محاسبة النفس
25 شوال 1436
محمد بن عبد الرحمن السعدان

الحمد لله وحده، الملك الديان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عدد ما كان وما هو كائن إلى آخر الزمان، وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله إلى الثقلين الإنس والجان، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان.. أما بعد:

فإن فلاح المسلم وحُسن عاقبته وسعادته في الدارين بمحاسبة نفسه بحملها على ما يُرضي الله تعالى، وإبعادها عما يُغضب المولى – عز وجل -، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18]، فمحاسبة المؤمن نفسه لها أثر كبير وأهمية عظيمة في استقامة دينه وقوة إيمانه، وبمحاسبة النفس تتضح عيوبها فيتجنبها المؤمن، فمنها تبدأ السعادة، وإليها تستقر النفس وترتاح.

 

ولا صلاح للقلب إلا بها، وبها يعرف الإنسان آثام نفسه وسيئاتها، ويفوز في الأولى والأخرى. قال العلامة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: "وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللاً تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصراً في أمر من أوامر الله بذل جهده، واستعان بربه في تتميمه، وتكميله، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه، وبين تقصيره هو في حق الله، فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة.. والحرمان كل الحرمان أن يغفل العبد عن هذا الأمر!! ويشابه قوماً نسوا الله، وغفلوا عن ذكره، والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطاً، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبناً لا يمكن تداركه، ولا يجبر كسره؛ لأنهم: هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم، وأوضعوا في معاصيه"(1).

 

وعن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله"(2)، قال النووي رحمه الله: "قال الترمذي وغيره من العلماء: معنى: "دان نفسه" حاسبها"(3). ولذلك فإنه لا بد من محاسبة النفس، وذمها على التقصير في حق الله تعالى، وذلك أن النفس خطرها عظيم، وشرها مستطير، وهي داعية إلى الجهل، قائدة إلى الهلاك، توّاقة إلى اللهو والهوى – إلا من رحم الله -، قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37-41].

 

ولقد كان السلف يحاسبون أنفسهم محاسبة مستمرة، فهذا أبو بكر الصديق يحاسب نفسه، فيأخذ بلسان نفسه ويقول: "هذا أوردني الموارد"(4). وهذا عمر الفاروق يحاسب نفسه كذلك؛ فعن أنس قال: "سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً وقد خرج، وخرجت معه حتى دخل حائطاً، فسمعته يقول: أمير المؤمنين!! بخ! بخ! والله لتتقيَّن الله أو ليعذبنَّك!"(5). وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض خطبه أيضاً: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً: أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية"(6).

 

وقال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:2]: "لا تلقى المؤمن إلا وهو يعاتب نفسه، ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردتُ بشربتي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه"(7). وقال مالك بن دينار رحمه الله: "رحم الله عبداً قال لنفسه: ألستِ صاحبةَ كذا؟ ألستِ صاحبةَ كذا؟ ألستِ صاحبةَ كذا؟ ثم ذمّها، ثم خَطمها، ثم ألزمها كتاب الله، فكان لها قائداً"(8).

 

إن تفقد عيوب النفس يزكيها ويطهرها قال جل وعلا: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:9-10]. وإنَّ أضرَّ ما على المؤمن إهمالُ النفس وترك محاسبتها والاسترسال خلف شهواتها حتى تهلك، وهذا حال أهل الهوى والغرور الذين لا يحترزون من الوقوع في المعاصي ويتكلمون على العفو والرحمة، وإذا فعلوا ذلك سهلت عليهم مواقعة الذنوب وصغر بعينهم وبالها وما علموا أن المصائب والنَّكَبات والشدائد العِظام من عند أنفسنا لسبب الذنوب والمعاصي والتقصير في الواجبات والفرائض، كما قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى:30].

 

أخي المسلم حاسِبْ نفسَكَ لتعرف كتابك، وانظر إلى حقوق الله هل وفيتها، وإلى حقوق العباد هل أديتها، وإلى آيات القرآن هل قرأتها وتدبرتها، وإلى عينيك هل في المعاصي أسهرتها أم في خشوعك أبكيتها، واعزِمْ وتوكَّلْ على الله إن عقلتها، اللهم اجعلنا ممن يحاسبون أنفسهم ويخافون سوء الحساب، وأعِنَّا بحولك وقوتك فإنه لا حول ولا قوة إلا بك يا قوي يا عزيز.

 

___________________

(1)    تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (5/213). ط: دار المدني بجدة.
(2)    رواه الترمذي وقال: حديث حسن (2459).
(3)    انظر: رياض الصالحين، باب المراقبة (66).
(4)    رواه مالك في الموطأ (1788).
(5)    مختصر منهاج القاصدين ص 411.
(6)    إغاثة اللهفان (1/130).
(7)    إغاثة اللهفان لابن القيم (1/130). ط: المكتب الإسلامي.
(8)    إغاثة اللهفان لابن القيم (1/132).

جزاكم الله خيرا ، و بارك الله في جهودكم الطيبة
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
5 + 5 =