الطبيب التاجر !
12 ربيع الأول 1436
د. خالد رُوشه

كنت في زيارة لأحد مشاهير الأطباء الذين قيل عنهم أنهم أصحاب أبحاث عالمية ناجحة , وإنجازات طبية معروفة , هالني من البداية منظر المرضى المنتظرين لدورهم في الدخول للقاء الطبيب , كما هالني منظر المزدحمين للحصول على موعد قريب للكشف على مرضاهم , وغالبا ما تكون المواعيد بعد شهر قادم أو ربما أكثر !

 

زادت معاناتي النفسية عندما وجدت المبالغة الكبيرة في ثمن الكشف لهذا الطبيب المشهور , مقارنة بحال بعض المرضى الفقراء الذين يبدو من حالهم عدم قدرتهم على تحمل ثمن الكشف ولا ثمن العلاجات والعمليات الجراحية باهظة التكاليف .

 

ببساطة تستطيع أن تسمع كلمات السخط على هذا الطبيب من فقراء المرضى , وكيف أنه يشترط قبل إجراء العملية الجراحية أن يقدم المريض الثمن قبل بدء دخوله غرفة العمليات , وكيف أنه يشترط إجراءها في مستشفيات باهظة التكاليف , حتى إن الفقير لا يستطيع ابدا أن يعالج .

 

ويحكون قصصا تثير الغضب بل والاشمئزاز في بعض الأحيان حول موقف الطبيب الشهير بينما يساوم احد المرضى - وهو في حالة مرضية حرجة - على الثمن الباهظ وبينما يبكي المريض في استجداء عطف الطبيب إذا به يدير وجهه له ويسلمه لمختص إداري يتصف بغلظة القول والملامح !

 

لم أكن لأكتب ذلك لولا أني رأيت من هذا الطبيب جفاء و مادية و حرصا شديدا على وقته الذي ينفقه على مريضه , فلا يزيد على دقائق قليلة , ولايكاد يستمع لشكواه , بل يقرر قراره فورا بخبرته , بعدما يطلب نائبه عمل عديد الأنواع من التحاليل والإشاعات وغيرها , فينظر فيها الطبيب المشهور في دقيقة , وينظر الى المريض في دقيقتين ثم يقرر قراره في دقيقة أخرى ... هكذا يحدث !

 

هذا الطبيب الذي نحكي عنه ليس حالة خاصة , بل هو نموذج متكرر ومنتشر بين الأطباء اليوم , الذين حولوا العلم إلى تجارة شرهة بغيضة , ولأن الناس يحتاجون بضاعتهم ويضطرون إليها فهم يتصرفون كيفما شاؤوا ولا يجدون نكيرا من أحد !
ذلك قد تلحظه إذا سافرت إلى عاصمة كبيرة من عواصم دولنا العربية , فتلحظ المستشفيات وقد صارت نموذجا ربحيا , اذ تتنافس في الإعلان عما فيها من إمكانات , وخدمة خمس نجوم , وأطباء مشاهير , لكنها بالطبع حكر على ابناء الطبقات الغنية من الشعوب , ولا مكان فيها حتى لأنصاف الأغنياء .

 

إنهم يشترطون دفع الأثمان الباهظة قبل دخول المريض أيا كان حاله السىء الاضطراري , ويشترطون دفع تأمين مالي باهظ , بل والعجب كل العجب أنهم يمنعون المريض بعد إجراء العملية أو إجراءات العلاج أن يخرج إلا بعد سداد اثمان باهظة , بل وصل الأمر أني رأيت بعيني منعهم خروج جثة أحد المرضى المتوفين لأنه لم يستكمل فاتورة الثمن وسط صرخات أهله وبكائهم على ميتهم !

 

لقد ذكرت ساعتها أخلاقنا الإسلامية العظيمة , التي أمرت بالمروءة , والنجدة لكل ملهوف , والعطاء لكل محتاج , والمعونة لكل مكروب , وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل " أخرجه مسلم .

 

وقوله صلى الله عليه وسلم : " من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلما ، ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه " أخرجه مسلم

 

لكم شعرت بالدور الرفيق الرحيم المعطاء لهؤلاء الذين يبنون المستشفيات المجانية أو منخفضة التكاليف – بشرط أن يكون أداؤها جيدا ومتميزا  –  , ولكم شعرت بالدور الحاني الرؤوم من طبيب عطوف رحيم بمرضاه , فلا يغالي في كسبه ويرحم الفقير ويراعي حال ذي الفاقة , ويساوي بين الناس في المعاملة والاهتمام .
 

إن الأطباء في مجتمعنا يمثلون مكانة كبيرة في قلوب الناس لكونهم يتواجدون في لحظات معاناة الناس , وكثير من الناس لايزال ينظر للطبيب نظرة تقدير ومحبة , بل ويعتبرونهم – في احوال كثيرة – قدوة لغيرهم , وينتظرون منهم سلوكا مكافئا لهذا الذي يفهمونه عنه ويظنونه فيه , فإذا رأوا غير ذلك فإنهم ينقلبون ويشتد غضبهم ويخسرون ثقتهم فيه ويصدمون في كثير من المعاني التي عاشوا عليها .

 

يجب أن يعلم الطبيب أن الرزق بيد الله سبحانه , وأن أمراض الناس ليست سلعة للتجارة , وإن كان مباحا له أن يتكسب من عمله , فليس مقبولا منه أن يتجر بآلام الناس , ولا أن يصدم الناس في شىء جميل يظنونه باقيا في مجتمعهم .

 

إن دور الطبيب يجب ألا يقتصر على الممارسة , بل على متابعة العلم في تخصصه , وتعلم أخلاق الإسلام الحنيف , التي تدعو إلى الرحمة والشفقة بكل من يعاني وبكل من يتألم , وأن يرسخ في نفسه مبادىء وقيم الإسلام وعقيدته التي تنبث فيه الأدب والعطاء والبذل والتضحية .

 

يستطيع الطبيب أن يكون داعية مؤثرا في مكانه , بخلقه وعطائه وحسن أدائه وتميزه في عمله , وكلماته الناصحة في لحظات ضعف الناس بين يديه , كما يستطيع أن يكون سفيرا لدينه وحاملا لرسالته الإصلاحية العظمي .

 

قبل أن أختم كلمتي لابد أن أقول أنه لايزال هناك البعض من الأطباء الشرفاء المؤمنين . اصحاب الرسالة الأخلاقية المرجوة , يمارسون عملهم ببذل وعلم و جهد وعطاء غير مبالين بكسب ولا غيره .. هؤلاء من يبقون في أعيننا بقايا الأمل !

لا شك في وجود خلل عند الطبيب التاجر الذي نطلب منه ان يقدم جزءا من عمله للمرضى الفقراء ولكن هذا جزء بسيط من الحل والحل الجذري هو ان يكون هناك وقف خيري خاص بالمستشفيات لعلاج المحتاجين بعيدا عن العلاج الحكومي المقصور على المواطنين او موظفين الدوله او المشمولين بالتأمين الصحي
7 + 1 =