مشكل ما روي في الاشتراك في البُدن
5 ذو الحجه 1437
د. خالد بن سليمان المهنا

مشكل ما روي في الاشتراك في البُدن(1)

عن جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة"(2).
وعنه رضي الله عنه قال: "نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"(3).
يشكل عليهما حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضر النحر فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور عشرة"(4).
وعن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر(5).
وجه الإشكال:
أن حديث جابر: "خرجنا مهلين بالحج..." يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يشتركوا في الهدي، كل سبعة منهم في بدنة، وهو مؤيد بحديثه الآخر أنهم نحروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة من الإبل عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وفي حديث ابن عباس وحديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان خلاف ذلك، إذ في حديث ابن عباس، أنهم اشتركوا في النحر أو الأضحى في البقرة سبعة وفي الجزور عشرة، وفي حديث المسور ومروان أنهم نحروا عن كل عشرة بدنة.
أقوال العلماء في إثبات الإشكال:
قال الطحاوي: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العدد الذي يجوز أن يُضحى بالبدنة عنهم(6).
سبب الإشكال:
وقوع الوهم في إحدى الروايات:
دراسة الإشكال وبيان الراجح من الأقوال في دفعه:
سلك أهل العلم لدفع الإشكال مسلكي الجمع والترجيح:
أولاً: مسلك الجمع:
ولهم فيه طريقان:
الطريق الأولى: حمل حديثي جابر والمسور ومروان على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن بعض أصحابه الذين كانوا معه بالحديبية عن كل سبعة منهم بدنة أو بقرة، ونحر عن بعضهم عن كل عشرة منهم بدنة، فيكون قول جابر: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، يريد بعض أهل الحديبية، وخبر المسور ومروان: اشترك عشرة في بدنة: أي: سبعمائة منهم، وهم نصف أهل الحديبية لا كلهم(7)، وهذا مسلك ابن خزيمة وتابعه على جملته ابن حبان، وقد احتج ابن خزيمة لمسلكه من جهة اللغة ومن جهة الرواية.
أما اللغة فقد قال: "باب ذكر الدليل على ألا حظر في أخبار جابر: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة أن لا تجزئ البدنة عن أكثر من سبعة، وهذا من الجنس الذين كنت أعلمت في غير موضع من كتبنا أن العرب قد تذكر عدد الشيء لا تريد نفياً لما زاد عن ذلك العدد"(8).
ثم ساق بسنده إلى محمد بن إسحاق حديثه المتقدم وفيه "وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمئة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر".
ثم قال: قال محمد – يعني: ابن إسحاق -: فحدثني الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مئة، وقد استدل ابن خزيمة بهذه الرواية الأخيرة من طريق ابن إسحاق.
على أن المراد برواية ابن إسحاق الأولى (وكان الناس سبعمئة رجل) سبعمئة رجل الذين نحر عنهم السبعين بدنة، لا أن جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه بالحديبية كانوا سبعمئة رجل، قال: "فهذا الخبر – يعني: خبر ابن إسحاق عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أنهم كانوا أربع عشرة مئة – يصرح أيضاً أنهم كانوا ألفاً وأربعمئة، فدلت هذه اللفظة على أن قوله في خبر ابن إسحاق: وكان الناس سبعمئة رجل، كانوا بعض الناس الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية لا جميعهم...".
واحتج لصحة مسلكه من جهة اللغة أيضاً بأنه من جنس قول القائل: إن اسم الناس قد يقع على بعض الناس كقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران:173](9).
ثم قواه بما رواه بسنده إلى ابن عباس.. فذكر حديثه المتقدم "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضر النحر فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة".
قال: (وخبر رافع بن خديج في قسم الغنائم، فعدل النبي صلى الله عليه وسلم عشرة من الغنم بجزور كالدليل على صحة هذه المسألة)(10).
وخبر رافع أخرجه البخاري عن محمد عن وكيع عن سفيان عن أبيه عن غباية بن رفاعة عن جده رافع بن خَديج رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنماً أو إبلاً، فعجل القوم فأغلوا بها القدور، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فأكفئت، ثم عدل عشرة من الغنم بجزور..." الحديث(11).
