مصيدة العناوين !
4 ذو القعدة 1436
د. خالد رُوشه

كنا في السابق نستطيع تقييم أهل العلم والفهم والحكمة من مطالعة ما يكتبون , نقرأ كتبهم , أو بحوثهم , أو مقالاتهم , فنستضىء بها , ونستطيع تقدير قدرهم وقيمتهم , ومن ثم يتركون – إن هم ذهبوا عنا – ميراثا من الفضل مكتوبا , يظل مصباح خير عبر الايام ..

 

دارت الأيام ومعها دارت الوقائع , وتداخلت في المسالة الكتابية تداخلات سلبية إلى حد يرثى له !

 

 

صرت الآن تبذل جهدا جهيدا كي تبحث عن مقال رصين لصاحب علم أو معرفة , إذ أمامك ركام كبير من كلام مهترىء فارغ , لا يقدم نفعا , ولا يناقش علما , ولا يسير على نهج !

 

فلا غرابة أن تقرأ لكاتب اليوم مقالا يدافع فيه عن مبدأ , ثم هو غدا يخالفه ليكتب مدافعا عن نقيضه , ومن الطبيعي الآن أن تجد كتابا لكاتب قد جمع مقالاته المكتوبة , فإذا بك - بينما أنت تقرأ , كأنك تقرأ لحاطب ليل , فلا نهج ولا رؤية , ولا هدف , إلا المال , أومجرد النشر !

 

لا غرابة ايضا في هذه الايام أن تقرأ كتابا لكاتب معروف فتقول ماأحسنه , ثم تصدم بعد أيام قليله إذ تقرأ صرخات لكاتب مغمور يتهم الكاتب الشهير بأنه قد سرق كتابه , ما هو أغرب أن تجد ذلك يحدث مع من لا يمكن أن تظن فيه ذلك !

 

كل ما سبق وجع , وما يحدث الآن وجع آخر , فقد طغت مواقع التواصل الاجتماعي وأثرت سلبا على مسألة الكتابة الرصينة والنافعة أيما تأثير , فالآن كل الناس صاروا يرون  أنفسهم حكماء , ووعاظا , وكتابا , وعلماء , فالجميع يكتب , والجميع يدلي برأيه , بل هم كذلك يضعون رؤيتهم في مقابل رؤية أهل العلم الراسخين , في حين أن كما كبيرا من المكتوب منقول أو بمعنى أوضح – مسروق من كاتبه - !

 

بالطبع هذه الكثرة الرهيبة من الكتابات الغثائية , أفقدت القارىء قدرا كبيرا من الثقة فيما يقرأ , فالكل  قد صار سواء , بل إن كثيرا من الكتابات الفارغة صارت تحمل عناوين ساخنة , تعمل عمل المصيدة للقارىء بينما هو يتصفح !

 

صار الكاتب الآن يبحث عن العنوان قبل المحتوى , وصار القارىء هو الآخر ينجذب للعنوان حتى لو فرغ محتواه , حتى صرنا أمام ما يمكن أن نسميه المقالات الصفراء والكتابات الصفراء !

 

 

لا أبالغ إذا قلت أن الحال المتردية للكتابة الآن قد تُوصلنا أن تصير المواقع المنهجية والصفحات البحثية والعلمية والصحف الرصينة بل والكتب , مجرد أدوات أرشيفية , قد فقدت الحياة التفاعلية , وصار قراؤها في انحسار متزايد يوما بعد يوم , بالتالي ينحسر أثرها , وتتجمد فائدتها الإيجابية المهمة .

 

الكتابة الرصينة المنهجية تعاني الآن أشد معاناة , ويعاني أصحابها , وقد يرون أنفسهم غرباء , يستغربهم القراء , وقد يتعرضون للسخرية في بعض الأحيان , تماما كما كان المتحدث باللغة العربية الفصحى يتعرض للسخرية في مصر والمغرب وكثير من البلاد عبر عقود مضت ولا يزال أثرها !

 

إننا بحاجة أن نعيد للكتابة المنهجية قدرها وقيمتها , وأن نثبت أمام هذا الطوفان الشديد من الغثاء والمصائد والكتابات الصفراء ... وللحديث بقية

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
8 + 0 =
أسماء عبدالرازق
سعد العثمان
د. علي الدقيشي