خطوات لحل المشكلات الزوجية
17 محرم 1437
د. خالد رُوشه

قابلني وهو شاحب الوجه , نحيل الجسد , غائر العينين , متجهم , يسير بلا تركيز, حتى إنه لم ينتبه لسيري بجواره أو التقائي به , عرفته وعرفت ما به مباشرة , لكثرة ما يحصل معه من مشكلات اسرية .

 

 

سألته , هل لاتزال المشكلة ؟ قال نعم , بل وتفاقمت , ولا أجد لها حلا ولا أجد من ينصحني , وكلما تناقشنا زاد الطين بلة !

 

 

اتفق معك أيها القارىء الكريم أن الحل النظري الكتابي لاية مشكلة أسرية هو اسهل الطرق , وأن وصف العلاج قد يجري على ألسنة الكثيرين خصوصا من كبار السن أو اصحاب الخبرات الحياتية ممن يحيطون بنا .

 

 

إلا أن أمرا أيضا لا يمكنني إغفاله هو أن الاتفاق على المبادىء السليمة هو أول طريق الحلول , ومن أجل ذلك رغبت في أن أتفق مع قارئي حول بعض المبادىء الهامة التي مع امتزاجها قد تصير وصفة هامة لإصلاح البيوت ..

 

 

فالمشكلة المنزلية أمر حاصل بالطبيعة البشرية , نتيجة كثرة الاحتكاك اليومي , وكثرة الهموم الحياتية , وتنوع الرغبات الإنسانية , واختلاف المفاهيم والطباع وغيرها , فوجود مشكلة ببيت ما – مادامت في حيز مقبول – لا يعني بحال وجود ظاهرة مرضية من نوع ما , بل قد يكون وجود بعض المشاكل ظاهرة صحية كتلك التي تقوم على رغبات متضادة في أنواع الإنجاز واساليبه وطرقه متفقة على أصله وآدابه ووسائله الحميدة ..

 

 

الأمر المقلق هو أن تصير المشكلة المنزلية أزمة مزمنة فتتعكر معها أجواء البيت وتظل تتفاقم بلا حل لفترات طويلة بلا أدنى ضوء في نهاية النفق , فتبدأ الأمراض النفسية لأفراد الاسرة في الظهور على السطح من الاكتئاب إلى الانطواء إلى العصبية الشديدة إلى سوء الظن والمخاوف الشاذة , وتبدأ الأفكار السيئة تتوارد على ذهن أفراد الأسرة الواحدة تبتدىء بردود الأفعال وتنتهي بالإنفصال !!

 

 

 

دعني اعتبر معك أيها القارىء الكريم أن التوصيف الصحيح والصائب للمشكلة هو أول خطوات حل أية مشكلة , فقد تتصاعد وتيرة مشكلة ما حتى ينسى أطرافها كيف كانت بدايتها , وكم من أزمة صغيرة استرسل معها أصحابها حتى صارت عصية على الحل , وكم من مشكلة غاب سببها الحقيقي عن الأطراف فتفاقمت وكان من الممكن أن تنتهي ببساطة , أعطيك مثالا يحدث كثيرا , فإن نسبة غير قليلة من المشكلات الأسرية يكون سببها عائد إلى إهمال الزوجة لزوجها فيما يخص علاقتهم الخاصة , ويترتب على ذلك الشجار والعصبية , ومن ثم يكون الطرفان في حساسية لاية موقف , وقد يبحثان عن شىء ليغطيان به سبب المشكلة أمام الناس , ولووقف الأطراف على أصل مشكلتهم وقاموا بحل أسبابها لانتهت سريعا ولتصافيا ..!

