سوريا: تأزم المشهد السياسي والفرص الكامنة
20 صفر 1436
د. بشير زين العابدين

تتسم المعادلة الأمنية في سوريا بتداخل كبير بين مفهومي الأمن الإقليمي والأمن الدولي، حيث تتجاوز أهميتها الاستراتيجية حدود المنطقة العربية، ويتزايد الإدراك العالمي بأن الأزمة قد تحولت من محض ثورة شعبية إلى صراع إقليمي تتفاعل مكوناته في عملية إعادة فرز سياسي شامل.

 

وبناء على ذلك التداخل؛ فإن أنظار المجتمع الدولي تتجه نحو الثورة السورية باعتبارها عنصر الحسم في معارك متعددة تخاض على الجبهة ذاتها، متمثلة في: الصراع الطائفي الذي تذكيه طهران والميليشيات التابعة لها، وصراع الهوية السياسية بين التيارات الإسلامية والعلمانية، والصراع الدولي بين قوى الشرق الصاعدة والنفوذ الأمريكي المتداعي، وصراع النظم بين السلطة المركزية ومفاهيم الحكم الفيدرالي، والصراع الإنساني بين قوى التحضر وقوى الهمجية في أبشع صورها.

 

ومع امتداد الأزمة وتداخل مكوناتها؛ تعاني القوى الفاعلة من حالة استنزاف توفر بدورها حزمة من الفرص الكامنة، إذ إن معركة التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" قد أنتجت مشهداً قتالياً رديفاً لمعركة التحرر التي يخوضها الشعب السوري ضد نظام بشار، ويمكن توضيح أبرز مظاهر التحول فيما يأتي:

 

استنزاف أطراف الصراع

عكست مبادرة ستافان دي ميستورا مبعوث الأمم المتحدة لحل النزاع السوري حالة الإجهاد التي تعاني منها الدبلوماسية الأممية إزاء الصراع في سوريا، فقد جاء الدبلوماسي السويدي بمشروع مكرر يقوم على فكرة عقد هدن متفرقة وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية معترفاً في الوقت ذاته بأن: "التوصل إلى خطة سلام ما زال بعيد المنال". أما الجديد الذي أتى به دي ميستورا فيتمثل في الضغط على المعارضة للتخلي عن إسقاط بشار مقابل تشكيل حكومة انتقالية وتأسيس نظم إدارة محلية في المناطق المحررة.

 

لكن طرح المبعوث الدولي في حقيقته يعكس رغبة الأطراف الفاعلة في التوصل إلى موقف مشترك إثر تهاوي المشروع الأمريكي لفرض المحاصصة الطائفية في الشرق العربي، حيث تقف الإدارة الأمريكية مذهولة أمام انهيار الجيش العراقي الضامن لمشروعها، والذي كان يتكون من 193 ألف جندي ونحو 500 ألف من الشرطة والقوات شبه العسكرية التي تم تجنيدها من كوادر الميلشيات الطائفية بتكلفة قدرت بنحو 25 مليار دولار.

 

وفي دراسة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن (نهاية شهر نوفمبر 2014) أشار المحلل الاستراتيجي أنتوني كوردسمان إلى أنه على الرغم من إنفاق 1,8 تريليون دولار للحرب على الإرهاب إلا أن واشنطن قد فشلت في السيطرة على العمليات الإرهابية التي ارتفعت وتيرتها من 1500 عملية عام 2010 إلى 4650 عملية عام 2013، في حين تُشكّل عمليات التحالف الدولي ضد "داعش" عبئاً اقتصادياً جديداً على الإدارة الأمريكية التي تعاني من إخفاقات دبلوماسية وعسكرية.

 

وتحتدم في الأروقة الدبلوماسية خلافات عميقة حول معالجة الأزمة السورية؛ إذ تتحدث المصادر عن خلاف تركي-أمريكي حول دعم الجماعات الكردية المتطرفة وإنشاء مناطق عازلة، وعن خلاف عربي-أمريكي حول طبيعة الدور الإيراني وأولويات الحملة على الإرهاب، فضلاً عن الخلاف الروسي مع "أصدقاء سوريا" حول تحديد مصير بشار أسد وإمكانية عقد "جنيف3".

