إذا اتخذت الأمانة مغنماً!
28 شعبان 1437
إبراهيم الأزرق

إذا أعطيت أحدهم شيئا ثمينا ليحفظه أو يصلحه ففرح وطفق من حوله يهنئونه! فجدير بك أن تَحْذره وتأخذ ما استودعته أو على الأقل قل له: يا هذا أعطيتكه لتحفظه وتصلحه لا لتسطو عليه وتملكه! فاتق الله!

 

وفي واقعنا المعاصر يهنؤون من وُكِلَ إليه منصب عام وهي عادة حادثة في الإسلام وإن كانت قديمة، أعني التهنئة بالولايات مع أن عامتها تكليف لا تشريف.. مسؤولية وأمانة، لا غنيمة! أو منحة!.. لكن بعضهم في الفهمِ غَلِط! ولم يبق إلاّ أن يقول هنيئاً مريئاً لك المرابع التي وَلِيْتَ!

 

وقد بحث أهل العلم حكم التهاني بالولايات ونحوها وأطلق بعضهم الجواز انتزاعاً من نصوص غير ظاهرة على إطلاقها كحديث ليهنك العلم، وحديث ألم أجعلك تسود وتربع.. ولكونها نعما، وعلى فرض ذلك فهل الشرع أو العقل أو العادة تقضي بأن يهنأ المرء بكل نعمة؟!

 

نعم كثير من المحققين على أن التهاني مجراها مجرى العادات وأصلها الحل، ليست من أمور العبادات التي أصلها المنع.

 

لكن  العادات  منها حسن وقبيح، وحلال وحرام وبينهما.. منها ما يهنأ به ومنها ما يعزى فيه! ولئن كانت بعض الوظائف مغانم دنيوية يجوز التكسب بها، ولا حرج على من طلبها بمعروف، فإن كثيراً من الولايات العامة مخوفة لعظم مسؤولية صاحبها ليست نعما عند من حقق! وإن كانت كذلك فإنما يعرف ذلك بعد ممارستها أو انقضائها على خير!

 

وكفى بعظم المسؤولية هماً! وإذا سميتها مسؤولية فاستحضر معناها واذكر من السائل وفي أي يوم يكون السؤال وما حال المسؤول وهو لايعلم المآل؛ إما إلى نار وإما جنّة! هذا إن ترك في الدنيا بغير سؤال ولا مؤاخذة! وقد سأل بعض الفضلاء أباه بعد أن أعرض عن خطة قضاء أو وزارة عرضت عليه فكان مما قال:

وألذ من نيل الوزارة أن ترى *** يوماً يريك مصارع الوزراء!

 

ولله در القائل يصف بعضهم:

تولّاها وليس له عدو *** وغادرها وليس له صديق!

 

فحسبك بهذا همّا لا يقدم عليه عاقل إلاّ متأثماً أو مضطرا!

 

ذكر الذهبي في السير أن هارون الخليفة رحمه الله لما ولي أتي الفضيلَ بن عياض، فكان فيما وعظه به قوله: "إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا علي.

 

فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة"!

 

وقد كتب العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله لأحد من استوزروا قائلا: "ولا يحسن بي أن أهنئكم بهذه الوظيفة لما لا يخفى عليكم من أن المسئولية عظيمة والخطر كبير، ولكن يحسن بي أن أهنئكم بها من جهة أخرى وهي ثقة المسئولين بكم وحسن ظنهم بمعاليكم".

 

والأخيرة في حقيقتها تهنئة بغير المنصب؛ بأمور أخرى، قد تدل عليها الوظيفة، وقد لاتدل! وقد تدل أمور غيرها عليها.

 

وهذا يقال لمن هو أهل إن كانت الولاية من قبل عدل، أما إن كانت من قِبَل ظالم أو فاسق، فإنها سبيل تهمة! فهذا في العادة يولي من يعينه على بغيه ويحامي عنه، لا من يأخذ بيده، ولهذا اختلفوا في قبول التولي لهم، والمحققون على الجواز بشروط لابد منها في المتصدر، جماعها القوة على إصلاح! والحسبة في ذلك، وما أكثر من يدعيهما من البعداء! ولو رأوا تشديد بعض السلف علموا مكانهم! وحقيقة ما تسول لهم الأهواء، وتخدعهم به أنفسهم! يُذكر أنه لما ولي شريك القضاء أكره على ذلك وأقعد معه جماعة من الشرط يحفظونه من الهرب، ثم طاب للشيخ فقعد من نفسه، فبلغ سفيان الثوري أنه قعد من نفسه فجاء فتراءى له، فلما رأى الثوري قام إليه فعظمه وأكرمه ثم قال: يا أبا عبد الله، هل من حاجة قال: نعم، مسألة، قال: أوليس عندك من العلم ما يجزئك! قال: أحببت أن أذاكرك بها، قال: قل! قال: ما تقول في امرأة جاءت فجلست على باب رجل فاحتملها ففجر بها، من تحد منهما؟ فقال: الرجل دونها لأنها مغصوبة! قال: فإنه لما كان من الغد جاءت فتزينت وتبخرت وجلست على ذلك الباب ففتح الرجل فرآها فاحتملها ففجر بها، من تحد؟ قال: أحدهما جميعاً لأنها جاءت من نفسها وقد علمت الخبر بالأمس! قال: أنت كان عذرك حين كان الشرط يحفظونك؛ اليوم أي عذر لك! قال: يا أبا عبد الله، أكلمك، قال: ما كان الله ليراني أكلمك أو تتوب! قال: ووثب فلم يكلمه حتى مات؛ وكان إذا ذكره قال: أي رجل كان لو لم يفسدوه.

 

أما الظالم ومن ليس بأهل فلا يهنأ ولا كرامة وإن اختاره عدل باجتهاد قصر فيه أو عُذر، قال ابن القيم: "وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنبا لمقت الله وسقوطهم من عينه، وإن بلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعا لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا خيرا، ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك، وبالله التوفيق".

 

ذلك ما كان من أهل العلم والورع أما اليوم فإن في المنتسبين إلى العلم أو المشيخة من أهل قلة الورع! من يجادل عن الذين يختانون أنفسهم من ذوي المناصب، وينصب شخصه دونهم غرضاً، وعنهم خصيماً، والله الموعد، وعليه الحساب.

 

{هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النساء: 109].

7 + 6 =