مقتطفات عن التأليف والكتابة
29 محرم 1437
أحمد العساف

قابلت صديقاً من رجالات التربية والتعليم، وأخبرني والحزن بادٍ عليه أنه رأى طالباً بليداً من طلابه درس عنده قبل سنوات، ودار بينهما حديث اكتشف منه بأن طالبه البليد يستعد لتوقيع كتابه الثالث في أحد معارض الكتاب، وقد وهب الطالب لأستاذه نسخة من هذا الكتاب وسابقيه!

 

وما إن تصفح الأستاذ كتب طالبه حتى وجدها غثاء لا يسمن ولا يغني من جوع معرفي، ولا يروي من عطش علمي، وزاد في ألمه أن الطالب أخبره بأن كتبه تحقق مبيعات مرتفعة نسبياً، وتُطبع مرة تلو المرة، حتى غدا بسببها محط الأنظار، ولم يفت الأستاذ أن يسأل تلميذه عن مدة التأليف ليكتشف أنها أقل من ثلاثة أشهر! وموقف الأستاذ مرده الحرص على مجتمعه؛ وليس غيرة من الطالب فيما أحسب.

 

والحقيقة أن هوس التأليف والكتابة أمر قديم، بيد أنه استشرى في الآونة الأخيرة، وتكاد الشكوى أن تكون عامة من كثرة المطبوع وقلة الجدير منه بالقراءة. ولعل في تباين الأذواق والاهتمامات سعة، فضلاً عن أن وعي الناس كفيل بطرد الكتاب الهش أو السيئ، وعليه فإن الارتقاء بالوعي والإدراك أكثر فائدة -على المدى الطويل- من التحذير من كتاب أو كاتب مع أهميته أحياناً.

 

وبتعليم الكتابة والتأليف يمكن ترشيد هذه الظاهرة، وتقليل ما ينجم عن التسرع في الكتابة وولوج عالم التأليف من هزال في المنتج، أو سوء في البناء، أو غيره من مشكلات التأليف. وقد أحسن الدكتور راشد ابن حسين العبد الكريم حين وضع كتاباً بعنوان: كيف تؤلف كتاباً؟، ونشرته دار العلم للملايين ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وصدرت الطبعة الأولى منه عام (2009م)، ويقع في (127) صفحة.

 

ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم مؤسسة خيرية، تبلغ قيمة أصل وقفها سبعة وثلاثين مليار درهم، ومن ضمن مشاريعها برنامج "اكتب" لتشجيع التأليف، ورفد المحتوى العربي، والتأثير في ثقافة العالم وحضارته. ولعدد من أبناء الأسر الحاكمة في الخليج مؤسسات مانحة تتمتع بدعم حكومي كبير، وتمتلك أصولاً ضخمة، والله يجعلها نافعة للمسلمين وبلادهم ودينهم، ويوكل توجيهها وإدارتها لمن يرجو الله والدار الآخرة، ويحرص على مصالح بلاده وأمته، ويعيذها من همزات الشياطين، ومن الجري في ركاب المشاريع الأممية الضالة، أو الدخول في كهوف الاتفاقات المظلمة المناكفة لنور الشريعة.

 

يتكون الكتاب من مقدمة، وسبعة فصول، الأول منها بعنوان: تريد أن تصبح مؤلفاً؟ والثاني عنوانه: أنواع التأليف، وعنوان الفصل الثالث: الأفكار، وهو فصل مهم ومتميز، والرابع عن البحث، بينما يختص الخامس بالحديث عن كتابة المسودة الأولى، وهو تخصيص جميل، ويقف الفصل السادس عند موضوع مراجعة الكتابة(التنقيح)، وهي وقفة مهمة ونافعة، وعنوان آخرها وهو الفصل السابع  : لتسلك طريقك للنشر، ثم الخاتمة فالمراجع وقائمة المحتويات.

