اليسر ورفع الحرج... سمة الشريعة الفريدة
29 جمادى الأول 1436
محمد لافي

اختص الله تعالى هذه الأمة الإسلامية بكثير من المزايا والخصائص التي لم يهبها لأمة سواها، فمنَّ عليها بخاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} آل عمران/164، واختصها بحمل الرسالة الخالدة التي هي رحمة للعالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء/107، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} سبأ/28، وجعل كتابها القرآن معجزة خالدة إلى يوم الدين، وحفظه دون غيره من التحريف والتبديل والتغيير: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر/9

 

و لعل من أعظم السمات التي اختص الله تعالى بها الشريعة الإسلامية، وميزها عن غيرها من الشرائع السابقة "اليسر ورفع الحرج"، فبينما كان قتل النفس هو شرطا لقبول توبة اليهود من معصية اتخاذهم العجل إلها من دون الله، بعد ذهاب نبي الله موسى عليه السلام لمناجاة ربه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة/54

 

تجلى فضل الله تعالى وتيسيره على هذه الأمة من خلال قبول توبة العاصي بمجرد الإنابة إلى الله والتوبة النصوح، قال تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} التحريم/8

 

وبينما لم تجز صلاة غير المسلمين إلا في المكان المخصص لها من معبد أو كنيسة أو ما شابه، يصلي المسلم في أي أرض دون التقيد بالمكان المخصص للصلاة "المسجد"، فقد جعلت الأرض كلها مسجدا وطهورا للمسلمين كما في الحديث الصحيح: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)(1).

 

والحقيقة أن اليسر وانتفاء الحرج سمة أساسية في الإسلام، والتيسير مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد تضافرت أدلة الكتاب والسنة على هذا الأمر، قال تعالى: {هو اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبيكُمْ إبْرَاهيمَ...} الحج/78

 

قال ابن كثير في تفسير الآية: "أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء فَشَقَ عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة - التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تجب في الحَضَر أربعًا وفي السفر تُقْصَر إلى ثِنْتَين.... وتُصَلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها...وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات"(2).

 

ورخصة الله تعالى للمسلم المريض أو المسافر الإفطار في شهر رمضان دليل واضح على التيسير على هذه الأمة، قال تعالى: {.... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ العُسرَ...} البقرة/185، كما أن التصريح باقتضاء إرادة الله التخفيف عن المسلمين في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفَاً} النساء/28، يؤكد سمة التيسير الفريدة في هذه الشريعة.

 

وإذا انتقلنا إلى المصدر الثاني للتشريع الإسلامي "السنة النبوية"، سواء من خلال أقواله صلى الله عليه وسلم أو أفعاله، فإن سمة التيسير تبدو واضحة جلية، ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)(3).

 

وفي سيرته العطرة ما يدل على التيسير على المسلمين في شتى المجالات، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا الحَبْلُ؟" قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لاَ حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)(4).

 

ومن المعلوم أن من هديه صلى الله عليه وسلم أنه ما خُيّر بين امرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: " مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ"(5).

 

إن المتتبع لسمة اليسر في الشريعة الإسلامية يجد أنها سمة شاملة عامة، فهناك تيسير في معرفة الشريعة وسهولة في إدراك أحكامها ومراميها، ويسر في التكاليف الشرعية من حيث سهولة التنفيذ والعمل، ويسر في أمر الشريعة المكلفين بالتيسير على أنفسهم وعلى غيرهم.

 

1-    أما يسر معرفة الشريعة وسهولة إدراكها فهو أمر اقتضته حكمة تعالى أن يكون الإسلام لجميع الناس، العالم والجاهل والقارئ والأمي، فلو كان العلم بها عسيرا، أو متوقّفا على وسائل علميّة تدقّ على الأفهام لكان من العسير على جمهور المكلّفين بها أخذها ومعرفتها أوّلا، والامتثال لأوامرها ونواهيها ثانيا.
ومن هنا يمكن فهم تيسير الله تعالى القرآن للذكر، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} القمر/17 وسهولة التكاليف الاعتقادية وعدم وجود غموض أو تعقيد فيها.

