مصابيح على دروب الكتابة!
3 محرم 1437
أحمد العساف

ما أجمل أن يفتح الناشئة أعينهم على تجارب كبار سبقوهم في ذات الفن الذي يشتركون في حبه وتدارسه، والعمل من خلاله. وإذا كان هؤلاء الكبار أعلاماً فالفائدة منهم أعظم؛ بيد أنها تربو وتزيد حين يكون صاحب الخبرة ممن يشترك معنا في الإرث الثقافي، ويحمل جزءاً من الهم الحضاري لأمتنا العريقة.

 

وتقييد التجارب والسِّيَر الذاتية محدود في ثقافتنا العربية، بل إن الأكابر قد لا يأبه لهم الإعلام وهم أحياء أو بعد مماتهم، ولذا تغيب ملامح التجربة الفذة التي عاشها كل واحد منهم؛ مع مسيس الحاجة إليها، فكم أنارت سِيَرُ النبلاء والفضلاء دروباً، وأبانت عن حِكَم ودرر، ومنحت للواقفين عليها عقلاً جديداً.

 

ونحن بحاجة للالتصاق بكبرائنا قبل رحيلهم؛ كي نأخذ منهم خلاصات الحياة، ونتائج الأيام التي لاحت لهم، لنستفيد من العبر والملامح المشتركة، ونطور الأفكار والوسائل، فليس من المعروف في شيء؛ البقاء على سنن السابقين دون تجديد أو تطوير أو نقد، باستثناء ثوابت الدين الحكيم.

 

والكتَّاب أصحاب صنعة سامية، ومهمة راقية، فخطرهم على الناس كبير، وأثرهم في المجتمعات لا ينكر، وما أجدرنا أن نثري المهتمين من الأجيال بفوائد من كتاب كبار مضوا من حياة الناس وهم أئمة في هذا الباب، كي يقبس الشبان والشابات من مسيرتهم ما يفيدهم في الكتابة؛ ولذا فسأعرض في هذه المقالة، أهم ماوجدته من نصائح كتابية سطرهما علمان كبيران  في كتابين اثنين.

 

عنوان الكتاب الأول أمراء البيان، تأليف محمد كرد علي، طبعته دار الآفاق العربية، عام (1424)، ويقع في (578) صفحة، وهو تحليل لأساليب عشرة من أكابر كُتَّاب الحضارة الإسلامية، منهم الكاتب الأول عبد الحميد، وابن المقفع، والزيات، والجاحظ، وأبو حيان، وابن العميد وغيرهم.

 

والمؤلف من رؤوس أدباء الشام، وله تاريخ علمي وأدبي حافل، وكتبه غزيرة الفائدة، ماتعة للقارئ، وقد كتب في شؤون أدبية ولغوية، وتاريخية وبلدانية وحضارية، فضلاً عن مذكراته الصادرة في أربعة أجزاء. وتوفي رحمة الله عليه في دمشق عام (1372=1953م)، عن عمر يناهز التاسعة والسبعين عاماً.

 

وأما الكتاب الآخر فعنوانه رسائل الرافعي، وهي نسخة مصورة طبعتها الدار العمرية بلا تاريخ ولا معلومات عن الدار، ويقع في (300) صفحة، وألحق الناشر بعدها رسائل متبادلة بين شيخ العروبة أحمد زكي باشا والأب انستاس الكرملي. ورسائل الرافعي عبارة عن إجابات على سؤالات وردته من كاتب متابع له، واستمر التواصل بينهما خلال ربع قرن، وعددها مئتان وثمانية عشر جواباً؛ من مجموع يفوق ثلاثمئة رسالة؛ بيد أن بعضها لا يصلح للنشر العام.

 

والرافعي علم من أعلم الكتابة والأدب، ومن أجلِّ كتبه وحي القلم، وتاريخ آداب العرب، الذي يتضمن أبحاثاً عن بلاغة القرآن وإعجازه. وقد توفي رحمه الله في مدينة طنطا المصرية ضحوة يومٍ من عام ( 1357=1938 م)، عن سبعة وخمسين عاماً، ولمحمد سعيد العريان كتاب أخاذ عن سيرة صديقه الرافعي رحمهما الله.