 

 

فلنبدا إذن بالنظر الصائب للمشكلة عبر تركيز دقيق لها , بعيدا عن حالة الغضب والحساسية , وبعيدا عن طرفها الثاني , فإن عسرت علينا كأفراد فلنستشر فيها من نظنهم خبراء علماء بمثل موضوعها , ولنجمع الرؤى لأسبابها بوضوح حتى تتكون أمامنا صورة حقيقية للمشكلة 

 

 

كذلك فنحن كثيرا ما نرى مشكلتنا من جانب واحد فقط , والمعروف أن كل أزمة لها عناصر مختلفة شاركت في وجودها , ومن الخطأ الكبير تغافل مختلف العناصر وتركيز الغضب والاتهام على عنصر واحد هو أحد أفراد الأسرة , ليحملها وحده ومن ثم تتدفق عليه شتى الأزمات !

 

 

يجب علينا أن نحلل مشكلاتنا الأسرية إلى عناصرها الاساسية وأفرادها المتسببين فيها والمتأثرين بها وعندئذ نزيد الصورة وضوحا ونزيد السبيل ضوءا آخر , ولنضرب لذلك مثالا بمشكلة كثرة خروج المرأة وشكوى الزوج من ذلك , فلنبحث عن عناصرها , سنجدها مثلا جارة أو صديقة تحثها على الخروج , ووهم كآبة تشعر بها في بيتها , وعدم وجود من يلبي لها حاجاتها الشرائية , وتشويش عندها في مفهوم دور المرأة في بيتها , وقصور في فهمها لما يمكنها أن تفعله في منزلها من إنجازات , وقلة نصح من أمها , وكثرة غياب لزوجها وعدم وضوح في مفاهيم الوقار في المنزل ... وهكذا

 

 

كذلك فإن البعد عن مكان التوتر , والهدوء والحلم والأناة , مؤثرات أخرى مهمة في حل مشكلاتنا الأسرية , فمن الواضح أن من يتصفون بتلك الصفات هم اقل الناس معاناة من المشكلات الصاخبة .

 

 

 فالرجل الذي يصر على البقاء وجها لوجه أمام امرأته أثناء المشكلة , ويظلان يصرخان لبعضهما , والإبن الذي يصر على الوقوف في وجه أبيه أثناء غضبه , ويرد الكلمة بالكلمة , والبنت التي تتصلب في وجه أمها أثناء غضبها وترد الصرخة بمثلها , فهؤلاء يبعد أن تنتظر منهم حلا لمشكلاتهم , بل تفاقما .

 

 

وقد علمتنا الشرائع أن الشيطان يتمثل بأحدنا عند غضبه ليثيره وقت الغضب ويعظم أمامه موقف الغضب لذا نصح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن يغير المرء حاله وأن يطفىء غضبه بالماء والوضوء وأن يغاير مكان السخونة والحمية وموقع المشكلة والصراع , ولاشك أن كل مشكلة تبدأ صغيرة وتتضخم فلو أننا في بدايتها بعدنا عن أجوائها ثم قيمنا قدرها ورسمنا – كما سبق – صورتها الفعلية وتفهمنا عناصرها الحقيقية – سنستطيع تداركها قبل التفاقم ..

 

 

كذلك ينبغي أن نقنن دخول الناس للحل بين الزوجين تقنينا يقلل ذلك بشدة , فالأصل أن يتم حل تلك المشكلات في بيت الزوجية , بل في غرفة الزوجية , وألا يسمع بذلك الأولاد فضلا عن الأقرباء , فإن تعسر ذلك وتعثر , وكان من الحاجة وجود حكماء للصلح , فعندئذ يجب اختيار الأقرباء الحكماء , بحيث يكون وجودهم بردا وسلاما على الأسرة لا نارا وحريقا عليها كما يحصل في كثير من المشكلات .

 

 

وحديثنا يطول حول هذا الموضوع لكن في الأخير دعنى الفتك أن الانفراد بالنفس ودعاء الرب العظيم الكريم الرحيم أن يفرج الأزمة ويزيل الغمة سبيل يسبق كل ما سبق وذكرنا , كما أن أوامر الشريعة الغراء من إحسان الظن بالآخر والرفق في معاملته واختيار حسن الحديث معه والصبر عليه هي مفاتيح اساسية لمنع الشيطان من ولوج باب منازلنا المؤمنة ..

 

13 + 4 =