بطاقات التخفيض
22 شوال 1437
د. سعد بن ناصر الشثري

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

فإن من الموضوعات التي تكثر الحاجة إلى معرفة أحكامها الشرعية ما يتعلق ببطاقات التخفيض من جهة حقيقتها وأنواعها وحكمها في الشرع.

 

وبطاقات التخفيض هي بطاقات تتضمن الوعد بإعطاء حاملها تخفيضاً في أسعار السلع المشتراة.

 

وهذه البطاقة من الذوات التي لا يكون لها حكم تكليفي شرعي وإنما الحكم يكون على الأفعال المتعلقة بها من جهة إصدارها وبيعها وشرائها والالتزام بالتخفيض الوارد فيها.

 

وقبل الدخول في بيان حكم بطاقات التخفيض لا بد من التأكيد على قاعدتين شرعيتين:

القاعدة الأولى:

أن الأصل في العقود الجواز والصحة ما لم يدل دليل على المنع منها، وقد دل على هذه القاعدة عدد من الأدلة الشرعية ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، وقال تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة:1].

 

القاعدة الثانية:

الأصل جواز التخفيضات في أسعار السلع وأجرة الأعمال والمنافع لدخول ذلك في عموم أدلة جواز العقود، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب التخفيض في أثمان السلع التي يريد شراءها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: "أتراني ماكستك لآخذ جملك"(1).

 

وفي السنن عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزاً من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي فساومنا بسراويل فبعناه وثم رجل يزن بالأجر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زن وارجح"(2).

 

إذا تقرر هذا فإن بطاقات التخفيض يمكن تقسيمها بالنظر إلى مصدرها إلى قسمين:

القسم الأول: بطاقة يمنح لمشتريها تخفيض من مصدرها:

وهذا القسم من البطاقات يتنوع إلى ثلاثة أنواع بحسب سبب الحصول على هذه البطاقات.
أولاً: بطاقة مجانية
بأن يقوم صاحب المحل بصرف بطاقات تخفيض يعطيها لكل من طلبها منه أو لفئات معينة، ويستفيد من ذلك الدعاية لمحله مثل البطاقات التي تعطي تخفيضاً للمدرسين، أو يستفيد من الإعلانات الموجودة في الكتيب الإعلاني المصاحب للبطاقة، والأظهر أن هذه البطاقة تدخل في الوعد المأمور شرعاً بالوفاء به، وبالتالي فهي جائزة يستحب لمصدرها إعطاءُ حاملها التخفيض الموعود به لقوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} [الإسراء:34].

 

ثانياً: بطاقة تصرف عند الشراء بثمن معين
بأن يقوم صاحب المحل بصرف بطاقة تخفيض يعطيها لمن اشترى بمبلغ معين، كأن يقوم من اشترى بمبلغ خمسمائة ريال من محلي أعطيته بطاقة يمنح بواسطتها تخفيضاً بنسبة 10% مثلاً فالأظهر عندي جواز إصدار هذه البطاقة وصرفها ولكنها غير ملزمة وإنما المراد بها تعريف صاحب المحل وتعريف عماله بأن حامل البطاقة زبون للمحل لمراعاته في سعر السلع المباعة.

 

ثالثاً: بطاقة تشترى بمبلغ مالي
بأن يصدر صاحب المحل بطاقة تخفيض يبيعها بمبلغ مالي فمن اشترى البطاقة استحق تخفيضاً في ذلك المحل وقد يجعل صاحب المحل بطاقات متعددة فيجعل الذهبية مثلاً بخمس مئة ريال يستحق بها المشتري تخفيضاً بنسبة 50% بينما البطاقة الفضية تكون قيمتها ثلاث مائة ريال ويستحق بها المشتري تخفيضاً بنسبة 30% والأظهر أن هذه البطاقة يحرم إصدارها وبيعها وشراؤها لاحتواء التعامل بهذه البطاقة على الغرر لأن دافع المال لشراء هذه البطاقة قد يستفيد منها وقد لا يستفيد إذ إنه قد يشتري وقد لا يشتري وقد يمنح التخفيض وقد لا يمنح، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر(3).

 

القسم الثاني: بطاقة يمنح لمشتريها تخفيض من غير مصدرها:

وهذا القسم من البطاقات يتنوع إلى نوعين بحسب سبب الحصول على هذه البطاقات:

النوع الأول: بطاقات مجانية

بحيث يقوم المصدر بصرفها للمستفيدين منها مجاناً، وهذا النوع يمكن تقسيمه إلى خمسة أصناف:
الصنف الأول: بطاقات مجانية لا يدفع مصدرها لأصحاب المحلات شيئاً، ومثل هذا الصنف جائز الإصدار، وهي بمثابة الوعد.

 

الصنف الثاني: بطاقات تخفيض يدفع مصدرها للمحل المشترى منه الفرق في السعر، وهذا الصنف من أنواع فعل الخير فتدخل في قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} [البقرة:272].