 

لكن الخلاف الأبرز في هذه المرحلة هو الذي يحتدم بين طهران وموسكو على خلفية التقارب الإيراني-الأمريكي، وما نتج عنه من تنسيق عسكري وتعاون استخباراتي، حيث تخشى موسكو من فقدان أوراق أساسية في الملف السوري نتيجة للتنازلات التي قدمتها حكومات بغداد ودمشق بإيعاز من طهران، وذلك في الوقت الذي تعاني فيه روسيا من تبعات الأزمة الأوكرانية وتأثير انخفاض أسعار النفط على عملتها واضمحلال دورها العسكري، مما دفع الكرملين للتذكير بعدم شرعية غارات التحالف وبوجوب العمل عبر مجلس الأمن.

 

وللتأكيد على دوره المحوري؛ بادر الرئيس الروسي إلى استقبال وليد المعلم للحديث حول: "ضرورة تهيئة الظروف لاستئناف عملية التسوية السلمية في سوريا"، وشرع بوتين في ترتيب جدول زيارات تهدف إلى تعزيز المنظومات العسكرية الروسية في المنطقة وإبرام صفقات توريد الغاز والتقدم بمعطيات جديدة في الملف السوري.

 

وتعاني طهران بدورها من الكلفة الاقتصادية الباهظة لامتداد الأزمة السورية وانخفاض أسعار النفط، مما دفع وزير المالية الإيراني علي طيب نيا (1 ديسمبر 2014) للتحذير مما أسماه: "الاضطراب الجنوني" في سوق العملة إثر إقبال الإيرانيين على شراء العملات الأجنبية وسط مخاوف من أزمة اقتصادية قد تتسبب في انهيار الريال الإيراني.

 

وينعكس تدهور الأوضاع في طهران على "حزب الله" اللبناني الذي يمر بأسوأ مراحله منذ أحداث عام 2006؛ إذ إن ولوغ قواته في الصراع السوري قد عاد عليه بخسائر بشرية أرغمته على وقف عملياته في القلمون، إضافة إلى تقهقر مقاتليه في نبل والزهراء بعد مقتل عدد كبير منهم، مما ضاعف الضغوط على قيادته للخروج من مستنقع الصراع الذي أجج الاحتقان الطائفي في المنطقة وزج بالجيش اللبناني في أتون معركة غير متكافئة ورهن مصير بيروت بتطورات المشهد المروع في دمشق.

 

أما في العاصمة السورية فإن مشاعر القلق تنبعث من القصر الجمهوري إثر تسرب تفاصيل مفاوضات الإيرانيين والروس على مصير بشار الذي يعاني من عزلة رسخها انضمام حافظ مخلوف إلى أقرباء بشار الساخطين وعلى رأسهم والدته وشقيقته، وتتحدث مصادر محلية عن انتشار روح التمرد في القيادة العسكرية نتيجة لانهيار دفاعات الرقة وضعف حاميات النظام في نبل والزهراء وكذلك في مطار دير الزور العسكري، وكانت ملامح الغضب في صفوف العلويين قد ظهرت في مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تجسدت في عدة مظاهرات بدمشق وحمص واللاذقية وطرطوس، وتسببت عقب ذلك في تمرد "وحدات الدفاع الوطني" التي تحولت إلى عصابات تنهب المواطنين وتروعهم في المناطق الموالية للنظام، مما دفع بوزارة الدفاع للمطالبة بحل هذه الوحدات: "بسبب تجاوزاتها المتكررة وخروجها من نطاق السيطرة ووصول ضررها إلى عناصر الأمن والجيش"، واقتراح: "تحويل منتسبيها إلى وزارة الدفاع بعقود من سنتين إلى عشر سنوات وبمهمات مختلفة مدنية وعسكرية وفق الاختصاص".

