صرف المؤسسة الزكوية لزكاة الفطر بالمبالغ المتوقعة قبل استلامها لها.
28 رمضان 1437
د. عبدالله بن منصور الغفيلي

صرف المؤسسة الزكوية لزكاة الفطر بالمبالغ المتوقعة قبل استلامها لها(*).
تعمد بعض المؤسسات الخيرية إلى تقدير مبلغ معين لشراء زكاة الفطر، وذلك في أول أو أوسط شهر رمضان، ثم دفعه عن أناس غير معينين، يدفعون الزكاة بلا إنابة منهم في إخراج تلك الزكاة، وسبب اللجوء لذلك هو تهيئة الوقت الكافي للقيام بتوزيع تلك الزكوات على المستحقين، حيث يتعذر ذلك قبل العيد بيوم أو يومين مع كثرة المستحقين وتفرقهم، فيتبين مما تقدم أنه لابد من بيان مسألتين قبل معرفة حكم صنيع تلك المؤسسات، وهما:
المسألة الأولى: حكم اشتراط النية في أداء الزكاة.
المسألة الثانية: حكم إخراج زكاة الفطر من أول شهر رمضان أو أوسطه.

المسألة الأولى: حكم اشتراط النية في أداء الزكاة
ذهب عامة الفقهاء إلى أن النية شرط في أداء الزكاة(1).
واستدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)(2).(3)
ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل، فافتقرت إلى النية كالصلاة.(4)
و حكي عن الأوزاعي(5) مخالفته للفقهاء فلم يوجب النية عند أداء الزكاة(6).
واستدل لذلك: بأنها دين فلا تجب لها النية، كسائر الديون، ولهذا يخرجها ولي اليتيم، ويأخذها السلطان من الممتنع.(7)
وأجيب بمفارقتها قضاء الدين؛ فإنه ليس بعبادة, ولهذا يسقط بإسقاط مستحقة, وولي الصبي والسلطان ينوبان عند الحاجة، وإنما سقطت النية عنهما لتعذرها منهما.(8)
فيتقرر مما تقدم أنه لا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية من المزكي وذلك إنما يكون بفعله، أو بعلمه وإذنه بإخراجها.
أما إذا أذن الناس للمؤسسة الزكوية أو كان هناك عرف بإخراج صدقة الفطر عنهم ولو قبل دفعهم إياها، فإن الظاهر من نصوص الحنفية والمالكية جواز ذلك، فقد قال في الهداية: لو أدى عنهم-أي زكاة الفطر- أو عن زوجته بغير أمرهم أجزأه استحسانا لثبوت الإذن عادة (9).
قال الشارح في العناية: قوله: (ولو أدى عنهم) ظاهر, وهو استحسان، والقياس أن لا يصح كما إذا أدى الزكاة بغير إذنها. وجه الاستحسان أن الصدقة فيها معنى المؤنة فيجوز أن تسقط بأداء الغير وإن لم يوجد الإذن صريحاً، وفي العادة أن الزوج هو الذي يؤدي عنها فكان الإذن ثابتاً عادة (10).
وقال في شرح مختصر خليل: وإن أداها عنه أهله أجزأه، وإليه أشار بقوله: (وجاز إخراج أهله عنه) إذا ترك عندهم ما يخرج منه, ووثق بهم وأوصاهم زاد في التوضيح أو كانت عادتهم.(11)
قال في الذخيرة: فإذا أخرج أهله وكان ذلك عادتهم أو أمرهم أجزأه، وإلا تخرج على الخلاف فيمن أعتق عن غيره بغير إذنه وعلمه، و الإجزاء أحسن (12).

