توابيت العالم الافتراضي!!
4 صفر 1438
حفصة اسكندراني

في مواقع الانترنت المختلفة وفي وسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص.. من يعبأ بوجودك من عدمه؟، ومن يترقب تتابع منشوراتك ليستدل بها على تتابع أنفاسك وأنك بخير؟، من سيلحظ غيابك فور اختفاءك, ليس لأنه اكتشف ذلك صدفة أو من باب الفضول؛ وإنما لأنه حقا يتحسس نبض قلبك في هذا الحياة؟!!.

 

نعم قد يلحظ اختفاءك عن عالم (النت) عدد لا بأس به من المتابعين، ممن يسمون مجازا بالأصدقاء، لكن ترى كم عدد الذين سيقلقون عليك قلقا حقيقيا يشغلهم ويؤرق صفوهم؟؟ وإن فعلوا.. كم منهم الذين سيتخذون الخطوة التالية فيسألون عنك حتى يصلون إليك؟، عشرة؟؟,

 

خمسة؟؟, أكثر؟, أقل؟, وربما لا أحد؟!! نعم البعض منا ربما لن يفتقده أحد, فإن حظيت بأحد يفتقدك بصدق ويقلق عليك رغم أن منشأ علاقتك به كان عبر هذه المواقع = فأنت محظوظ به!، وهذا لا ينفي أبدا أن واقعنا في هذا العالم الافتراضي مؤسف جدا؛ وكأننا نرقد فيه مسبقا في توابيت جاهزة؛ نصدر حركة لنقول: أننا أحياء.. أننا نكتب.. أننا نتنفس!، فسكوننا ببساطة يعني = الموت!، لكن وضعية التموقع داخل هذه التوابيت لا تحتاج إلى إعلان موت أو إعلان اختفاء!.. إنها جاهزة لتحكي ذلك دون إحداث ضجة، فقط بعض السكون سيفي بالغرض, والواقع يشهد بذلك, فظروف الحياة المتقلبة قد تبتلع أحدنا بمرض طويل أو مصاب جلل، فتشغله عن دخول تلك المواقع والتطبيقات للأبد، فيموت فيها بينما هو لا يزال حيا يرزق في مكان ما من أرض الله الواسعة!!

 

وفي عالم الانترنت وفي وسائل التواصل الاجتماعي خاصة = لن تصل إلى علاقة انسانية مثالية - منشأها هذا العالم الافتراضي - وتنجح في ارضاء كرامتك!!؛ فأنت حين تتألم لن يشعر بألمك أحد، ولن ير اصفرار وجهك أحد، ولن يلحظ حزنك أحد، حتى انهمار دمعك - وإن سال أنهارا - لن يبصره أحد!!, فلابد أن تصرخ وتعلن: (أنا أتألم!.. أنا حزين!.. أنا ضائع!.. أنا محبط!.. أنا وحيد!) لتحظى بالتفاعل والمواساة المشوبة بالإحسان، والشفقة المقيتة التي لن ترو غرورك ولن ترض كرامتك.

 

قد يسعنا أن نتكيف بعض الشيء مع هذا النوع من العلاقات فنعلن أننا نتألم.. أننا نبكي.. أننا بحاجة للمواساة!؛ لكننا عند الألم الحقيقي والخوف الحقيقي والضياع الحقيقي سنتوقف عن كتابة مثل هذه التفاهات، رغم أن الوجع وقتها سيكون أكبر، والحاجة لمن يواسي أكثر وأعمق, فهذه هي طبيعة (توابيت العالم الافتراضي) التي وضعنا أنفسنا فيها عن غفلة منا أو عن قصد وتغافل.

 

وأكاد أجزم أنه سيأتي اليوم الذي سيسجل البعض منا انسحابا من هذه المهزلة الهلامية الكبرى ليعود للواقع، وحين يحدث ذلك أرجو أن يكون سكان الواقع مازالوا على طبيعتهم الاجتماعية ولم يتحولوا الى آلات بعد، فنحن بحاجة لمن يحتوينا دون أن نصرخ، ويجفف دمعنا دون أن ننخرط في البكاء فعليا، ويمرر يد العطف على أكتافنا دون استعطاف واستجداء منا، ويمسح مواضع الألم فينا دون أن نرجوه ليفعل.

3 + 17 =