 

وسأسرد فوائد كتاب كرد علي أولاً؛ لأنه أسنُّ، وقراءتي له سابقة على قراءة كتاب الرافعي، ومن الذكريات التي لا تنسى أنني كنت أتبادل فوائد هذين الكتابين مع غير ما إنسان من شداة الكتابة والأدب عبر الرسائل الهاتفية أو البريدية، وكان وقعها حميداً، خاصة على من كانت همته عالية في الأدب، ومعالجة الكلمة.

 

وهذه أبرز المنتقيات من كتاب أمراء البيان، وهو كتاب يصلح للأدباء، وللوزراء ورجال الدولة، والذي يهمنا هنا ما يخص الكتَّاب، ومنه:
1.    البليغ من الكلام ما فهم وأبقى في النفس أثراً.
2.    على الكاتب أن يوفي اللفظ والمعنى حقهما.
3.    على الكاتب المبتدئ أن يسترشد بتجارب من سبقه.
4.    قيل لعمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم ليسمع منها. قيل: فهل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ عنها.
5.    إن استطعتم أن تكون كتبكم توقيعات فافعلوا. جعفر بن يحيى.
6.    رفع ملوك بني العباس بلغاء كتابهم إلى الوزارات، وقلما رفعوا شاعراً لشعره، لأن الشعر خيال وحس، والكتابة عقل وحقيقة.
7.    الكاتب ينال بالكتابة الوزارة فما دونها من رتب السياسة. ابن سنان.
8.    الكتَّاب كما يقول ابن قتيبة هم ألسنة الملوك.
9.    خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً. عبد الحميد الكاتب.
10.    نصح ابن المقفع كاتباً بقوله: إياك والتتبع لوحشي الكلام، طمعاً في نيل البلاغة، فإن ذلك هو العي الأكبر.
11.    ونصح آخر: عليك بما سهل من الألفاظ؛ مع التجنب لألفاظ السفلة.
12.    كان ابن المقفع كثيراً ما يقف إذا كتب، فقيل له في ذلك فقال: إن الكلام يزدحم في صدري فأقف لتخيره!
13.    على الكاتب ألا يكون بخيلاً في ألفاظه ولا مسرفاً، فيجمع بين الجزالة والوضوح والإيجاز.
14.    إذا جعل الكاتب كلامه مثلاً؛ كان أوضح للمنطق وآنق للمسمع، وأوسع لشُعَب الحديث.
15.    طريقة سهل بن هارون في الكتابة لا تكلف فيها، ولا يشاهد فيها الناقد أثر التصنع، فهو وابن المقفع والجاحظ من غِرار واحد.
16.    هياج النفس بالحب، وهياج النفس بالشدة، مدعاة إلى تفتح القريحة عند بعض الناس.
17.    القلم لسان الضمير، فالمقال يعبر عن كاتبه وإن تنصل!
18.    لعل أعظم سبب في توفيق إبراهيم بن العباس الصولي وتفوقه، هو زهده في الغريب من اللفظ، وتشبثه بأهداب المعنى أكثر من كل شيء، واعتداده بعفو القريحة ووحي الساعة.
19.    على الكاتب أن يتخير ألفاظاً لمعانيه، لا معاني لألفاظه، فالاستكراه سماجة.
20.    عقل المنشئ مشغول، وعقل المتصفح فارغ. الجاحظ.
21.    إن فتنة اللسان والقلم، أشد من فتنة النساء، والحرص على المال. الجاحظ.
22.    المشاكلة في الفكر والعواطف أثمن صداقة.
23.    من تصفح كتب البلغاء والحكماء ليستفيد المعاني وليس الألفاظ فقد أصاب.
24.    يكتب الكاتب ليفُهم لا ليعُجم.
25.    من مأساة الكاتب أن يعرض عقله المكدود على عقول فارغة!
26.    اكتب على أن الناس كلهم لك أعداء، وكلهم عالم بالأمر، متفرغ له. الجاحظ.