وقد أجيب عن الاستدلال بحديث رافع بأنه واقعة عين تحتمل أن يكون تعديل الإبل فيها بعشر غنم كان لقلة الإبل أو نفاستها والغنم كانت كثيرة أو هزيلة، وحديث جابر صريح في الحكم.
قال ابن القيم: (.. وإما أن يقال: عدل البعير بعشرة من الغنم تقويم في الغنائم لأجل تعديل القسمة)(12).
وقال ابن حجر: (وهذا محمول على أن هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإبل كانت قليلة أو نفيسة، والغنم كانت كثيرة أو هزيلة، بحيث كانت قيمة البعير عشر شياة، ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياة؛ لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين، وأما هذه القسمة فكانت واقعة عين، فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإبل دون الغنم، وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم، حيث قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة، وأما حديث ابن عباس: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فاشتركنا في البقرة تسعة، وفي البدنة عشرة، فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وعضده بحديث رافع بن خديج هذا"(13).
وأما متابعة ابن حبان شيخه ابن خزيمة فظاهرة من تخريجه حديث جابر تحت هذه الترجمة "ذكر إباحة اشتراك الجماعة في البدنة والبقرة بنحر" ثم خرج بعده حديث ابن عباس(14).
الطريق الثانية: الجمع بين حديثي جابر الدالين على اشتراك السبعة في البدنة، وبين حديثي ابن عباس والمسور ومروان الدالين على اشتراك العشرة.
بأن يقال: إن دلالة حديث جابر أن البعير بسبعة هي الأصل، ما لم يعرض عارض فيتغير الحكم فيكون البعير عن عشرة.
قال ابن حجر في تتمة كلامه المتقدم: "والذي يتحرر في هذا الأصل أن البعير بسبعة ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة"(15).
وبمقتضى الجمع عموماً قال ابن عباس وسعيد بن المسيب وإسحاق بن راهويه وابن حزم(16).
ثانياً: الترجيح:
وذلك بترجيح حديثي جابر الدالين على اشتراك البدنة في سبعة، على حديثي ابن عباس والمسور ومروان الدالين على إجزاء البدنة عن عشرة، وهو مقتضى قول أبي حنيفة(17)، والثوري والشافعي وأحمد وأبي ثور وداود بن علي(18)، ومسلك ابن جرير الطبري والطحاوي والبيهقي(19).
قال الأثرم: قيل لأحمد: ضحى ثمانية ببقرة؟ قال لا يجزئ(20).
واحتجوا لمسلكهم بأن حديث جابر أرجح ثبوتاً ودلالة من حديث ابن عباس ومن رواية محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور، وبأنه مؤيَّد بأقاويل الصحابة وفتاويهم.
قال ابن جرير الطبري: "اجتمعت الحجة على أن البقرة والبدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة، قال: وفي ذلك دليل على أن حديث ابن عباس وما كان مثله خطأ ووهم، أو منسوخ"(21).
وقال البيهقي: ".. فإن محمد بن إسحاق بن يسار تفرد بذكر البدنة عن عشرة فيه، وحديث عكرمة يتفرد به الحسين بن واقعد عن علباء بن أحمر، وحديث جابر أصح من جميع ذلك، وأخبر باشتراكهم فيها في الحج والعمرة وبالحديبية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أولى بالقبول"(22)، وقد تقدم في تخريج رواية محمد بن إسحاق كلام أهل العلم في نقدها.
وأما رجحان حديث جابر من جهة الدلالة، فمن حيث إنه أخص في محل النزاع من حديثي ابن عباس وحديث رافع بن خديج الذي احتج به ابن خزيمة على صحة مسلكه.
قال الشنقيطي: ".. ورواية جابر أن البدنة تكفي في الهدي عن سبعة أخص في محل النزاع من حديث رافع بن خديج أنه صلى الله عليه وسلم "جعل البعير في القسمة يعدل عشراً من الغنم" لأن هذا في القسمة، وحديث جابر في خصوص الهدي، والأخص في محل النزاع مقدم على الأعم"(23).
وأما آثار الصحابة والتابعين وفتاويهم في إجزاء البدنة عن سبعة، فكثيرة منها ما روى الطحاوي بسنده إلى علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قالا: "البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة"(24).
