حامل القرآن في شهر القرآن
21 رمضان 1437
د. عامر الهوشان

علاقة حامل القرآن مع شهر الصيام علاقة من نوع خاص , ولم لا وقد اقترن شهر الصيام في كلام الله تعالى بالقرآن فقال عز وجل : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } البقرة/185 , وقال تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ...} الدخان/3 , وفي موضع ثالث : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } القدر/1

 

 

 

وكيف لا تكون هذه العلاقة خاصة وفريدة من نوعها وهي تُستلهم من علاقة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم , الذي كان ينتظر قدوم الشهر الكريم ليتدارس مع جبريل عليه السلام القرآن الكريم , جاء في الحديث الصحيح عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ .......) صحيح البخاري برقم/1902

 

 

 

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَفَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِى كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وأنه عارضه في عام وفاته مرتين ) صحيح مسلم برقم/6467

 

 

 

وإذا كان شهر الصيام يمثل فرصة ذهبية للمسلمين جميعا لتحسين علاقتهم مع كتاب ربهم الذي هجره البعض طوال أيام العام حتى كاد ينطبق على بعضهم قول الله تعالى : {  وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } الفرقان/30, ومحطة يقدم فيها براهين البراءة من هذا الهجران في أفضل شهور العام , من خلال الإكثار من تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار , ومعاهدة الله على عدم هجر كلامه بعد انقضاء شهر القرآن .....

 

 

 

أقول : إذا كان هذا حال عموم المسلمين مع كتاب الله في شهر رمضان , فإن حملة كتاب الله وسفراء الذكر الحكيم أشد ارتباطا بكلام الله وأحرص على العودة إلى رفيق دربهم ومؤنس وحدتهم وصاحبهم وملازمهم في الحضر والسفر من غيرهم , وكيف لا وهم الذين لم يكتفوا بتلاوة كلام الله وتدبره فحسب , بل أبوا إلا أن يحفظوا كل حرف من حروفه وكلمة من كلماته .

 

 

 

والحقيقة أن الحديث عن حال حملة كتاب الله مع القرآن الكريم في شهر الصيام حديث ذو شجون , وقد عزمت على الكتابة عن هذا الحال لأبين للقارئ الكريم عظيم فضل الله تعالى على حملة كتابه , ومدى أثر القرآن الإيجابي على الحفاظ , من خلال حفظ القرآن لهم من الانحراف أو الزيغ أو الضلال , الأمر الذي يذكرني بمقولة بعضهم لحفاظ كتاب الله : القرآن هو الذي يحفظكم ولستم من يحفظ القرآن .

 

 

 

بداية لا بد من القول بأن حفاظ الذكر الحكيم ليسوا على درجة واحدة , فهناك المتمكن من حفظه بسبب اجتهاده في المدارسة والمذاكرة , والتزامه بالقاعدة التي اشتهرت على ألسنة الحفاظ وحملة القرآن قديما وحديثا : "من قرأ الخمس – أي خمسة أجزاء كل يوم - لم ينس" , وهناك الحافظ الجديد الذي لم يثبت معه القرآن الكريم بعد كما يجب , وهناك الحافظ القديم الذي شغلته الدنيا عن ورده وحزبه اليومي من كتاب الله تعالى , وبدأت ذاكرته تنسى شيئا فشيئا الكثير من الآيات والسور التي كان يحفظها ....... وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِى عُقُلِهَا ) صحيح مسلم برقم/1880

 

 

 

أما المتمكن من حفظ كلام الله فغالب الظن أن أكثرهم يحاول التأسي والاقتداء بحال السلف الصالح مع كتاب الله في شهر الصيام , فقد ورد من علو همتهم في تلاوة كتاب الله في أيام رمضان ولياليه ما يعجز القلم عن وصفه , ومعظمهم – إن لم يكن كلهم – كان من حفاظ وحملة كتاب الله تعالى .