 

وهو كتاب مختصر، وعملي، وقمين بمن يستهدف التأليف أو الكتابة أن ينظر فيه. ومن فوائده التي استخرجتها منه آملاً أن تستخرج مكنون القارئ وإبداعه، وهو ذات الأمل الذي عبر عنه المؤلف:

1.    يترك الكاتب الكثير من نفسه في الكتاب الذي يؤلفه، وكذلك الكتاب يترك في نفس الكاتب الكثير. ماركيز.
2.    الكتابة والتأليف فرصة ثانية للعيش وتفسير أحداث المستقبل. جين تايلور.
3.    يتميز الكتَّاب بأن لديهم رغبة في طرح أفكارهم وإطلاع الناس عليها والدفاع عنها.
4.    ليس كل ما يدعوك للكتابة سيدعو الآخرين لقراءة كتابك، وهذا تحدٍّ كبير للكُتَّاب.
5.    الكتابة فن ونوع من التواصل مع القارئ، فإذا فشل التواصل فشل الفن، وفشل التواصل خطأ الكاتب أكثر منه خطأ القارئ. إلين ماري ألفين.
6.    لا تستخدم أي كتاب عن تعليم الكتابة بديلاً من ممارسة الكتابة. هيفرون.
7.    ليس لديك عذر في عدم إيجاد وقت للكتابة إذا كنت تشاهد المباريات وترد على كل مكالمة!
8.    من المهم الاستفادة التامة من الساعات المخصصة للكتابة والبحث.
9.    يحتاج الكاتب إلى أن يكون جريئاً في كسر القواعد الاجتماعية لتوفير الوقت. ستيفن كنج.
10.    من الحكمة أن تنطلق في الكتابة وتؤجل الناقد الداخلي إلى مرحلة التنقيح.
11.    كثيراً ما تكون الأفكار حول الكاتب تنتظره ليجعلها على الورق.
12.    أهم سبع خرافات عن الكتابة والتأليف هي:
•    الكتاب يولدون ولا يصنعون.
•    الكاتب الجيد يكتب بسرعة.
•    يجب أن ينتظر الكاتب الإلهام ليكتب.
•    يكتب الكاتب بطريقة جيدة من أول مرة.
•    المراجعة هي تصحيح إملائي ونحوي فقط.
•    هناك طريقة واحدة للكتابة فقط.
•    الكتابة مهنة المفلسين.
13.    من صفات الكتاب الناجحين: الصبر، وتقييد الأفكار والفوائد، وتتابع القراءة، والاستمرار في الكتابة، وتعلم مهارات هذه الصناعة.
14.    المراجعة تتعلق بالمحتوى والأفكار، وترابطها وتسلسلها، فهي تعنى بالعمليات الأساسية للكتابة وليس الشكلية.
15.    النجاح في الكتابة يحققه الذين لديهم القليل من الموهبة والكثير من الصبر. آن مانهيمر.
16.    ما أرى أحداً يفلح في الكتابة والتأليف إلا إذا حكم على نفسه حكماً نافذاً بالأشغال الشاقة الأدبية سنتين أو ثلاثاً في سجن الجاحظ أو ابن المقفع أو غيرهما. الرافعي.
17.    على كل كاتب أن يراقب نفسه ويتعرف على شكليات وعادات الكتابة لديه فيراعيها، حتى لا تعيق عملية الكتابة أو التفكير أو تسبب حبسة الكاتب.
18.    يتم الحصول على الأفكار من خلال عملية تركيز الانتباه فقط. هيفرون.
19.    التأمل فيما يحيط بالكاتب مصدر غني من مصادر الأفكار.
20.    المسكوت عنه لسبب من الأسباب غالباً ما يكون مظنة لأفكار جميلة ورائدة.
21.    قد يكون سبب شهرة كثير من الكتاب ليس جودة أفكارهم بقدر ما هو جرأتهم في طرح تلك الأفكار.
