هكذا هي اللعبة الغربية في ليبيا
24 ذو الحجه 1437
أمير سعيد

استيلاء اللواء المنشق خليفة حفتر قائد ميليشيا "الجيش الوطني" الليبية على موانئ النفط الليبية في منطقة الهلال النفطي، ثم تسليمها الشكلي لمؤسسة النفط الوطنية، لفت النظر – رغم كل ما يعتري الشام من جراح -  إلى التطور الحاصل في هذا البلد الغارق في الفوضى منذ أن منعت القوى الغربية وبعض الدول العربية استقراره ووحدته.

 

التحرك العسكري كان مؤثراً جداً في الإخلال بطبيعة التوازنات بين الشرق والغرب الليبي الذي جعلت الأوضاع في هذا البلد متجمدة لشهور، لكن الأكثر ملاحظة، هو كامل اللعبة التي يلعبها الغرب في ليبيا، وتشارك فيها روسيا أيضاً بدافعية تاريخ العلاقات مع القذافي، ولاكتساب ورقة مهمة في المنطقة.

 

لنختزل المسافات، فللعبة أكثر من وجه مهم:

-    سياسياً:
1-    جرت عملية إزاحة الشخصيات والجهات التي لا يرضى عنها الغرب عن حكم ليبيا عبر عزل وتغييب فريق منهم، وإدماج "المعتدلين" منهم ضمن أطر سياسية انتقالية، تتدرج من تمثيل كبير لهم إلى تخفيض مستمر، ويتعين أن تكون كل هذه الأطر منقوصة الشرعية، ولا يعترف بها العالم بشكل كامل، حتى تكون دائماً بحاجة إلى ضم أعضاء منشقين ومعارضين لها سعياً وراء سراب الشرعية على نحو ما جرى في بعض البلدان الأخرى، كمثال يختلف نسبياً، عراق في بداية الاحتلال الأمريكي له (حتى اعتراف العالم كله بحكومة الوفاق لم يشفع لها حتى الآن إذ ظلت رهينة تمرد برلمان طبرق الذي رفض منحها الشرعية التي كان يفترض أن يمنحها إياها وفقاً لاتفاق الصخيرات المغربية، ورهين التعامل الدولي الخجول مع المتمرد حفتر).

 

2-    الاعتراف بشرعية برلمان طبرق برغم الطعون الكبيرة في شرعيته لطريقة الانتخاب الانتقائية، والمقر غير الشرعي، ولحكم المحكمة الدستورية العليا القاضي ببطلانه، ولعل إصرار الغرب على الاعتراف بهذا البرلمان، لما له من تمثيل ضعيف لخصوم الغرب، ولضعفه، وسهولة ابتزازه. 

 

3-    تحويل برلمان طبرق المطعون بشرعيته إلى برلمان وحكومة ورئاسة، والاعتراف بما يصدر عنه من تعيين حكومات، وإقالة مفتٍ، وترفيع قادة عسكريين (كمنح حفتر رتبة المشير)، والتحكم بالنفط والنقد.. الخ، مما تقوم به الجهات التنفيذية كما هو معروف.

 

-    عسكرياً:
1 – زودت دول عربية المتمرد حفتر بأسلحة نوعية، مكنته من الاستمرار في المشهد عسكرياً وتحقيق بعض الانتصارات في الشرق الليبي، وقاتلت طائرات فرنسية وغيرها إلى جانبه سعياً لإخضاع بني غازي بعد إخضاع مدن أخرى في الشرق الليبي.
2 – فرض مجلس الأمن حظراً على تصدير السلاح للجهات المتحاربة في ليبيا، في وقت غض فيه الطرف عن تزويد ميليشيات حفتر بالسلاح من كل الجهات، وبطائرات وآليات مقاتلة لا يمكن تهريبها بسهولة. (وهي عادة يلجأ إليها الغرب عادة لمنع الشعوب من التحرر من ربقته، وقد تم تنفيذها كثيراً جداً، وبأمثلة عديدة منها حظر السلاح عن البوسنة فيما سُمح للصرب والكروات بالتزود بالسلاح بصورة غير رسمية، وكذا منع السلاح والعتاد عن الثوار السوريين والسماح للنظام وحلفائه باستيراد السلاح والميليشيات من الخارج.. إلخ)
4-    غض الطرف عن جلب ميليشيا حفتر لمرتزقة من حركة العدل والمساواة السودانية المتمردة في دارفور، والقتال إلى جانب قواته، وكذلك مرتزقة تشاد التي يصدرهم الرئيس التشادي إدريس ديبي القريب من فرنسا.

