23 ربيع الأول 1437

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله، ابني الآن عمره 8 سنوات، ومشكلته أنه لا يذهب إلى دورات المياه بالمدرسة لقضاء حاجته، ويقضي بوله وبرازه على نفسه، وهذه هي المرة الثالثة، ذهبت للمدرسة وسألت المعلم يقول إنه لا يرفض طلباً للولد، ويتركه يذهب للحمام عندما يريد، لكن المشكلة في ولدي لا يطلب ذلك من المدرس ولا يخبره بأنه يريد الذهاب للحمام.

أجاب عنها:
أميمة الجابر

الجواب

أطفالنا فلذة كبدنا، نعمة وهبها الله تعالي لنرعاها ونتعهدها، فالطفل كالنبتة، إذا رعيتها ووفرت لها الماء والهواء والشمس الدافئة ترعرعت وازدهرت، وإن أهملتها ذبلت واصفر لونها.
كثير منا يُحمل طفله ما لا يطيق دون قصد ثم يشتكي منه، أو يضغط عليه ويحرمه من حقوقه وطفولته، ثم يلومه عند حدوث أي سلوك غير عادى، فلننظر في أنفسنا ونحاسبها حتى نصل للحلقة المفقودة.
يجب أن نهتم ابتداء بالبناء النفسي لأبنائنا في فترة الصغر، لأن ذلك البناء هو الأساس الذي تنبني عليه الشخصية، وهو كذلك الأساس الذي يمكن أن يمنع – بإذن الله سبحانه – أن يصاب الطفل بأمراض يكون لها أثر عضوي.
السائلة الكريمة:
المعلومات التي قدمتيها في رسالتك مختصرة جداً عن حالة طفلك، ويجب أن يكون أمامنا معلومات أكثر عن تاريخه البنائي النفسي والسلوكي وما أحاطه من ظروف بيئية قد تكون أثرت فيه.
لم نعرف هل هذا السلوك سلوك مفاجئ أو أن له سابق حدوث ولو منذ فترة، كما لم نعرف مدى وعي الطفل لما يدور حوله، وهل يتصف الطفل بالانطواء أو العدوانية؟ ومنذ متى؟ وغير ذلك..
من رسالتك فهمت أن طفلك فعل هذا السلوك ثلاث مرات بالمدرسة، فحتى الآن لا نستطيع أن نسميها ظاهرة في سلوكه، بل فقط أمامنا جرس إنذار لمشكلة قادمة، إلا أن تكوني غافلة عنه فيما سبق، فنرجو توضيح ذلك، فهو لا يفعله بصورة مستمرة.
ودعيني أسألك في البداية هل هو يفعل ذلك بالبيت أيضا؟
وهل يتصف باللامبالاة بأفعال الآخرين وردود أفعالهم؟
هل تحتاجين لرفع الصوت أمامه عندما تطلبين منه الأكل أو الشرب أو غيره؟
هل تقومين بالصراخ في وجهه ليفعل شيئا تطلبينه منه؟
ما مدى استجابته؟
فإن كان هناك أية علامات متكررة تدل على غفلته، ولا مبالاته بمن حوله، أو غيره فلابد من المسارعة باستشارة طبيب نفسي لنتدارك الأمر.
وإن كان يفعل نفس السلوك بالبيت (من التبول والتبرز)، فربما يشتكي الطفل من مرض عضوي، فلا بد ابتداء من استشارة الطبيب المختص في أمراض الجهاز الهضمي والقولون، وكذا المسالك البولية، وعمل الفحوصات اللازمة والتحاليل للاطمئنان، ليسهل علينا حل المشكلة.
يجب علينا كذلك أن نتأكد، هل ما يحدث للطفل يحدث رغما عنه أو عمدا منه؟ وليس معنى العمد أنه يفضل ذلك أو يحبه، بل قد يكرهه جدا لكن يتكون لديه وازع نفسي يدفعه لذلك الفعل ويجب أن نبحث عن ذلك بحثا حثيثا.
و إن لم يكن يفعل هذا السلوك بالبيت، فذلك دليل على أن هناك بالمدرسة أسباباً لهذه المشكلة يتوقع أن يكون منها:
_ ربما يكون عدم دخوله لدورات المدرسة أنها غير محبوبة لدى الطفل، سواء من حيث نظافتها أو خوفه للدخول فيها لأي سبب (نريد أن نبحث عن السبب)، فيقاوم رغبته في الدخول حتى يعود للبيت فلا يستطيع. (يجب علينا في حالة خوفه أن نبدد تلك المخاوف تماما تدريجيا، عن طريق أعمال تطبيقية ولا نقتصر على مجرد النصح اللفظي، على أن يصاحب ذلك النصح والإرشاد اللفظي).
