولم يكن هذا التقدير الخاطئ هو الوحيد له؛ فقد أصر على استحالة "طرح الثقة" بالحكومة، وما أكثر ما طرحت الثقة بحكومة أو وزير!

 

وكانت جل مداخلات سعد على مواد الدستور تصب في اتجاه منح الحكومة صلاحيات أكثر، والتوسعة على أبناء الأسرة، والتلطف مع الطوائف، والأديان، والمهاجرين، في مقابل الوقوف بصلابة ضد تكوين الأحزاب! وصادق عبد الله السالم على الدستور في 11 نوفمبر 1962م، وختم المجلس التأسيسي أعماله في 15 يناير 1963م، وعقد مجلس الأمة أولى جلساته في 29 يناير 1963م، وألقى الأمير فيه كلمة افتتاحية، وأصر على أداء القسم الدستوري مع عدم حاجته إليه، وقد كان هذا القسم محرجاً لابنه سعد بعد أربعة عقود ونيف.

 

وصدر مرسوم تعيين الوزارة الأولى برئاسة صباح السالم في 17 يناير 1962م، وكانت مكونة من أربعة عشر وزيراً منهم ثلاثة فقط ليسوا من آل صباح! ومع نهاية عام(1964م) تصادمت هذه الوزارة مع النواب لدرجة استخدام بعض الشيوخ ألفاظاً نابية، فاضطر صباح السالم ونائبه جابر الأحمد لتكوين حكومة جديدة من الشعب، وهو ما لم يعجب جابر العلي الذي نظر إليها باعتبارها حكومة تجار موالين لمنافسه جابر الأحمد، وقد سعى لعرقلتها بالتعاون مع النواب حتى استقالت. وهذا يؤشر إلى أن ما يجري في مجلس الأمة من طرح ثقة بوزير أو بحكومة؛ إنما يرتبط غالباً بتصفية حسابات بين أجنحة الأسرة! وحين افتتح عبد الله السالم دورة انعقاد مجلس الأمة في أكتوبر(1965م) سقط أرضاً من شدة المرض -وحدث ذات الأمر لابنه سعد بعد عشرات السنين-ولم يمض شهر حتى توفاه الله وخلفه أخوه صباح.

 

ولذا فعنوان الفصل الثاني صباح السالم؛ حيث ابتدأ عهده باستقالة النواب وخاصة القوميون والتجار، وقد زادت هذه الاستقالة من قوة جابر العلي، فأصبح الموالون له أغلبية في مجلسي الوزراء والنواب، مما جعل الشيوخ المتطلعين للحكم يدقون ناقوس الخطر منه؛ فتوحدت جهود جابر الأحمد وسعد العبد الله استعداداً للانتخابات المقبلة، وهذا الإجراء يؤكد لنا أن وراء أكمة الانتخابات في الغالب حسابات للأسرة الحاكمة؛ قد تخفيها الحماسة للتجربة النيابية، وتمثيل صوت الأمة.

 

وحدثت مهزلة في انتخابات(1967م) حين دخلت الشرطة لمقرات التصويت، واللجان الفرعية، وصادرت الصناديق؛ ومن الطريف أن التلفزيون نقل هذه العملية مباشرة، وأسفر ذلك عن خسارة الموالين لجابر العلي والقوميين، وشاع خبر التزوير بين الناس مع إصرار وزير الداخلية سعد العبد الله على نفيه. وفي خضم هذا الخلاف حدثت نكسة 67، وأعلنت الكويت الحرب والأحكام العرفية، وصار جابر الأحمد حاكماً عرفياً.

 

وضع المؤلف صوراً من قصاصات بعض صحف الكويت قومية النفس، وهي تنقل أخبار انتصارات عبد الناصر والجيوش العربية على إسرائيل، وما أحدثته من دمار وقتل لجنود اليهود وأسر بالآلاف، ولكن بعد ستة أيام استبان كذب الإعلام الناصري والبعثي واستخفافه بوعي الناس وعقولهم، وبعد هذه الهزيمة توالت النكسات على التيار القومي في الكويت؛ ثم تحول فصيل منه إلى مقاوم عنيف للحكومة؛ ومنهم أحمد الربعي الذي أصبح وزيراً مثيراً فيما بعد.