المسألة الثانية: حكم إخراج زكاة الفطر من أول شهر رمضان أو أوسطه.
اختلف الفقهاء في حكم إخراج زكاة الفطر من أول شهر رمضان أو أوسطه على أقوال:
القول الأول: جواز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز تعجيلها أكثر من ذلك، وهو مذهب المالكية(13) والحنابلة(14).
القول الثاني: جواز إخراجها من منتصف شهر رمضان، وهو قول عند الحنابلة.(15)
القول الثالث: جواز إخراجها من أول الشهر، وهو وقول عند الحنفية(16) والمذهب عند الشافعية(17)، وقول عند الحنابلة(18).
القول الرابع: جواز تعجيلها مطلقا و لو قبل رمضان، وهو مذهب الحنفية.(19)

أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
1- أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين"(20)
وجه الدلالة: أن ابن عمر نقل فعل الصحابة -رضي الله عنهم- بضمير الجمع الدال على الاتفاق، ولا يتفق الصحابة إلا على الحق، لصدورهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم .(21)
2- ولأن التقديم يوما أو يومين لا يخل بحكمة التشريع، وهو إغناء الفقير عن المسألة في يوم العيد، وأما تقديمها أكثر من ذلك فقد يتسبب في فنائها منه قبل يوم العيد، فلا يحصل به الإغناء المقصود.(22)
دليل القول الثاني:
القياس على تعجيل أذان الفجر والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل.
ويناقش: بأنه قياس مع الفارق، لأن تعجيل أذان الفجر لا يقصد به دخول وقتها، وأما الدفع من مزدلفة فإنما أجيز بعد منتصف الليل بغروب القمر لورود الترخيص الشرعي في ذلك، مع تحقق المكث أكثر الليل، وهذا ليس موجودا هنا، بل الترخيص اقتصر على اليومين فيلتزم؛ لموافقته حكمة زكاة الفطر وهي إغناء الفقير في يوم العيد.
دليل القول الثالث:
1- أن سبب الصدقة هو الصوم والفطر منه، فإذا وجد أحد السببين، جاز تعجيلها كزكاة المال بعد ملك النصاب(22)
ونوقش: بأن سبب وجوبها هو الفطر بدليل إضافتها إليه، أما زكاة المال فسببها ملك النصاب، فالقياس مع الفارق.(24)
2- أن التقديم بيوم أو يومين جائز باتفاق المخالف فألحق الباقي به قياسا بجامع إخراجها في جزء منه.(25)
ويناقش: بأن القياس مع الفارق لأن التقديم بيوم أو يومين منقول كالإجماع من الصحابة، وهو لا يؤثر على الحكمة التشريعية في إغناء الزكاة للفقير يوم العيد لقرب الزمن، بخلاف التقديم الكثير فهو مخالف لذلك.
دليل القول الرابع: أنه وجد سبب الوجوب وهو رأس يمونه ويلي عليه, والتعجيل بعد وجود السبب جائز كتعجيل الزكاة.(26)
ويناقش: بما تقدم من أن سبب الوجوب هو الفطر، وأن الحكمة فيما يظهر من هذه الزكاة هو إغناء الفقير في يوم العيد، وقياسها على زكاة المال مع الفارق لثبوت السبب فيها و وقوع التعجيل بعده، بخلاف زكاة الفطر.
الترجيح: يترجح لي القول الأول، وهو عدم جواز تعجيل الزكاة قبل العيد بأكثر من يومين؛ لوروده عن الصحابة، ولكونه المناسب لحكمة التشريع، حيث يتمكن الفقير في اليومين من تهيئة الزكاة ليوم العيد، وقبل ذلك تذهب منه.
إذا تقرر القول باشتراط النية في زكاة الفطر من المزكي، وعدم جواز تعجيلها قبل العيد بأكثر من يومين، فإنه يتبين عندئذ أنه لا يجوز للمؤسسات الزكوية ولا غيرها إخراج الزكاة من أول شهر رمضان أو وسطه بالمبالغ المتوقعة، لاسيما وأن تلك عبادة يجب فيها الاقتصار على الوارد مع كونه هو الموافق في الظاهر لمقاصد التشريع من تلك العبادة.(27)
وأما ما يذكر من أن ضيق الوقت قد يحول دون شرائها ثم توزيعها، فإن ذلك قد يمكن تلافيه بإخراج القيمة في زكاة الفطر لكونها أسهل في الجمع والتوزيع، وقد تقرر جواز ذلك إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك، كما هو الحال هنا، والله أعلم.