 

من ناحية أخرى؛ يعاني تنظيم "داعش" من تراجع قدراته القتالية وتقلص موارده، حيث مُني التنظيم بهزائم متعددة في محافظة صلاح الدين، وعمدت قيادته إلى المزج بين عمليات النقل القسري والإعدام الميداني للسيطرة على حالة التذمر في صفوف مقاتليه حديثي التجنيد، وكان التنظيم قد فقد عدداً من قياداته في عملية قصف موجعة استهدفت موكباً يضم أربعين مركبة في القائم وقتل فيها: أبو مصعب العراقي أحد أبرز مساعدي البغدادي؛ وأبو الزهراء المحمدي المسؤول عن إقليم الفرات، وأحمد عواد مفتي القائم، والقياديين في التنظيم كنعان عبود مهيدي ووليد دياب العاني.

 

وعلى الصعيد نفسه؛ تمر جبهة النصرة بأصعب اختبار لها منذ تأسيسها إثر التحاق عدد كبير من مقاتليها إلى تنظيم "داعش"، وتسرب آخرين من صفوفهم نتيجة لتورط الجبهة في صراعات محلية ورفضها الاحتكام إلى المحاكم الشرعية، وتعاني الجبهة من تحديات خطيرة إثر تلاشي دور الجولاني لصالح عناصر أردنية وعراقية مثيرة للجدل، وتوجه بعض القادة نحو إعلان "إمارة إسلامية" على خطى "داعش"، في حين يحتدم الخلاف الداخلي حول مناورة أيمن الظواهري للمصالحة مع تنظيم "داعش"، وتشير المصادر إلى أن مشروع "القاعدة" برمته يواجه تحديات غير مسبوقة بسبب انفضاض أتباع التنظيم عن الظواهري المتهم بالارتباك الفكري وتقلب المواقف، ويبدو أن استمرار جبهة النصرة في الارتباط بزعيم تنظيم القاعدة سيضعها قريباً أمام تحدٍ وجودي.

 

في هذه الأثناء يستمر الائتلاف الوطني السوري في التفاعل خارج منظومة الأحداث؛ حيث يندلع الخلاف الداخلي بين أعضائه حول تشكيلة الحكومة المؤقتة والمجلس العسكري، في حين تتراشق الكتل السياسية الاتهامات بالفساد وسوء الإدارة، فيما يعزو قياديون في الهيئة العامة أسباب العجز المالي إلى عدم التزام الدول المانحة بتعهّداتها إذ لم يدخل خزانة الائتلاف أية مبالغ منذ ثلاثة شهور، وذلك بالتزامن مع انخفاض مساعدات الأمم المتحدة بنسبة أربعين في المائة!

 

وعلى الرغم من تصاعد وتيرة القصف الجوي للنظام وتكثيف ضربات التحالف الدولي؛ إلا أن أعضاء الائتلاف يستحوذ عليهم الجدل في شرعية قرارات رئيسه ومدى اكتمال النصاب القانوني في اجتماعات تعكس تعدد ولاءات الأعضاء بحسب الدول الداعمة، دون الالتفات إلى مخاطر تحول المزاج الدولي نحو إلحاق الائتلاف بالمجلس الوطني عبر التوجه لتشكيل حكومة ائتلافية في دمشق وتأسيس نظم إدارة محلية شبه مستقلة.

 

المثلث الاستراتيجي الجيوسياسي (الشيعة-الأكراد-العشائر)

على الرغم من إخفاقاتها المتكررة؛ إلا أن الإدارة الأمريكية لا تزال ماضية في مشروع "تمكين الأقليات" عبر تعزيز النظم الفيدرالية وتمكين المجموعات الإثنية والطائفية من إدارة شؤونها في منأى عن الأغلبية السنية ومؤسسات الحكم المركزي، وقد لخصت دراسة نشرها معهد الأمن الأمريكي الجديد (نهاية شهر نوفمبر 2014) رؤية واشنطن لمعالجة الوضع في: التوصل لاتفاقيات وقف قتال غير مشروطة، والمحافظة على المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتأسيس نظام إدارة تعددية لا مركزية في مناطق الأقليات، وتعزيز الوضع الأمني في الحدود لحماية دول الجوار.