 

5-    العمل على إيقاف كل مساعي إنشاء جيش وطني ليبي تكون فصائل الثورة هي عماده الأساسي، وإيقاع الفتن بينها.
6-    زراعة داعش في الوسط الليبي وإيلاء مهمة قتال الفصائل الثورية إليها على النحو السوري، والحؤول دون نشوب قتال بينها وبين قوات حفتر، وقد نجحت داعش في تهيئة المناخ لحفتر للتمدد في الشرق الليبي، ومنحته فرصة تعزيز وضعه ريثما تقاتل هي فصائل الثورة. وقد كان اختيار معقلها بدقة ليكون بمثابة حائط صد يمنع تحرك القوات الثورية للشرق، والمساهمة بشكل غير مباشر في خلخلة ميزان القوة في بني غازي لصالح القوات المتمردة.

 

-    إعلامياً:
كبقية الدول التي شهدت تحولات سياسية دراماتيكية في المنطقة العربية، تدفق المال الإعلامي بصورة لافتة، حتى غدت المعادلة مختلة بين إعلام حفتر وأشياعه، والحكومة الشرعية في طرابلس، وقد منحت دول ثرية في المنطقة مئات الملايين للقوى الرجعية (الثورة المضادة) في ليبيا لإنشاء قنوات فضائية عالية التقنية والتمويل وصحف ومواقع مختلفة، وموّلت "الكتائب الإلكترونية" في مواقع التواصل الاجتماعي لكسب المعركة الإعلامية، وقد عمدت الآلة الإعلامية تلك إلى ما يلي:

 

1-    استثمار حالة التردي الاقتصادي لصالح "الثورة المضادة"، والمقارنة بين عهدي القذافي وما يليه من الناحية الاقتصادية والأمنية (برغم أن أيتام القذافي هم المسؤولون حقيقة عن تلك الحالة بسبب عدم إفشالهم لأي مصالحة بغية قفزهم إلى السلطة مرة أخرى منفردين، على ذات الشاكلة التي جرت في بلدان أخرى شهدت هذا التردي المتعمد أيضاً).

 

2-    وصم الثوار بالإرهاب والتبعية لدول إقليمية وعربية، والربط بينهم وبين القوى السياسية التي تجرمها بعض الدول العربية، ووصفها بالتطرف والإرهاب والأخونة والدعشنة برغم أن مقاومة داعش لم يقم بها سوى القوى الثورية. 

 

3-    تلميع صورة المتمرد خليفة حفتر، وتسويق بطولات وهمية له، والترويج للرتبة الجديدة التي منحها له خادمه عقيلة صالح رئيس ما يسمى ببرلمان طبرق، وهي رتبة المشير، التي تؤهله عسكرياً لأن يكون أرفع "مسؤول عسكري" بما يعزز من موقفه في مباحثات تشكيل "الجيش الوطني" المزمعة أو تشكيل المجلس العسكري لليبيا الذي ينادي به هذا الإعلام.

 

4-    تصوير ما تم من "تسليم وتسلم" من قائد حرس منشآت النفط الجضران (وهو الذي كان أعلن ولاءه لحكومة الوفاق الليبية بطرابلس) للمتمرد حفتر، وذلك وفق توصيف الشيخ الغرياني، وواقع الميدان فعلياً، على أنه انتصار لقائد عسكري "باغت" تلك القوات وانتزع منها 4 موانئ نفطية عصية في ساعات! ثم تصوير تغيير حفتر لقائد حرس المنشآت النفطية، بعد إطاحة الجضران على أنه تسليم الموانئ لمؤسسة النفط الوطنية رغبة في تحقيق الوفاق وبأنه قد تنازل لمصلحة الشعب الليبي على غير الحقيقة؛ فالمعلوم أن الموانئ الأربعة لم تزل خاضعة لحفتر رغم تسليمها ظاهرياً، وهي واقعة بالفعل ضمن حدود سيطرته.