 

2-    وأما يسر الأحكام الشرعية العملية:
•    فمنه ما هو سمة عامة في أحكام الشريعة الإسلامية في الأصل، فلم يكلف الله تعالى هذه الأمة بالشاق من الأعمال أو ما لا يطاق، قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسَاً إلا وسْعَهَا..} البقرة/286.

 

ومن أمثلة هذا اليسر الأصلي إعفاء الصغير والمجنون من سريان الأحكام التكليفية عليهما، وإعفاء النساء من وجوب صلاة الجمعة، كما أن القرآن الكريم استثنى من نصوص التكليف الصور التي فيها عسر فيسرها، ومن ذلك أن الله أذن للولي في مخالطة اليتيم في النفقة بعد أن نهى عن أكل أموالهم وأمر بإصلاحها، فقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} البقرة /220، ثم أذن بالمخالطة فقال: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} لأن في عزل نفقة اليتيم وحده عسر على الولي، ثم بين أن المشقة في هذه الأمة ليست مرادة فقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ}.

 

والمتفحص للسنة النبوية يتأكد له تفادي النبي صلى الله عليه وسلم كل ما كان سببا لتكاليف قد تشق على المسلمين، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يحث أصحابه على ترك السؤال لئلا تفرض عليهم فرائض بسبب سؤالهم....ناهيك عن إجماع الأمة على عدم قصد المشقة والعنت في التكليف.

 

•    ومنه ما هو من نوع التخفيف الطارئ على حكم الأصل مراعاة لضرورات العباد وأعذارهم، فهو بمثابة الفسحة لهم في ظروف وحالات معينة، وقد يكون حكم التخفيف الوجوب أو الندب أو الإباحة.

 

ومن التخفيف المندوب قصر الصلاة في السفر، وكذلك الإفطار فيه وفي حالة المرض، ومن التخفيف المباح ما رُخص به من أحكام المعاملات كبيع السلم والمساقاة والقراض وغير ذلك.

 

وترجع أسباب حالات التخفيف في الشريعة الإسلامية لأسباب أبرزها: السفر والمرض والإكراه والنسيان والجهل والخطأ والعسر وعموم البلوى...وغير ذلك من الأسباب المفصلة في كتب الفقه الإسلامي وأصوله.

 

3-    تيسير المكلف على نفسه وعلى غيره:
أما تيسير الشريعة على نفس المكلف فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ المسلم نفسه بنوافل العبادات - وما فيه تخيير بالفرائض كالصيام في السفر - بالميسور، كما أن تيسير الإنسان على نفسه بأمور الدنيا مطلوب أيضا، فلا يظن أن التضييق والتشديد على نفسه من باب الزهد محمود.

 

وأما تيسير المسلم على غيره من المسلمين فمطلوب شرعا ما دام لا يخالف حكما شرعيا، ويظهر ذلك في أبواب من الفقه الإسلامي: كتخفيف الإمام في الصلاة مراعاة لأحوال الناس، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة التخفيف في الصلاة وعدم التطويل فيها، لأن في المأمومين الضعيف والمريض والعاجز، ففي الحديث الصحيح: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والشيخ الكبير وذا الحاجة)(6).

 

هذا غيض من فيض باب يسر الشريعة الإسلامية الواسع والفسيح، والذي لا يمكن لهذه العجالة أن تستوفي هذه الخاصية التي امتازت بها الشريعة الإسلامية، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله.

 

____________________

(1)    صحيح البخاري برقم/335
(2)    تفسير القرآن العظيم لابن كثير 5/455
(3)    سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 3/8
(4)    صحيح البخاري برقم 1150
(5)    صحيح البخاري برقم/3560
(6)    مسند أحمد بإسناد صحيح برقم 7654

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 5 =