 

ولتحقيق هذه الرؤية؛ فإنه يتعين على الأمريكان الاستفادة من الدور الذي باتت تضطلع به الميلشيات الإثنية والطائفية كقوات برية رديفة لعمليات القصف الجوي في مواجهة تنظيم "داعش".

 

وأوصت دراسة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن باحتواء هذه الجماعات نظراً للمهام التي يمكن أن تضطلع بها في فرض الأمن وتطبيق القانون، وذلك على شاكلة الدور الذي مارسته قوات البيشمركة وجيش المهدي وفيلق بدر في العراق عقب سقوط صدام حسين عام 2003.

 

ولا يمكن التغاضي عن الدور المحوري لـ"حزب الله" في القطاع الغربي من المعادلة الجيوسياسية؛ ففي مقابل التعاون القائم بين اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس وجنرالات القيادة المركزية الأمريكية في أربيل، يقوم تعاون رديف بين القيادة الأمريكية و"حزب الله" لدعم عمليات الحزب والجيش اللبناني في المناطق الحدودية مع سوريا؛ وكان علي شمخاني أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني قد زار بيروت وعرض على القيادة اللبنانية تقديم سلاح ودعم أمني إيراني وخاصة في مجال الصواريخ والمدفعية الثقيلة والمتوسطة، وتزامن ذلك مع إعلان واشنطن تزويد الجيش اللبناني بأسلحة تبلغ قيمتها 20 مليون دولار في مواجهة المتطرفين، وتشمل 480 صاروخاً مضاداً للدروع و1500 مدفعية من مختلف الأعيرة، وأشارت مجلة "نيوزويك" إلى أن "حزب الله" تولى عملية نقل الأسلحة الأمريكي عبر مطار بيوت الدولي الذي يقع تحت سيطرته، وتولى اللواء عباس إبراهيم مدير الأمن العام (والذي يعد من كوادر الحزب) مهمة التنسيق نظراً لما يتمتع به من علاقات وثيقة مع جيمس وولسي ومايكل هايدن من الاستخبارات المركزية الأمريكية.

 

ويأتي ذلك التعاون ضمن نشاط المنظومة الاستخباراتية الممتدة عبر محور: طهران-بغداد-دمشق-بيروت، والتي تزود القيادة العسكرية الأمريكية بالمعلومات، حيث أكد معهد ستراتفور أن الاستخبارات الأمريكية تحصل على إحداثيات دقيقة حول مواقع تنظيم "داعش" من دمشق عبر حكومة بغداد، وأكد المعهد أن العراقيين يبذلون جهوداً مضنية للجمع بين السوريين والأمريكان في غرفة عمليات موحدة لتبادل المعلومات وتنسيق العمليات.

 

أما الطرف الثاني من المعادلة فيكمن في إنشاء قوة كردية تتمتع بحكم ذاتي شمال شرقي البلاد، إذ تشير المصادر إلى اجتماع عقدته الاستخبارات الأمريكية مع قادة الاتحاد الديمقراطي الكردي في باريس يومي 11 و12 أكتوبر لتنسيق العمليات وبحث تفاصيل الحملة ضد تنظيم "داعش"، ويسود القلق لدى الساسة الأتراك من ترجيح المشروع الأمريكي كفة الحزب الديمقراطي الكردي المرتبط تنظيمياً بحزب العمال الكردستاني.

 

وفي خطوة تهدف إلى تعزيز استقلالية المناطق الكردية في سوريا؛ توجه وزير الخارجية الفرنسي السابق برنار كوشنير في نهاية شهر نوفمبر الماضي إلى المناطق الكردية في شمال سورية للاستعلام عن الخبرات المتوفرة في مجال الإدارة المحلية في هذه المناطق، والتقى بشخصيات كردية في القامشلي وناقش معها سبل تأسيس نظام حكم محلي في المحافظة.