_ أو قد يكون الطفل غير مجتهد في دراسته، فيخاف من المدرس عند سؤاله أي سؤال وهو غير مستعد، (نريد أن نعرف مستوى الطفل في التحصيل العلمي أيضا، وعليك الاهتمام به دراسيا، وسد ثغرات عدم الفهم عنده).
يهمنا بدرجة مهمة أن نزرع الثقة فيه على أية حال، سواء على المستوى العلمي أو الصحة والقدرة الجسدية أو النفسية، كما يهمنا التواصل مع الأخصائي الاجتماعي المدرسي، ومدرسيه للمواد المختلفة (ومن ثم عمل سجل معلومات عن الطفل).
_ انظري أيضا لعلاقة الطفل بأصحابه فربما يعاني من الضعف أمامهم، وربما يكون هناك من يقسو عليه أو يؤذيه، يقوم بضربه أو يضغط عليه في أي أمر، أو يستهزأ به دائما.
نريد أن نراجع مشاهدات الطفل، فعادة الأطفال هي مراقبة ومشاهدة ما يحدث من حولهم، فالطفل يكتم ما يحدث أمامه في نفسه.
ويهمنا ههنا أن نطلب منك – كأم – العمل على مصاحبة الطفل والجلوس والكلام معه واستدراجه في الكلام بطريقة ذكية على وجه المحاكاة دون تخويفه أثناء الحديث، بل يكون هذا الحوار مملوءا بالمزاح والكلمات اللطيفة لسرد كل ما بداخل الطفل دون خوف، وان تتكرر تلك المجالس.
_ أحيانا يكون الطفل مضغوطا بالبيت غير آخذ حقه في اللعب كأي طفل، فعندما يذهب للمدرسة ينهمك في اللعب مع أصحابه، فيبخل على نفسه بقضاء حاجته مهما كان محتاجا لها، وتنتهي فترة الفسحة دون دخوله الحمام، فحاولي إشباعه في البيت باللعب، وأبعدي الأشياء التي تخافين تكسيرها، فلا ينبغي أن يكون البيت للطفل كالحبس وعندما يخرج خارج البيت يفرغ طاقته المكبوتة.
وأرجو منك مراعاة عدة أمور:
_ إذا فعل الطفل هذا السلوك - خاصة أنها مرات معدودة - فلا توبخيه عندما تجدي ثيابه مبللة أو متسخة - ولكن حاولي تخفيف هذه المصيبة عليه - لأنها آلمته أكثر منك - ببعض الكلمات مثل (لا بأس _ أنا عارفة أنك غير قاصد _ أو اجعلي نفسك لم تري شيئاً) ثم تنظيفه برفق.
فإن معاملته بالمرونة والابتسامة قد تنقذه نفسيا، واحذري توبيخه أمام إخوانه أو أصدقائه، حتى ولو يكن هذا الأمر سرا بينك وبينه، لئلا تعرضيه لانطواء أو خجل بسبب سخرية الآخرين منه.
و إذا طالت هذه المشكلة فلتنتبه الأم لعدة أمور:
_ محاولة إبعاد المشاكل الأسرية والزوجية عن الطفل وعدم إظهار الخلافات أمامه فلا بد أن ينعم الطفل بجو هادئ ليكون شخصية سوية.
_ الانفصال بين الزوجين قد يكون من الأسباب الأساسية لهذا المرض، لأنه ولكثرة أعباء الأم قد تفرغ عصبيتها وصراخها على أطفالها، فالطفل لا يستطيع دفع هذه الضريبة ليجني خطأ والديه.
_أيضا عدم معاملة الطفل الوليد أفضل منه، لعدم حدوث غيرة تدفع الطفل لفعل هذا السلوك للفت الانتباه إليه.
_ أيضا تشجيع الطفل معنوياً عندما نجده يطلب دخول الحمام ولو بالتصفيق، أو بكلمات بسيطة، أو بتقديم له هدية ولو رمزية، أو وعده بشيء يحبه لو امتنع عن هذا الأمر.
_ولابد من مدحه دائما أمام أصدقائه أو أقاربه لاستعاده تقديره لنفسه، وتشجيعه على استخدام قدراته، فنعزز من نظرته لنفسه.
_محاولة إدخال الطفل الحمام قبل النوم مرة أو مرتين، وتقديم العصائر أو اللبن قبل النوم بساعتين مثلا، ليس قبل النوم مباشرة، والاهتمام بدخوله الحمام أكثر من مرة في الصباح وقبل الذهاب إلى المدرسة.
- وبالعموم فنصيحتي العامة هي المسارعة بزيارة المتخصصين، وعدم الاكتفاء بالاستشارات المكتوبة.
_ وعلى الأم ألا تيأس فلابد التحلي بالصبر، فإن الله لم يجعل داء إلا وجعل له دواء، فلتحسن الظن بربها وعليها بالدعاء لله تعالى ليرفع هذا الأمر عن ولدها.