23 ربيع الأول 1438

السؤال

السلام عليكم.. أنا أعاني من مشكلة، وهي أن أمي تحرض أبي عليَّ، والعكس أيضاً، يفتعلون المشاكل لي من أتفه الأشياء، يثيرون غضبي، والمشكلة أني عصبية أحياناً أستفز ولكن أنا خائفة من غضبهم عليَّ.. ماذا أفعل؟

أجاب عنها:
د. علي الدقيشي

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ابنتي الكريمة– أهلا ومرحبا بك في موقع المسلم.
أما بخصوص سؤالك أجيبك بما يأتي:
أولا: زادك الله حرصا على بر والديك وندمك على ما صدر منك تجاههما، ورزقك إقبالا على الخير.

 

ثانيا: اعلمي – بارك الله فيك – أن أعظم الناس حقوقا علينا الوالدان لأنهما سبب خروجنا إلى هذه الحياة، ولعنايتهما الكاملة بنا وقيامهما بكل ما نحتاج إليه بكامل الحب والبذل وإيثار حاجتنا على حاجتهما، وراحتنا على راحتهما ودوام تفكرهما في أمورنا وما يحقق لنا السعادة، وبذلها كل شيء من وقت ومال وجهد ولو على حساب راحتهما، وهما في غاية الفرح.....

 

لذا كانت العناية الكبيرة من الرب العظيم – عز وجل – بالتنبيه إلى عظم حقوق الوالدين علينا، والأمر بالقيام بها خير قيام والإحسان إليهما والبر بهما على الدوام، والتماس رضاهما وشكرهما على ما قاما به تجاهنا، وذلك بإكرامهما والدعاء لهما، وإكرام من له صلة بهما إكراما لهما.

 

يقول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} [الأحقاف: 15].
ويقول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].
ويقول تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 23، 24].

 

ولما سئل الرسول أي الأعمال أفضل: قال بر الوالدين، والإنسان مأمور ببر الوالدين عامة، والأم خاصة مقدمة في البر والإكرام والإحسان لوصية الله بها على لسان رسول الله لما سئل من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك، قال ثم من؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أبوك.

 

وكما سبق في الآيات نجد أن الله تعالى وصى بالوالدين عامة، وحنن الأولاد على أمهم خاصة بتذكيرهم بما لاقته من متاعب وشدائد في حملهم وولادتهم وإرضاعهم وهي محبة لذلك فرحة، وكلها رجاء لهم بأن يكبروا ويسعدوا.

 

ثالثا: ولعظم مقام الوالدين عند الله تعالى جعل رضاه في رضى الوالدين، وسخطه في سخطهما. فمن أراد أن يعجل برضا الله عليه فليجتهد في إرضاء والديه ولاسيما الأم، يقول صلى الله عليه وسلم: "رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين" ويقول: "الجنة تحت أقدام الأمهات".

 

رابعاً: لذلك جاء التحذير الشديد والتخويف من معصيتهما أو مخالفتهما أو الإساءة إليهما ولو بأدنى درجات الإساءة ولو بكلمة (أف) فإن عقوق الوالدين والتقصير في حقهما والإساءة إليهما بأي صورة، كبيرة عظيمةٌ من كبائر الذنوب التي تجعل الله يغضب على العبد ويعاقبه في الدنيا قبل الآخرة.

 

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل: (أي الذنوب أعظم؟ قال عقوق الوالدين)، وجاء في الحديث إن مما يعجل الله له العقاب في الدنيا من الذنوب عقوق الوالدين والظلم).

 

خامسا: فعليك_ بارك الله فيك_بالانتباه في أن التعامل مع الوالدين والتوفيق لبرهما وإكرامهما، وفي نفس الوقت تجنب الوقوع في حرج أو ضيق بسبب أن رأي الوالدين في حالة ما قد لا يكون هو الأصوب فكيف نجمع بين بر الوالدين وبين السلامة من الوقوع في الحرج والضيق.

 

عليك بما يأتي:

1 – عليك بالحكمة وحسن السياسة في معاملة الوالدين، والاستعانة الصادقة بالله وطلب التوفيق منه لذلك.

 

2 – راعي الموازنة في تحقيق البر والإكرام للوالدين، وبين السلامة من وقوعك في حرج في نفس الوقت في المواقف التي يتعارض فيها رأي الوالدين مع رأيك.

 

3 – استعيني بما يأتي على تهدئة نفسك عند تعارض رأيك مع رأي الوالدة في أمر، عليك بالتذكر جيدا بأن الوالدين يحبان الخير لك، أكثر من نفسهما، ويتمنيان أن تكوني أفضل منهما، وأن تكوني في سعادة وراحة على حساب راحتهما، فيجب عليك تجاه هذا الحب والإخلاص والتفاني أن تعملي لهما الشيء الذي يرضيهما، إكراما لهما وطاعة لله، فحينئذ هنيئا لك بالبركة والخير والتوفيق والسعادة من الله.

 

4 - احذري سوء الظن فإن سوء الظن أكذب الحديث وخاصة بالوالدين حيث يبعد أن يريدا شرا بأولادهما، فضلا أن يحرض كل منهما الآخر على إيذاء فلذة أكبادهما واستغفري الله كثيرا من هذا الذنب العظيم، واستعيني على صده كلما خطر ببالك بما ذكرته لك سابقا عن مقام الوالدين، وما يكنانه من حب وحنان وعطف وشفقة لأولادهما، وإرادة الخير لهم، وتقديمهم على أنفسهما.

 

5 – اجتهدي في الإكثار من التعبد لله تعالى بالإكثار من الصلاة والذكر ولا سيما أذكار الصباح والمساء، والمحافظة على قراءة القرآن يوميا.

 

6 – حضور مجالس العلم والمحاضرات في المساجد والدور النسائية لتعليم القرآن.

 

7 – مصاحبة الرفقة التي تذكر بالخير وتعين عليه.

 

8 – تجنبي ما يثير غضبك من البداية، وإذا قدر بأن ثار غضبك، فاجتهدي في دفعه بما أرشد إليه الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – 1 - على الفور من الوضوء.. 2 – تغيير الحال من الجلوس إلى القيام..إلى ترك المكان. 3 – الاستعاذة بالله من الشيطان.

 

9 – أكثري من اللجوء إلى الله بكثرة الدعاء أن يجنبك الغضب وأن يصرف عنك التعصب، وأن يجنبك ما يستفز، وأن يملكك نفسك ويقوي إرادتك على نفسك على فعل الخير وقول الخير ومراعاة أفضل الأدب مع الوالدين.

 

10 – أما تكفيرك عما بدر منك تجاه الوالدة فعليك بالإكثار من خدمتها وإكرامها، والإهداء إليهما، وتلمس رضاهما بالقيام على أمرهما، وطلب العون والعفو والصفح منهما.

 

وأخيرا أكثري من اللجوء إلى الله تعالى – بصدق في طلب التوفيق لك في بر والديك وإكرامهما والإحسان إليهما فهما بابان عظيمان لك إلى الجنة.

 

وأرجو الله أن يوفقك لبرهما وللإحسان إليهما وإكرامهما وأن يعيد عليك بركتهما في الدنيا والآخرة.
والله الموفق.

عبد الله بن حميد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