وروى ابن أبي شيبة بسنده إلى عطاء قال: يشترك المحصورون والمتمعون في البدنة عن سبعة(25)، وبسنده إلى طاووس: يجزئ الناقة والبقرة عن سبعة متمتعين(26)، وساق ابن حزم آثاراً في هذا المعنى عن حذيفة وأبي سعود البدري وأنس رضي الله عنهم.
قال: "وصح القول بذلك أيضاً عن عطاء وطاووس وسليمان التيمي وأبي عثمان النهدي والحسن البصري وقتادة وسالم بن عبد الله بن عمر وعمرو بن دينار وغيرهم"(27).
الراجح:
الأقرب – والله أعلم – أن الإشكال يندفع بترجيح حديثي جابر المتضمنين إجزاء البدنة عن سبعة في الهدي على حديث ابن عباس وحديث المسور ومروان من رواية ابن إسحاق، وذلك لقوة حجج من سلك هذا المسلك وسلامته من الاعتراضات القادحة.
وأما الجمع بين حديث جابر وحديث المسور ومروان من رواية ابن إسحاق فمتجه لو لم تقم القرائن على وهم ابن إسحاق، والله تعالى أعلم.

________________
(1) البُدن: جمع بَدَنة، والبدنة تقع على الناقة والبقرة والبعير الذكر مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة، سميت بدنة لعظمها، قال الله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج:36]، ينظر: تهذيب اللغة (14/144).
(2) أخرجه مسلم في الحج (2/955/1318/351) عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس عن أبي خيثمة زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر.
ورواه مسلم – في الموضع المتقدم – من طرق متعددة عن أبي الزبير عن جابر بنحو اللفظ السابق. ورواه في (2/956/1318/355) عن يحيى بن يحيى عن هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال: كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة فتذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها.
(3) أخرجه مسلم في الحج (2/955/1318/350) عن قتيبة بن سعيد ويحيى بن يحيى – كلاهما – عن مالك عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه، وفي لفظ لمسلم أيضاً (2/955/1318/353) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة، كل سبعة في بدنة، فقال رجل لجابر: أيُشترك في البدنة ما يُشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا من البُدن.
وحضر جابر الحديبية قال: نحرنا يومئذ سبعين بدنة، اشتركنا كل سبعة في بدنة.
(4) أخرجه أحمد (1/275)، والترمذي في الحج، باب ما جاء في الاشتراك في البدنة والبقرة (2/238/905)، وابن ماجه في الأضاحي، باب عن كم تجزئ البدنة والبقرة (2/1047/3131)، والنسائي في الضحايا، باب ما تجزئ عنه البدنة في الضحايا (7/222/4392)، وابن خزيمة (4/291/2908).
راجع التخريج المفصل في كتاب مشكل ما روي في الاشتراك في البدن ص 429.
(5) أخرجه أحمد (4/323)، والطبري في تفسيره (26/95)، وابن خزيمة (4/290)، والطحاوي في شرح المشكل (3/456)، والبيهقي (5/235).
راجع التخريج المفصل في كتاب مشكل ما روي في الاشتراك في البدن ص 431.
(6) مشكل الآثار (3/456).
(7) صحيح ابن خزيمة (4/289).
(8) (4/290).
(9) (4/290).
(10) (4/291).
(11) كتاب الشركة، باب من عَدَل عشرة من الغنم بجزور في القسم (5/164/2507).
(12) زاد المعاد (2/266).
(13) الفتح (9/542).
(14) الإحسان (9/317-318).
(15) الفتح (9/542).
(16) جامع الترمذي (2/238)، المحلى (7/98).
(17) شرح معاني الآثار (4/176).
(18) جامع الترمذي (2/238)، التمهيد (13/85).
(19) شرح مشكل الآثار (3/56-465)، شرح المعاني (4/176).
(20) التمهيد (13/89).
(21) التمهيد (13/88).
(22) السنن الكبرى (5/236).
(23) أضواء البيان (5/520).
(24) شرح المعاني (4/175).
(25) (4/206).
(26) (4/206).
(27) المحلى (7/96).

7 + 9 =