 

5-    تشويه كل الشخصيات العلمية الإسلامية الثورية في ليبيا وعلى رأسها مفتي البلاد الشيخ الصادق الغرياني، واعتماد قرار عقيلة بإقالته على غير ما تقرره الحكومة الشرعية في طرابلس.
6-    منح النسخة الأمريكية من القوى المتدثرة بالسلفية التقليدية (سلفية راند) مساحة إعلامية واسعة لتشويه الفصائل الثورية واتهامها باعتناق فكر الخوارج وما إلى ذلك، على النحو المعروف والمتبع في بلدان كثيرة.

 

-    اقتصادياً:

1-    حالت "إسرائيل" عبر عميلها الجضران دون عودة النفط لمعدلاته الأساسية بما أسهم في زهد الشعب الليبي تدريجياً في الثورة وما أفضت إليه، وقد لوحظ أنه بتسليم الجضران للمنشآت النفطية لحفتر، ووقوعها فعلياً ضمن مناطق هيمنة ميليشيا حفتر ومرتزقته في توقيت ملائم جداً بعد أن تم إصلاح منشآت نفطية وتصديرية، فإن مؤسسة النفط الوطنية ستبدأ في مضاعفة قدراتها التصديرية، وهو ما يعني تلقائياً إهداء إنجاز اقتصادي استراتيجي لحفتر بمعاونة غربية.

 

2-    ساهم تمويل إحدى الدول النفطية العربية في "استمالة" زعماء ثلاث قبائل مهمة على الأقل في الشرق الليبي، من جهة، وفي تمويل عملية جلب مرتزقة من السودان وتشاد للقتال إلى جانب حفتر من جهة أخرى، هذا علاوة لقدرته العالية على استقطاب قادة عسكريين وأفراداً بالإغداق عليهم، ما مكنه من تعزيز موقعه عسكرياً وسياسياً، وفي قلب المعادلة العسكرية لصالحه. 

 

الآن، حان وقت الحصاد بالنسبة للعملية الانقلابية الجزئية التي قادها حفتر على الحكومة الشرعية في طرابلس، من معقله بالشرق الليبي؛ فقد بدأ الإعلام العالمي بالاستدارة من تأييد شرعية حكومة العاصمة وفقاً للمواقف الدولية المؤيدة لاتفاق الصخيرات الذي تم برعاية أممية، إلى التحذير من مغبة عدم إشراك حفتر في الحكم، حفتر، المواطن الأمريكي الذي عمل لفترة طويلة كعميل لجهاز الاستخبارات الأمريكية مذ غادر إلى الولايات المتحدة بعد أسره في تشاد، ليقيم بالقرب من الجهاز؛ فقالت لوموند الفرنسية [18 سبتمبر]: "أن باريس ولندن وروما وواشنطن تعتبر حفتر جزءًا من المشكلة وليس طرفًا في الحل، ولكن مع تقدم قواته في الهلال النفطي وسيطرتها عليه تغيرت نظرة العالم، بعدما بات يتحكم في الرئة الاقتصادية للبلاد (...) فالنتيجة المباشرة لتطورات الهلال النفطي هو أن مجمل خطط الأمم المتحدة الهادفة إلى إزاحته باتت دون أهمية".. هكذا يتم الانتقال غربياً من عدم الاعتراف بحفتر إلى الترويج الإعلامي والقبول السياسي التدريجي به، فالرجل في تقدير لوموند "يمتلك عزيمة غير قابلة للزعزعة، وله شعبية لا نزاع فيها في شرق البلاد بسبب وقوفه ضد الميليشيات المتطرفة وفي مقدمتها (أنصار الشريعة) التي نفذت اغتيالات دموية في بنغازي شملت المعارضين والمثقفين ونشطاء المجتمع المدني".. صنداي تايمز في اليوم ذاته "توقعت" أن خلافات الآخرين ستدعم حكم حفتر لليبيا، ناقلة عن السفير البريطاني الأسبق لدى ليبيا ريتشارد دالتون رفضه لما قالت إنه "مزاعم" بأن حفتر يضر بالعملية السلمية، قائلاً إن "الفوضى الحالية سببها الرئيس الخلافات الداخلية بين الفصائل الليبية والمستمرة حتى الآن، ورفضهم وجود عناصر من النظام السابق في المشهد بغض النظر عن كفاءتهم"!.. سي ان ان العربية لم تتأخر طويلاً؛ فقد "ابتكرت" استطلاعاً للرأي [23 سبتمبر] "اكتشفت" فيه أن 70% من الليبيين يؤيدون انقلاب حفتر واستيلائه على موانئ النفط، لاعتبار أن هذه "الخطوة" "مفيدة لليبيين" على حد مزاعم استطلاع الصادر من مقر الموقع بالإمارات.