 

ثم أجرى صباح السالم تعديلاً على الدستور لم يعجب الشعب، وشهدت الانتخابات البرلمانية صعود تيارات قبلية ودينية وعائلية، وحاولت الحكومة استمالة التوجه الديني بربط التنقيح بموافقة الشريعة، ومات صباح السالم في آخر يوم من عام (1977م) وفي نفسه غصة؛ لأن تاريخه بدأ بتزوير الانتخابات، وختم بحل المجلس وتنقيح الدستور، وخلفه في أول يوم من العام الجديد جابر الأحمد ليكون الحاكم الثالث عشر للكويت.

 

في عهد صباح انسحبت بريطانيا من الخليج عام(1971م)، وكان للكويت يد طولى في تطوير الإمارات؛ خلافاً للسعودية التي لم تعترف بالإمارات المتحدة إلا عام(1974م) بعد تنازل أبو ظبي عن شريط حدودي لها، ودار الزمان دورته فإذا الإمارات الآن أكثر تطوراً وثراء من الكويت، وعلاقاتها مع السعودية عميقة جداً.

 

خصص المؤلف الفصل الثالث لجابر الأحمد الذي يصفه الإنجليز بالرجل الصامت المستمع للجميع لكنه ينفذ ما برأسه فقط، وأصبح جابر العلي رئيساً تلقائياً للحكومة؛ حيث يحظى بتأييد القبائل وجيل قدامى الساسة؛ بيد أنه غير مرغوب فيه داخل العائلة الحاكمة. وحتى يتخلص جابر الأحمد من سميه جابر العلي جمع أفراد العائلة وخيَّرهم بين ثلاثة أشخاص لولاية العهد هم: جابر العلي، وسعد العبد الله، وصباح الأحمد الذي أعلن زهده بالمناصب، ومبايعته للشيخ سعد ولياً للعهد؛ ثم تبعته العائلة بالمبايعة وسط ذهول جابر العلي الذي كان آخرهم مبايعة وتقبيلاً! ويرى السفير البريطاني-وهو راوي هذه الواقعة-أن صنيع صباح تم باتفاق مسبق؛ بل أُجريت له "بروفة" قبل الاجتماع، وكفى بالإنجليز خبراء في الدهاليز!

 

شعر جابر العلي أنه وقع ضحية لكيد أسرته، لكنه تعلق بأمل الحصول على رئاسة الوزارة؛ فذهبت لولي العهد، فتطلع لوزارتي الداخلية أو الدفاع؛ بيد أن أحلامه تبخرت ورضي بالحفاظ على موقعه في نيابة رئيس الوزراء ووزارة الإعلام، ثم خسر هذا المنصب لاحقاً؛ وكان تعيين صباح الأحمد في منصب النائب الثاني تقدمة لإقصاء جابر العلي نهائياً، وفي ذلك دلالة على قوة قبضة جابر الأحمد.

 

كتب السفير البريطاني في تقرير له عن جابر العلي أنه يرى أربعة أخطار محدقة بالكويت هي: الإخوان، والشيعة، واليسار، والتجار. وبعد ثورة إيران أصدر الخميني أمراً لعباس المهري بأن يقيم صلاة الجمعة في الكويت، وهي أول صلاة يأمر بإقامتها خارج الجمهورية! وكان المهري قد ترأس وفداً شعبياً للتهنئة بالثورة، ولذا سارعت الحكومة لسحب الجنسية منه ومن أسرته، وإبعادهم إلى إيران، ومع ذلك فعلاقات الشيعة مع آل الصباح وثيقة جداً؛ خاصة بآل أحمد الجابر، ولم يسلم جابر الأحمد ذاته من محاولة اغتيال نفذتها مجموعة شيعية، عدا عمليات تفجير واختطاف طائرات خلال الثمانينيات تولى كبرها شيعة الكويت ولبنان.