22.    كي تختبر مناسبة أفكارك للكتابة عنها: ناقش مختصاً، تجاهلها لتنظر هل تعاودك أم لا، اكتب فيها مقالاً، راقب حماستك لها.
23.    إذا استعصت عليك الفكرة فاحفظها، وطورها، وأعد التفكير فيها والبحث حولها، فإما أن تكتب عنها أو تؤجل عملية الكتابة، وقد تلغيها تماماً.
24.    لا حل لمشكلة البداية إلا أن تبدأ الكتابة، وحسب.
25.    انس أنك تكتب، فقط تحدث للورق.
26.    يوصي خبراء التأليف أن لا يلتفت المؤلف في النسخة الأولى لتناسب الأفكار أو للأخطاء اللغوية بل يكتب كل ما يخطر بباله في موضوعه، وضمن المخطط الذي وضعه.
27.    النسخة الأولى غير مرتبة وغير مكتملة وغير مترابطة، وهي محبطة ومثبطة لعزيمة الكاتب غير المتمرس الذي يتوقع أن ينتج من أول مرة.
28.    المراجعة هي على الأقل نصف الكتابة. المؤلفة بات شندر.
29.    للمراجعة بذهنية جديدة: ابتعد عن النص مدة من الزمن وانشغل بغيره لفك الارتباط الذهني والنفسي مع المكتوب.
30.    لا أعرف طريقة لشد القارئ أفضل من قص القصص. المؤلفة رابنر.
31.    المقدمة هي خير مكان يلقي فيه المؤلف الطُّعْم للقارئ.
32.    إذا أردت أن تكون كاتبا فيجب أن تكون مستعداً لاستقبال سهام النقد وتتقبل سؤال: من أنت؟
33.    استمع إلى نقد ما تكتبه إذا استند إلى أساس علمي صحيح، وأما إذا استند على الذوق وحده فلا. الطنطاوي.
34.    سألني عميل: كيف أروِّج لكتابي؟ فأجبت: أعد كتابته.
35.    من طرق ترويج الكتاب حسن اختيار من يقدمه، وإهداء نسخ منه للكتَّاب والنقاد.
36.    تكرار ظهور المعلومات خلال البحث مؤشر على نهاية فترة البحث.
37.    من أسباب حبسة الكاتب وتوقفه عن الكتابة أو إكمال عمل ما، وهي سمة متكررة لدى الكتاب:
•    الحكم على المسودة الأولى والاشتغال بنقدها قبل تمامها.
•    ميل النفس الطبيعي لترك العمل والبداية في عمل آخر، وهي حيلة بشرية للهروب.
•    قلة القراءة حول موضوع العمل.
•    ضعف البحث أو ترك التعمق فيه.
•    التفكير التقليدي غير المبدع.
•    المثالية.
38.    يمكن التغلب على حبسة الكاتب بمعالجة أسبابها السابقة، أو بتغيير مكان الكتابة أو زمانها أو وضعيتها.
39.    الحذف شجاعة مهمة، وقليل من الكُتَّاب من يقوى عليها.
40.    مراجعة الكِتاب من قبل شخص آخر ناصح عارف تبصرك بمواطن الخلل.

 

وبعد، فإن من امتلك ناصية البيان، وأدام النظر والتأمل، وأحسن التفكير والتحليل، وأجاد البحث والتحصيل، فسيكون أمر الكتابة والتأليف عليه يسيراً بعد توفيق الله وعونه، وكم تحتاج أمتنا إلى كتاب ومؤلفين يبدعون في هذه الصناعة، وينقلون لأجيالها ما يفيدهم في دينهم ودنياهم، ويصحح أفكار المجتمعات، ويعلي من مستوى وعيها، فبالفكر، والوعي، والعلم، والإيمان، تحيا الأمم والشعوب.

وأنا أيضا في طريقي لتصميم كتاب
6 + 8 =