******

 

والآن إلى المنتقى من كتاب رسائل الرافعي، وأحث القارئ على النظر في كتاب حياة الرافعي للعريان، ففيه مزيد فائدة، علماً أن هذه المختارات لا تغني الكاتب الجاد عن النظر في هذه الكتب، والنهل المباشر من تراث هذين العلمين الكبيرين:
1.    الاستعداد الغريزي هو الشرط الأول في الأدب.
2.    جميع ما كتب ابن المقفع يصح أن يكون مثالاً يحتذى، وكتب الجاحظ وحدها عمدة كافية في هذا العلم، ومن فاته الإطلاع على الأغاني فقد فاته أكثر جمال اللسان، والعقد الفريد أنبه من أن ينبه عليه، ونفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب قيل فيه: من لم يقرأه فليس بأديب.
3.    عليك بقراءة كتب المعاني قبل كتب الألفاظ.
4.    تفقه في البلاغة بكتاب المثل السائر، وأساس البلاغة للزمخشري لا غنى لأديب عنه.
5.    اقرأ كل ما تصل إليه يدك فهي طريقة شيخنا الجاحظ، وليكن غرضك من القراءة اكتساب قريحة مستقلة، وفكر واسع، وملكة تقوي على الابتكار.
6.    لا أكتب عندما أريد ولكن يضطرني الموضوع نفسه إلى الكتابة فيه.
7.    الكاتب لا يبلغ أن يكون كاتباً حتى يقطع عمراً طويلاً في الدرس وطلب الكتابة.
8.    ما أرى أحداً يفلح في الكتابة والتأليف، إلا إذا حكم على نفسه حكماً نافذاً بالأشغال الشاقة الأدبية، كما تحكم المحاكم بالأشغال الشاقة البدنية، فاحكم على نفسك بهذه الأشغال سنتين أو ثلاثاً في سجن الجاحظ، أو ابن المقفع أو غيرهما.
9.    المجاز هو حلية كل لغة وخاصة العربية، ولا أعدُّ الكاتب كاتباً حتى يبرع فيه.
10.    لابأس على الكاتب من التكرار إذا اقتضاه السياق؛ لأنه من بنية الكلام حينئذ.
11.    الكاتب بحاجة إلى الأسلوب؛ إذ هو وحده الذي يظهر الكاتب وتتمثل فيه الشخصية.
12.    ترك العمل الكتابي ثم العودة إليه بعد فترة قد يكون فيه بركة عظيمة.
13.    النبوغ صبر طويل.
14.    لا قيمة لكاتب لا يضع في اللغة أوضاعاً جديدة.
15.    الناس يحسبون أن الإنسان يستطيع أن يكتب في كل وقت، ومع كل حالة كأنه مطبعة؛ ليس إلا أن تدور فيخرج الكتاب. وهذا غير صحيح، فلا بد من أحوال هادئة مواتية، ما دمنا في أمر الفن والابتكار؛ وإيجاد ما ليس موجوداً.
16.    السبيل لدراسة الأدب العربي أن تقرأ كل كتاب، وأن يكون لك طريقة خاصة في الاستنتاج والفهم، وأن يكون لك أسلوب قوي في الكتابة، فاقرأ كل ما تجده؛ وما تستطيع أن تجده.
17.    النشر يبعث في الكاتب المبتدئ نشاطاً كبيراً.
18.    بعض الكتب تفتق الذهن، وتكسب ملكة حسنة في فهم الدقائق.

 

وكما تعالج الكتابة علل المجتمعات، وتصلح خلل الواقع، فإنها من أفضل ما يعالج المرء بها نفسه، شريطة أن يكون ذا موهبة اجتهد في صقلها، أو صاحب مقدرة حرص على تنميتها بالمران والسؤال، ولا غنى للكاتب أياً كان عن القراءة؛ فهي أمضى سلاح له بعد توفيق الله. وأما الذين يتقحمون عالم الكتابة بلا موهبة مؤهِلة، ولامقدرة مدَرَّبة، فلعمر الله إن ما يكتبونه مجلبة شر وغم لمن يقرؤه، وسبب بلاء وفساد لمجتمع يفرض عليه محتواه الهزيل، ولا يشفي كاتبه إن كان لديه شعور صادق!

3 + 4 =