 

 

 

كان الأسود بن يزيد يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين ، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليالٍ , وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في كل ليلتين .....بينما كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاثٍ، فإذا جاء العشر ختم كل ليلةٍ . 

 

 

 

وقال الربيع بن سليمان: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة .... وقد ورد عن غير واحد من السلف أنه كان يختم كل يوم ختمتين في رمضان , ولا شك أن تمكنهم من حفظ كلام الله ساعدوهم على هذه الختمات .

 

 

 

وحتى لا يلتبس الأمر على البعض من ختم السلف الصالح القرآن في أقل من ثلاثة أيام كما ورد في بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .... علل ابن رجب الحنبلي الأمر فقال : وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك , فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان - وخصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر - أو في الأماكن المفضلة كـ "مكة" لمن دخلها من غير أهلها .... فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان , وهذا قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة وعليه يدل عمل غيرهم .  لطائف المعارف ص246

 

 

 

وأما الحافظ الجديد لكتاب الله تعالى الذي لم يتمكن من تثبيته بعد , وكذلك الحافظ القديم الذي شغلته مشاغل الحياة وزحمة الدنيا عن الالتزام بورده اليومي من كتاب الله تعالى , فبدأ نسيان بعض الآيات والسور يتسلل إلى ذاكرته..... فإن شهر الصيام فرصة ذهبية لهما لتثبيت حفظهما , ومحطة لتدارك التقصير مع شرف لقب حافظ و حامل كلام الله , وذلك من خلال العمل على تثبيت جزء واحد على الأقل – وهناك من يثبت جزأين أو ثلاثة - في كل نهار من رمضان , ليصار إلى تلاوته غيبا في صلاة قيام الليل لتأكيد تثبيته , بحيث لا يمر شهر الصيام إلا وقد استطاع تثبيت القرآن كاملا مرة أو أكثر , بالإضافة لعدد من الختمات التي تلاها من المصحف الشريف .

 

 

 

ولا يمكن لأحد أن يدرك الحال التي يكون عليها حافظ القرآن وهو يتلو كلام الله غيبا في صلاة قيام الليل في رمضان , فالسعادة التي تغمر روحه وكيانه لا يمكن أن توصف , والسمو الروحي الذي يشعر به في محرابه بين يدي ربه لا يمكن شرحه .

 

 

 

وإذا كانت سعادة الحافظ المتمكن تتجدد في كل ليلة من ليالي رمضان وهو يؤم الناس في محراب قيام الشهر الكريم , فإن فرحة غيره من الحفاظ الأقل تمكنا بإعادة تثبيت القرآن في هذا الشهر ربما تكون أعظم , فقد هدأت هواجسهم ومخاوفهم التي كانت تنتابهم كلما تذكروا تلك اللحظة العصيبة التي يقفون فيها بين يدي ربهم سبحانه وتعالى , وما عساهم أن يجيبوا خالقهم عن نسيانهم بعض آيات القرآن بسبب تقصيرهم وغفلتهم .

 

 

 

بل ربما تكون سعادة هؤلاء أعظم بتثبيت القرآن الكريم في شهر الصيام بسبب زوال خشيتهم من الحسرة في موقف من مواقف يوم القيامة , فقد ورد في الحديث  عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُقَالُ ، يَعْنِي لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ ، : اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا ) سنن الترمذي برقم/2914 وقال : هذا حديث حسن صحيح .

 

 

 

ولا زلت أذكر ذلك الحافظ المتمكن في حينا الذي كان يؤمنا في ليالي رمضان في عاصمة الأمويين , والتي لم تكن تلاوته تلاوة عادية , بل تلاوة تفيض بالمشاعر والاحاسيس والتفاعل مع آيات الله , فيضطرب صوته عند الآيات التي تذكر ما أعده الله للمؤمنين , ويخشع عند ذكر آيات العذاب والوعيد .....ولطالما سألت الله أن يكرمني بحفظ القرآن الكريم لأتلو آيات الذكر الحكيم كما يتلوها .

10 + 5 =