خطاب الوعظ وخطاب الإقناع ..
9 جمادى الثانية 1436
د. خالد رُوشه

khaled_rousha@yahoo.com

الداعية إلى الله طبيب للقلوب , يعرف الأمراض , ويشخصها , ويصف الدواء لهم ..

 

 ولاشك أن للقلوب أمراضا مختلفة , وأن نوع الدواء سيختلف باختلافها , وأنه لايمكن لدواء واحد أن يكون علاجا واحدا لكل مرض ..

 

وقلوب الناس عادة تستكين مع المعالج الصادق النقي التقي , الذي طالت خبرته , وعمقت دراسته , وزاد اهتمامه بها , فبحث لها عن اساليب مختلفة لعلاجها , حتى وصل معها لأفضل حال .

 

 

والناس عادة مختلفون , في أفكارهم , وثقافتهم , وبيئتهم , وعاداتهم , وقدرتهم على تشرب الأفكار .

 

ولايمكن بحال أن يهمل الداعية إلى الله هذه الاختلافات والتباينات , فيختزل أ سلوبه الدعوي في لون واحد مكرور معروف و قد تمله الاسماع , وترفضه النفوس , وتسأم منه الطباع .

 

 

 
 لقد كان صلى الله عليه وسلم - وهو معلم البشرية  جمعاء -  ينوع أسلوبه ويختار ما يناسب عقول الناس بل ويأمر أتباعه من الدعاة الى الله بمخاطبة الناس على قدر عقولهم وكان يضبط ذاك الخطاب بضابط الحكمة , ويفعله بما يناسب ظروف وأحوال المخاطبين ..

 

 
ولعلنا نلحظ أن الأسلوب الغالب على كثير من المتحدثين وناقلي الرسالة الإسلامية للناس سواء على المنابر أو في المحاضرات أو في البرامج المختلفة , هو أسلوب الوعظ والتذكير .

 

 

 ولاشك أن للوعظ مكانا مؤثرا في قلوب السامعين , كما أن للتذكير أثره الجميل في تنبيه النفوس وإيقاظها , لكن المشكلة ههنا أن يعتمد هذا الأسلوب في شتى مجالات الحديث الدعوي .

 

 

 انني أتفهم أن يعظ المتحدث الناس بشأن الموت أو تكاثر المعاصي عليهم وتسويف التوبة , أو ماشابه ذلك , لكنني أستغرب من استعمال آخر للوعظ وهو يتكلم عن موضوع مثل عرض منهج دعوي ما أو بيان قانون إسلامي ما , أو عرض قضية تحتاج إلى إعمال عقل وفهم وتدبر .

 

 
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم على ماكان عليه من عظيم تأثير في قلوب الناس بوعظه , كان لايكثر على أصحابه منه , فنرى عبد الله بن مسعود كما أخرجه البخاري يقول : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا " , ولذلك فقد راعى الصحابي الجليل بنفسه ذالك فكان يعد ذلك سببا لقلة تذكيره للناس ووعظه لهم فيقول " إني أخبر بمكانكم فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم " كما في الصحيحين .

 

 
الأمر الآخر ههنا , أن كثيرا من هؤلاء الوعاظ يحسبون أن الوعظ لايكون إلا برفع الصوت وإظهار الغضب , ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته وهو ثابت في صحيح مسلم , نعم وحقا وصدق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله , لكن لاشك أن هذا إنما كان فيما يناسب رفع الصوت فيه واحمرار العين فيه واشتداد الغضب فيه من المواقف والموضوعات وفيما يناسب ذلك من أماكن تجمع الناس وكثرتهم , وظروف سماعهم , وغير ذلك مما يناسبه الموقف والخطاب , لأنه صلى الله عليه وسلم كان أحكم الناس وأرحم الناس وأعلم الناس .

 

 

إنني كثيرا مااتابع من العلماء والدعاة , من يخاطبون الناس بهدوء بالغ , لكنني استشعر منهم سكينة مباركة , وإقناعا فائقا للمستمعين , يفوق تأثير كثير من الصائحين اضعافا مضاعفة .

 

 

بل إن كثيرا من الناس يعتبرون أساليب الخطابة , وإن كانت مناسبة للحث والدفع والمبادرة , فهي قليلة التأثير فيما يخص التدريس والتفهيم , بل هي اساليب تعبوية للتذكير وإيقاظ النفوس ودفعها نحو عمل ما .

 

 

التربويون يعتبرون التاثير الخطابي تأثيرا مؤقتا غير دائم , وكم نرى المصلين في أيام الجمعة يخرجون إلى بيوتهم واسواقهم بعدما يكونون قد استمعوا لخطبة عصماء , بكت منها عيونهم , لكنهم يعودون إلى معاشهم وقد نسى كثير منهم غالبها .

 

 

لست ههنا اقلل أبدا من الاسلوب التأثيري الرقائقي الوعظي , فإن له آثارا إيجابية كثيرة , وكم أيقظ من قلوب غافلة , لكنني أسعى نحو حسن توظيفه , وحسن الاستفادة منه , وهو مااهتم به النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا , في كثير من المواقف .

 

إن خطاب العقل يختلف عن خطاب العاطفة , والخبير هو الذي يستطيع أن يمزج بينهما مزجا ناجحا , فيوظف كلا في مكانه ووقته ومناسبته , فيصل إلى أفضل درجات التأثير .

 

 إنك ترى خصوم الإسلام وأعداء الدعوة الإسلامية , يدأبون ليل نهار على الطعن في الثوابت , ويسعون لزحزحة الناس عن قيمهم الإيمانية , وترى كيف يخاطبونهم خطابا يمس عقولهم , ويؤثر في قلوبهم , ويستعينون في سبيل ذلك بأساليب علمية وبحثية مختلفة , لبث قناعاتهم المنحرفة , فيحرصون على مضمون الخطاب قبل اسلوبه , ثم يهتمون باسلوب العرض , ومناسبة ذلك , ويدرسون نوعية المخاطب , وربما أداروا حلقات نقاش حول موضوع ما ليبرروا رؤاهم الخسيسة ويمرروا أفكارهم الخبيثة , وللاسف فإن بعض آساليبهم قد وجدت آذانا من بين ابناء الإسلام .

 

 

إن واجبا علينا أن نكون على مستوى هذه الحرب الضروس , حرب الأفكار , والقيم والثقافات , التي نتعرض لها عالميا , ويتعرض لها ديننا وقيمنا ومبادئنا , ولن يكون ذلك إلا بتقويم ومتابعة لاساليبنا وطرقنا ووسائلنا المختلفة , وبمالا يمس ثوابتنا المباركة .

 

2 + 2 =
إبراهيم الأزرق
د. أحمد فخري
أسماء عبدالرازق