 

الصنف الثالث: بطاقات تخفيض يدفع مصدرها لأصحاب المحلات مبالغ مالية، والذي يظهر أن هذا الصنف لا يجوز التعامل به لأن صاحب المحل يأخذ مالاً معيناً من أجل التخفيض مع عدم علمه بمقدار ما سيشترى منه فيكون من بيع الغرر المنهي عنه شرعاً.

 

الصنف الرابع: بطاقات تخفيض مجانية يدفع أصحاب المحلات مبلغاً مالياً مقطوعاً لمصدر البطاقة، والأظهر جواز هذا الصنف لأنه بمثابة دفع أجرة على عمل إعلامي.

 

الصنف الخامس: بطاقات تخفيض مجانية يدفع أصحاب المحلات لمصدر البطاقة نسبة معلومة من كل بيع على أحد حاملي البطاقة، والأظهر جواز هذه المعاملة لأنها بمثابة نسبة من الربح تدفع للسمسار أو بنسبة معلومة من سعر السلعة فيدخل في النصوص الواردة في استحقاق نسبة من الربح للعامل في المضاربة، أو يدخل في استحقاق الجعل الموضوع على أداء عمل معين.

 

النوع الثاني:

بطاقات تخفيض يشتريها المستفيد من مصدر البطاقة ليستفيد تخفيضاً عند أصحاب محلات تجارية غير مصدر البطاقة.. ويمكن تقسيم هذا النوع من البطاقات إلى ثلاثة أصناف بحسب نوع العلاقة بين مصدر البطاقة والمتعهد بالتخفيض:

الصنف الأول: أن يدفع مصدر البطاقة جزءاً من ثمن البطاقة للمحلات التجارية التي تمنح التخفيض، وهذا النوع يظهر تحريمه لدخوله في بيع الغرر.

 

الصنف الثاني: أن يدفع مصدر البطاقة جزءاً من ثمن السلع المشتراة، فهذه البطاقات لا يجوز التعامل بها لما فيها من الغرر ولما فيها من الربا فإن المصدر يستحق مبلغاً نقدياً والتقابض والتساوي غير موجود في هذه المعاملة.

 

الصنف الثالث: أن يقدم مصدرها خدمات للمحلات التي تمنح تخفيض كخدمة الإعلان سواء على البطاقة أو في الكتيب الإعلاني المصاحب للبطاقة، والذي يظهر المنع من هذا التعامل لعدم علم المحل بالأجرة التي سيدفعها من أجل هذه الخدمة لأن هذه الخدمة مقابل التخفيض الممنوح لحاملي البطاقة وهذا التخفيض غير معلوم المقدار.

 

الصنف الرابع: أن يقوم مصدر البطاقة ببيعها على المستفيدين ولا يقدم مصدر البطاقة أي خدمات أو مبالغ لأصحاب المحلات التي تقدم التخفيض بمثابة قول مصدر البطاقة: إن اشتريت البطاقة بخمسين ريالاً فإن صاحب المحل سيعطيك تخفيض عشرة في المائة مهما اشتريت من البضائع، وقد صدرت عدد من الفتاوى من اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في المملكة العربية السعودية بمنع هذا الصنف استدلالاً بما يلي:

1-    أن المصدر يأخذ مالاً مقابل هذه البطاقة بدون أي خدمة يقدمها والوعد المقدم من أصحاب المحلات غير ملزم لهم فيدخل فعل المصدر في قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188].

 

2-    اشتمال هذا العقد على الغرر لأن مشتري البطاقة لا يدري مقدار ما سيحصل عليه بسبب هذه البطاقة فقد يكون أكثر من المبلغ الذي دفعه وقد يكون أقل فيكون داخلاً في النهي الوارد عن بيع الغرر والقمار.

 

وذهب بعض أهل العلم إلى جوازها بناء على أنها أجرة للوسيط باعتبار كون مصدر البطاقة سمساراً بأجرة، بشرط أن لا يغرم الوسيط مبلغ التخفيض إذا لم يلتزم صاحب المحل بالتخفيضات، وإنما يعيد المصدر قيمة البطاقة إلى المستفيد (مشتري البطاقة). وليعلم بأن هناك بطاقات تسمى بطاقات تخفيض إلا أنها في حقيقة الأمر ليست كذلك وإنما هي بطاقات للإذن بالدخول في أسواق فيها بضائع تباع بأسعار مخفضة، وهذه البطاقات يمكن تخريجها على بيع الاختصاص والأظهر جواز التعامل بهذه البطاقات سواء كانت مجانية أو بمبلغ معين وسواء كان إصدارها من صاحب السوق أو من غيره.

هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد..

 

__________________________

(1)    أخرجه مسلم (715)، كتاب المساقاة (109).
(2)    أخرجه أبو داود (3236)، والنسائي (7/248)، وابن ماجه (2220)، والترمذي (1305) وقال هذا حديث صحيح.
(3)    أخرجه مسلم برقم (1513).



2 + 17 =