 

وفي مقابل هيمنة التيارات الإسلامية على الكتائب المقاتلة؛ تعتزم الإدارة الأمريكية إحلال هذه التشكيلات بقوات بديلة يتم تدريبها من قبل الاستخبارات المركزية الأمريكية وحلفائها في المنطقة، ففي مطلع شهر ديسمبر 2014 زار زعماء عشائر عراقيون واشنطن وتم إبلاغهم بتوجه الإدارة الأمريكية لتشكيل قوة عشائرية قوامها مائة ألف مقاتل في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين لمحاربة "داعش" وحماية المناطق بعد طرد التنظيم منها، وتزامن ذلك اللقاء مع نشر كلية دراسات الحرب التابعة للجيش الأمريكي دراسة تحت عنوان: "الميلشيات القبلية: أداة فاعلة لمواجهة القاعدة والجماعات التابعة لها"، كما عقد منتدى السياسات في معهد واشنطن ندوة  تناولت دور العشائر السورية في تحقيق السياسة الأمريكية في المنطقة، وتحدث المشاركون عن الدور الأساسي للعشائر في ظل ضعف السلطة المركزية، مع التركيز على الدور الذي يمكن أن تضطلع به العشائر السورية شرقي البلاد، وكيفية الاستفادة من عشائر حوران في حماية الحدود الجنوبية للقطر السوري، فضلاً عن إمكانية توظيف البنية العشائرية للدروز، مع التأكيد على أن معظم هذه العشائر ترغب في ممارسة دور سياسي في المرحلة المقبلة وتبحث عن ممولين جدد!

 

الأزمة حين تصنع الفرص

من خلال ضعف المعالجة الغربية للأزمة السورية، وإجهاد القوى الداعمة للنظام؛ يمكن القول إن مسار الأزمة يتحرك نحو تحقق أهداف الثورة وانهيار حكم بشار:
فالإدارة الأمريكية تكرر أخطاء الانتداب الفرنسي في مطلع القرن العشرين عبر تعزيز اللامركزية وفرض الإدارة الذاتية في الأقاليم، إلا أن مشروعها قد مُني بنكسة كبيرة إثر انهيار الجيش العراقي المكون من ائتلاف ميلشيات طائفية، ولا شك في أن تعويل واشنطن على الانفصاليين الأكراد سيعود عليها بالمزيد من الفشل، إذ إن "وحدات حماية الشعب" تمثل الحلقة الأضعف ضمن التشكيلات السياسية والعسكرية الكردية التي يفوق تعدادها 40 تشكيلاً، وبخلاف الدور الذي تمارسه القيادة التاريخية للعشائر الكردية في العراق؛ لم ينجح أكراد سوريا في التوافق على مرجعية قيادية يمكن الارتكاز عليها لتشكيل موقف موحد أو تأسيس نظام إدارة محلي، ولا يمكن أن تتوافق هذه الجماعات على تشكيلة ذات توجه ماركسي تدين بالولاء لعبدالله أوجلان.

 

ويغيب عن الاستراتيجيين الغربيين فهم مخاطر العبث بالتكوين الديمغرافي للمجتمع السوري عبر محاولة توظيف العشائر ضد مكونات أخرى من المجتمع، وعلى الرغم من محاولة مراكز الفكر الغربية تصوير العشائر على أنها جماعات من المرتزقة يمكن تطويعها بالمال؛ إلا أن فشل تجربة الصحوات العراقية تؤكد عقم هذه السياسة التفتيتية، في حين يشكل العنصر العشائري مكوناً أساسياً للثورة السورية منذ اندلاعها.

 

ويعكر صفو الغزل الأمريكي-الإيراني غيرة الرئيس الروسي الذي ظن للوهلة الأولى أنه يملك الشق الأشرس من المعادلة الطائفية في المنطقة، مما يدفع موسكو لمحاولة التقدم بمشروع بديل يمكن أن يجهض التوافقات القائمة بين واشنطن وطهران.

