29 ذو الحجه 1435

السؤال

نشكر موقع المسلم كثيراً على توجيهه التربوي والإيماني والعلمي والواقعي الرائع وجعلكم لنا دوماً قادة للهدى..
سؤالي هو: أنا من إحدى الدول التي أصابها تغير الظروف العامة في المرحلة الأخيرة وأعيش في كربات متلاحقة وضيق ذات اليد، إضافة لضيق العيش والتضييق من شتى المناحي، وقد ضاق صدري وازدادت همومي خاصة أني أعول أسرة كبيرة ووالدين مريضين، وأعمل معلماً في مدرسة أعلِّم الأبناء وأربيهم، وأنا رجل مؤمن ومسالم ومحب لبلادي ومجتمعي، لكن صدري ضيق رغم أني - والحمد لله – مؤمن.. فبماذا تنصحونني وبماذا تذكرونني لعل تذكرتكم تهوِّن عليَّ بعض همومي.

أجاب عنها:
يحيى البوليني

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
نشكر لك أخي الكريم ثقتك بإخوانك في موقع المسلم كما نسأله أن يجزينا وإياك خير الجزاء وأن يديم علينا الأخوة الصادقة والمحبة الخالصة لوجهه تعالى وأن يجزي القائمين على موقع المسلم خير الجزاء وأن يجعل هذا الصرح في ميزان حسناتهم، وبعد:
أخي الكريم..
بداية أسأل الله سبحانه أن ييسر لك كل عسير وأن يكشف عنا وعنك وعن كل مسلم ما أهمنا وما أغمنا وأن يشرح صدورنا بفيض رحمته وجميل معيته، فإن رحمة الله واسعة وسعت كل شيء، وأن ما عندنا ينفد وما عند الله باق.
لا شك أخي أن ما قلت من كُرُبات تحيط بك سواء على مستواك الشخصي أو على مستوى بلدك هي من تقدير الله عز وجل فقال سبحانه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:51] فلن يجري في ملك الله إلا ما قدره سبحانه، فلا رادَّ لأمره ولا معقِّب لحكمه، ولكل بلاء منها لله سبحانه فيها حكمة بالغة وباهرة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، ولا ينقص مَنْ جهل الحكمة أو غابت عنه من أجره شيئا إذا صبر على البلاء راضياً ومحتسباً أجره عند ربه.
ففي الابتلاء والصبر رفع لدرجات المؤمن بزيادة حسناته لتصل إلى أجر غير محدود فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10]، وبحط سيئاته عنه كما قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله عجب، لا يقضي الله لمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"
ولابد وأن نقف مع أنفسنا في البلاء وقفات، التي أسأل الله فيها أن يرزقني ويرزقك الإخلاص في القول والعمل وأن نكون سويا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ومنها:
- لابد وأن نثق أخي أن كل ما يصيب المؤمن من ضرر في الدنيا باب كبير لتكفير سيئاته ولرفع درجاته، وأن في كل أحواله خيراً بإذن الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: "ما يصيب المؤمن من نَصَب ولا وَصَب، ولا هَمّ ولا غمّ، ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه"، ولهذا عندما نزلت الآية الكريمة {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} قال أبو بكر: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: «رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ يُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ فَذَاكَ مَا تُجْزَوْنَ بِهِ»(1). فكل المشكلات التي يعانيها المسلم في الدنيا يكفِّر الله بها من خطاياه وترفع بها درجاته.
- أننا جئنا للدنيا للاختبار والابتلاء وليس للتنعم فيها، فالهدف الأساسي فيها هو الابتلاء، كما قال ربنا سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}، ولهذا فالكل مبتلى سواء من كان في نعمة وعافية فهو مبتلى بالنعمة، ومن كان في شدة ومشقة فهو مبتلى بهما، كما قال سبحانه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، ولهذا كانت الدنيا دار عمل لا دار جزاء، فمن يأمل في أن ينال السعادة فيها فقد انتظر المحال.
- ما جعل الله الدنيا كلها تصلح كمكافأة لمحسن كما لم يجعلها عقوبة لمسيء، فـ "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ" وأن موضع سوط للمؤمن في الجنة يساوي كل ملك الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم: "مَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا"(2)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ في الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ"(3).
- ويجب أن تعلم أنه لا دوام لشيء إلا وجه الله سبحانه، فكل بلاء زائل، وكل هم سينتهي، ولابد أن يذهب كل شر إما بزواله عنا أو بزوالنا عنه، والعذاب الحقيقي الذي لن يقل ولن يذهب هو عذاب الله عز وجل الذي يجب أن نستعيذ منه صباح مساء فيقول ربنا سبحانه: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
- ولنا جميعاً أن نعلم أن الحياة هي ابتلاء مشترك بين القوي والضعيف والغني والفقير بل والظالم والمظلوم، والعاصي والطائع، فكما المظلوم مبتلى فالظالم مبتلى ابتلاء أكبر، مبتلى بقوته ومبتلى بسطوته وبغروره وبجرأته على ربه، فكلانا بلاء للآخر، كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}، فلتحمد الله أنك في المبتلين الذين ينالون الأجر إذا صبروا واحتسبوا، ولتحمده أكثر أنك لم تكن في جانب المبتلين بالقوة والظلم الذين يؤزرون كل يوم بل كل لحظة.
- ويجب أن نحسن جميعاً الظن بربنا سبحانه، فما قدر شيئا إلا لحكمة، وأن تصريفه سبحانه وتعالى للأمور لا يعجل بعجلتنا، فقد نرى أن الهم طال وأنه لابد وأن يزيل ربنا هذا الكرب ، ولكن ما نوقن به أن في تأخيره حكمة، ليرفع المبتلين في الدرجات وليمحص الذين آمنوا ليحيى من حيَّ عن بيِّنة ويهلك من هلك عن بيِّنة.
- ويجب أن نعلم أن الأمور كلها بيد الله وحده، فلنرفع أكف الضراعة له، ولنعد إليه ولنلزم بابه ولنتمسك بكتابه وبدينه، ونتوكل عليه وحده ونقطع صلتنا القلبية بالنصرة من البشر، فالبشر لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلا على أن يملكوه لغيرهم.
- وعليك بحسن صحبة والديك وبرهما بما تستطيع ففي برهما بركة وخير، والزمهما ما استطعت وانتفع بنصحيتهما ودعائهما، وتأمل خيراً في فرج الله سبحانه، {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا}.
حفظك الله أخي الكريم وفرَّج كربك وكروب المسلمين، ورفع الله قدرَك ويسَّر لك أمرك، فهوِّن عليك فما هي إلا أيام معدودة وآجال محدودة، وبعدها نسأل الله أن نكون في فسحة عند رب العالمين سبحانه في محكمة لا يقضي فيها إلا الله سبحانه، شعارها {الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

_______________________
(1) صحيح ابن حبان 2926 وصححه الألباني.
(2) رواه البخاري (2735).
(3) رواه البخاري (2643).