 

أصيبت الحكومة في طرابلس بخيبة أمل إزاء الموقف الفرنسي والغربي برمته الرافض لإدانة انقلاب حفتر الجزئي في الهلال النفطي، كما افتعلت لحفتر قصة عنترية عن رفضه للقاء المبعوث الأممي كوبلر؛ مبرراً لصحيفة الأهرام [19 سبتمبر]: "نحن وقتنا ثمين، ولا يمكننا أن نضيعه في نقاش أجوف مع السيد كوبلر في مواضيع لا علاقة له بها (...) نحن لا نحارب الإرهاب بناء علي توجيهات منه أو من غيره".

 

حفتر لم يحارب الإرهاب أبداً، وتقاعس عن مقاتلة داعش وترك مهمة ذلك لمن يصفهم هو بالإرهابيين (قوات الحكومة الشرعية)، لكن يبدو أنه لم يبق وقت طويل حتى "يأسر قائد الأسطول الأمريكي"!

 

يبدو التمهيد بهذا لتولي حفتر حكم ليبيا، نافذاً من ثغرة تشكيل مجلس عسكري موحد يترؤسه هو ليكون قائداً لـ"الجيش الليبي" الذي عرقل الغرب مسعى تشكيله من فصائل الثورة ليناله حفتر كغنيمة باردة دون نضال يذكر.

 

بالأخير، يقال إن حفتر الذي تقارب مؤخراً مع روسيا أضحى خياراً روسياً بعد أن كان عميلاً استخبارياً أمريكياً فقط، ويبدو على الدوام أنه خيار فرنسي أماط عن هذا اللثام سقوط طائرة يقودها طيارون فرنسيون يقاتلون إلى جانب حفتر، وتكشف شواهد عديدة منها ما ذُكر قبل سطور، وكذا يظهر التأييد البريطاني والإيطالي الخجولان، ومعلوم أن الإمارات ومصر والأردن يؤيدونه، ولقد أقام فريقه علاقات وثيقة بكل جيران ليبيا باستثناء السودان.. وقد يكون خيار بعض هؤلاء أو كلهم.. لكنه بالتأكيد ليس خيار الليبيين الأحرار، الذين يأبون أن يسلموا بلادهم لمواطن أمريكي كمندوب سامٍ جديد.. هذا ما يرفضه الأحرار وإن تعثروا في إكمال ثورتهم، وهذا ما يتطلع إليه أمثال مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني الذي وجه نداء حاراً إلى "الثوار وشيوخ القبائل الشرفاء في الشرق والغرب والجنوبِ والقوى الوطنية ضباط الجيش والشرطة والتجار وكل القوى العاملة، الذين انحازوا إلى الثورة" في مقال نشر له على صفحة دار الإفتاء بعنوان «الحلّ رَصُّ الصفُوف!»  إلى التوحد ومقاومة تركيع الليبيين من قبل من دعاهم بمخابرات الصهاينة.

 

 

خسر الأحرار في ليبيا كثيراً بتفرقهم، وفقدوا البوصلة مرات عدة، وتقدم العملاء وسارقو الثورات كثيراً لكن الأمل لم ينقطع في ليبيا حرة مستقلة بهويتها الأصيلة.

2 + 1 =
د. عمر بن عبد الله المقبل
د. عمر بن عبد الله المقبل