---------.
(*) مستل من رسالة الشيخ الدكتور، فقه الزكاة
(1) ينظر: المبسوط3/34، بدائع الصنائع2/40، مواهب الجليل2/356، حاشية الدسوقي1/500، المجموع 6/157، تحفة المحتاج 3 / 346، المغني 4/88، الفروع2/ 547
(2) رواه البخاري كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي.... برقم: (1) ورواه مسلم في كتاب الامارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنية)، برقم: (1907).
(3) بدائع الصنائع2/40، المجموع 6/157.
(4) المغني 4/88.
(5) الأوزاعي: والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد، عالم أهل الشام أبو عمرو الأوزاعي، ولد في حياة الصحابة سنة 88هـ توفي سنة 157هـ [ ينظر: سير أعلام النبلاء (6/307)، تهذيب التهذيب (7/38) ].
(6) المرجع السابق.
(7) المرجع السابق، وقال القرافي: الزكاة إن أخرجها أحد بغير علم من هي عليه أو غير إذنه في ذلك فعلى ما قاله بعض أصحابنا من عدم اشتراط النية فيها تمسكا بقياسها على الديون ويأخذ الإمام لها كرها والإكراه مع النية متنافيان ينبغي أن يجزئ فعل الغير فيها مطلقا كالدين الوديعة ونحوهما مما تقدم في القسم المجمع على صحة فعل غير المأمور به عن المأمور وعلى ما قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم من اشتراط النية فيها لما فيها من شائبة التعبد من جهة مقاديرها في نصبها والواجب فيها وغير ذلك فإن كان المخرج غير الإمام فمقتضى قول أصحابنا في الأضحية يذبحها غير ربها بغير علمه وإذنه أنها تجزئه إن كان الفاعل لذلك صديقه ومن شأنه أن يفعل ذلك له بغير إذنه; لأنه بمنزلة نفسه عنده لتمكن الصداقة بينهما أن يجري مثله هنا فيقال إن الزكاة تجزئه إن كان مخرجها من هذا القبيل ضرورة أن كلا منهما عبادة مأمور بها مفتقرة للنية وإن كان الفاعل ليس من هذا القبيل لا يجزئ عن ربها لافتقارها للنية على الصحيح من المذهب" 3/337. إلا أنني لم أثبته قولا للمالكية أعلاه؛ لأن نقل المذهب من الفروق غير مرتضى عند المالكية لكون المؤلف مات قبل أن يحرركتابه كما يفيد بذلك قول ابن الشاط في مطلع إدرار الشروق على أنواء الفروق بحاشية الفروق6/1.، كما أنه جعل ذلك القول من قبيل الضرورة.
(8)المرجع السابق.
(9)العناية شرح الهداية2/286.
(10)المرجع السابق.
(11)2/232.
(12) الذخيرة3/158.
(13) ينظر: شرح مختصر خليل للخرشي2/233، الفواكه الدواني(535).
(14)المغني4/300، الفروع2/532.
(15)المرجعان السابقان.
(16)المبسوط3/110، رد المحتار2/367، وقال في أصله الدر المختار: (وصح أداؤها إذا قدمه على يوم الفطر أو أخره) اعتبارا بالزكاة والسبب موجود إذ هو الرأس (بشرط دخول رمضان في الأول) أي مسألة التقديم (هو الصحيح) وبه يفتى جوهرة وبحر عن الظهيرية لكن عامة المتون والشروح على صحة التقديم مطلقا وصححه غير واحد ورجحه في النهر ونقل عن الولوالجية أنه ظاهر الرواية. قلت: فكان هو المذهب".قال في الهداية: فإن قدموها على يوم الفطر جاز؛ لأنه أدى بعد تقرر السبب فأشبه التعجيل في الزكاة , ولا تفصيل بين مدة ومدة هو الصحيح"فتح القدير شرح الهداية2/299.
(17) المجموع6/87، مغني المحتاج2/133.
(18)المغني4/300، الفروع2/532.
(19)المبسوط3/110، رد المحتار2/367.
(20) تقدم تخريجه.
(21)ينظر: المغني4/300.
(22)المرجع السابق.
(23) مغني المحتاج2/133.
(24)المغني4/301 .
(25)مغني المحتاج2/133.
(26)بدائع الصنائع2/74.
(27) ينظر: بحث "زكاة الفطر" من أبحاث الندوة السادسة لقضايا الزكاة المعاصرة، للدكتور محمد الشريف ص159، وبحث الدكتور أحمد بن حميد ص208،



1 + 9 =