 

في عام(1986م) حل جابر مجلس الأمة، وعطل الدستور، ومُنعت الصحافة من ذكر المجلس وأعضائه، وحاولت الحكومة إلغاء مجلس الأمة وإنشاء المجلس الوطني مكانه، وقد جوبهت هذه المحاولة باعتراض فعاليات وأطياف متنوعة، ومع ذلك أجريت انتخاباته عام(1990م)، وفي خضم الغليان بين الحكومة والشعب كان العراق يصعد خلافه مع الكويت والإمارات بعد نهاية الحرب مع إيران، وقد أجرت الإمارات مناورات عسكرية مشتركة مع أمريكا فصرف صدام نظره عنها، وركز عينه على الكويت التي قال صباح الأحمد بأنها قادرة على الدفاع عن نفسها دون حاجة لمساعدة خارجية!

 

الفصل الرابع من الكتاب حزين، ومخيف، لأنه عن الاحتلال، حيث يرى صدام أن الكويت أضرت بالعراق من خلال طريقين هما سرقة النفط من حقول عراقية، وإغراق السوق بالنفط مما تسبب في خفض سعره وإنهاك اقتصاد العراق الذي يئن من آثار الحرب العراقية الإيرانية، بينما يرد الكويتيون هذه الادعاءات، ويطلبون من صدام التفاوض بعد ترسيم الحدود، للنظر في المعقول من طلباته.

 

ومع وجود تحذيرات غربية، وتطمين عربي، كانت الكويت في حالة استرخاء كبير حتى إن صباح الأحمد كان ينفي وجود أي أمر مقلق؛ مع أن الكويت كانت مخترقة من العراق أمنياً وإعلامياً تحت سمع الحكومة وبصرها، فالملحق الإعلامي العراقي يداوم في بعض الصحف يومياً، وبعض المقالات ترسل للصحافة الكويتية من وزير الإعلام العراقي! وعندما اجتمع وزير النفط الكويتي بنظيره السعودي سراً في أحد فنادق الكويت، فوجئ الأخير بأن أخبار الاجتماع وتفاصيله موجودة لدى نظيره العراقي الذي التقاه بعد يوم واحد من اجتماعه بوزير النفط الكويتي.

 

وخلال ساعتين ونصف ساعة من صباح الثاني من أغسطس اجتاحت قوات صدام الكويت بكاملها، وكان سعد وصباح يتوقعان أنه سيحتل جزيرة ثم يفاوض! وهرع سعد لأميره وأخرجه باتجاه الخفجي-إن صحت الرواية-، وبعد ثلاثة عشر يوماً من الاحتلال أنهى صدام خلافه مع إيران الذي قاتل لأجله بضع سنوات ليتفرغ لحرب جديدة تسببت في تمزيق أمتنا، وفضح كثير من أنظمتها، وما زالت آثارها جاثمة على الأمة إلى اليوم، والله يجعل المآل إلى خير وحسن عاقبة.

 

اجتمعت الحكومة الكويتية مع المعارضة في جدة، وأعلنت الحكومة التزامها بدستور(1962م) وبانتخابات مجلس الأمة، وأكدت المعارضة تمسكها بأسرة آل الصباح وتجديد بيعتها، وكانت التعابير الإسلامية ظاهرة في صيغة قرارات جدة-لم ينفذ من هذه الوعود شيء يذكر-، وكان هذا الاجتماع ضرورياً لإقناع الناخب الأمريكي والأوربي أن الكويت دولة ديمقراطية تستحق إرسال الجنود لتحريرها.

 

رفض صدام الوساطات العربية الرسمية والشعبية، ووافق الكونجرس على تخويل الحكومة الأمريكية بالتدخل العسكري، وهي أول موافقة بعد تجربة فيتنام، وفي 16 يناير 1991م بدأت "عاصفة الصحراء" بقصف جوي استمر أربعين يوماً، وفي 24 فبراير بدأت الحرب البرية، وانسحب جنود صدام بعد يومين مخلفين وراءهم (1164) بئر نفط محترقة، ليصبح يوم 26 فبراير1991م ترياقاً للكويتيين عن مصيبة الثاني من أغسطس، وأعلن بعدها أمير الكويت الأحكام العرفية لمدة ثلاثة أشهر، وتعيين سعد العبد الله حاكماً عسكرياً، وقد كلفت الحرب فيما أعلن(54) مليار دولار ساهمت السعودية والكويت بثلثيها مما أنهك اقتصاد البلدين وشعبيهما؛ وعاد لآل صباح حكمهم بعد أن سُلب منهم مدة سبعة أشهر عصيبة.

4 + 3 =