 

ويشعر أبناء الطائفية العلوية في سوريا بالخوف إثر تزايد الخسائر البشرية في صفوفهم، وتنامي ظاهر الانشقاقات في عائلة بشار، وتصاعد روح التمرد في فرق الشبيحة حديثة التشكيل، وتكمن المعضلة في أن النظام قد وضع رهاناته كلها في شخص بشار الذي يؤذن عهده بالزوال، ويبدو أن تكرار السيناريو الانتقالي العراقي في الحالة السورية قد أصبح بعيد المنال؛ ففي الوقت الذي استطاع فيه حزب الدعوة تقديم بديل عن المالكي؛ يعجز النظام المتكلس في دمشق عن تقديم بديل لبشار الذي أصبح رمزاً للحماقة السياسية والفشل العسكري، وتدرك موسكو وطهران أن مغادرة بشار تعني انهيار المؤسسات الأمنية والعسكرية التي لا تستطيع مناقشة البدائل المتاحة في ظل نظام قمعي لا يقبل التعددية.

 

وعلى الصعيد نفسه تفقد جماعات الغلو الأرضية والشعبية بسبب لجوئها إلى أدوات القمع التي استخدمها النظام، في حين يتحول قادة هذه التشكيلات إلى أمراء حرب همهم فرض الضرائب وجباية الأموال، وعلى الرغم من التقدم الذي تحقق لهم في بداية الأمر؛ إلا أن تراجع هذه التشكيلات يثبت أن الساحة السورية لا يمكن أن تشكل حاضناً شعبياً لجماعات الغلو، ولن يقبل الشعب بتحديد مصيره في سراديب بعقوبة أو من كهوف تورا بورا.

 

إن غياب الاستراتيجية الدولية الناجعة هي الفرصة بعينها؛ إذ إن الثورة لا تزال تتمتع بديناميكية مذهلة وتمتلك قدرة عالية على التموضع وإعادة التشكيل.

 

وعلى الرغم من الإخفاقات السياسية والعسكرية إلا أن القوة الكامنة لدى الشعب السوري لا تزال قادرة على رفد الساحة بأطروحات جديدة في مقابل ترهل الدبلوماسية الدولية، وما تحتاج إليه الثورة هو تقدم العقلاء بمبادرة تقوم على التخطيط السليم والتشكيل البنيوي المتوافق مع متطلبات المرحلة.

 

ولا شك في أن متغيرات المشهد العسكري على الأرض يمنح قوى الثورة الفرصة السانحة لإعادة ترتيب أوراقها وتحديد أولوياتها، ومن ثم التحرك في أربع مسارات رئيسة:
مسار سياسي يفتح آفاق الممارسة الناضجة والتمثيل الشعبي بعد أن وصلت التشكيلات الائتلافية السابقة إلى طريق مسدود.
مسار عسكري ينبذ الغلو والتطرف بكل صوره، ويعمل من خلال بنية مركزية تتطامن فيها الرايات الفئوية والمصالح الشخصية أمام الصالح العام.
مسار إداري يقوم على إدارة المناطق المحررة ويتجاوز التبرعات "الخيرية" والهبات المشروطة إلى مفهوم التنمية الشاملة.
مسار شعبي يستوعب التعددية المجتمعية ويقلل من مظاهر العسكرة لصالح مشاركة أطياف شعبية واسعة في عملية الإصلاح والبناء.

 

وتحتاج الثورة في هذه المرحلة الحاسمة إلى تعزيز مفاهيم الاحترافية والانضباط، والعمل من خلال خطة استراتيجية تنطلق من: الاستجابة إلى الاحتياجات الأساسية للشعب السوري المنكوب، وتفهم المتطلبات الأمنية لدول الجوار، والأخذ بزمام المبادرة للتقدم بمبادرة وطنية جامعة على أنقاض الدكتاتورية المتهاوية.



1 + 0 =