الدعاة ،، وبناء المجد الشخصي !
18 صفر 1438
د. خالد رُوشه

حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ الدين مطية لشىء يبتغى به غير وجه الله سبحانه من مال أو شهرة أو جاه أو مكانة , كما حذر وأنذر الذين لايرتدعون عن ذلك بسوء العاقبة والخسران .

 

 

 

 

إن هذا الدين عمل لايراد به أجر سوى مرضات الله سبحانه , ولا تقبل به وسيلة سوى وسيلة ابتدأها الإخلاص وصاحب خطواتها جميعا , ومن ابتغى الأجر الدنيوي منه خسر مهما جمع , ومن ابتغى الشهرة منه خاب مهما اشتهر , ومن فسدت نيته في عمله له سعرت به النار في أول من تسعر .

 

 

 

إن السعي للشرف الذاتي والمكانة الشخصية أمر مباح مادام في شئون الدنيا وسباقاتها , فهذا يبيع وهذا يتجر وذاك يجتهد وذاك يبتكر , أما في شأن الدين فالأمر كله قلبي طاهر لا متاع فيه ولا دنيا , ولا سباق فيه إلا بشروط الصلاح والتقى وإنكار الذات والتواضع وحب الخير أن ينتشر على لسان كل الناس وأي الناس .

 

 

 

 
أذكر بذلك بعدما وجدت اهتماما كبيرا من بعض الدعاة بأسمائهم وكيف تكتب , وبإعلاناتهم وكيف ترسم , وبأجورهم عما يعلمون به الناس وينشرون به سنة النبي صلى الله عليه وسلم , فامتعضت نفسي وتألمت من قدوم تلك الأيام التي تصير فيها الشهرة في الدين وسيلة تكسب وصارت مراكز الدنيا تؤخذ بالعلم والدعوة .

 

 

 

 
إن من أقبح المناظر التي يراها المرء هو منظر داعية إلى الله يرفع رأسه مشرئبا رجاء أن يري نفسه للناس أو أن يظهر في المقامات التي لاهدف منها سوى بناء الأمجاد الشخصية أو الصراع على الدراهم الزائلة , إنه بقدر رفعته في تلك المقامات بقدر سقوطه وانحرافه عن سواء الصراط وهبوطه في أعين الصالحين من الخلق .

 

 

 
قال الله سبحانه :  " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا فى الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " ، وأخرج الترمذي عن ابن عمر وغيره قوله صلى الله عليه وسلم : " ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه " وفى لفظ لجابر رضى الله عنه :  ما ذئبان ضاريان يأتيان فى غنم غاب رعاؤها بأ فسد لها من حب الشرف والمال لدين المؤمن"

 

 

 
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لايتعلمه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنه يوم القيامة"
وكان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عنده من أعدى أعدائه

 

 

 
وقال ابن رجب : أطول الناس همّاً الحسود ، وأهنؤهم عيشا القَنوع ، وأصبرهم على الأذى الحريص ، وأخفضهم عيشا أرفضهم للدنيا ، وأعظمهم ندامة العالم المفرط

 

 

 

وقد وصف أبوبكر الآجري رحمه الله عالِمَ السوء بأوصاف طويلة ، منها أنّه قال : (قد فتنه حب الدنيا والثناء والشرف والمنزلة عند أهل الدنيا ، يتجمّل بالعلم كما تتجمل بالحُلّة الحسناءُ للدنيا ، ولا يجمّل علمه بالعمل به ... فهذه الأخلاق وما يشبهها تغلب على قلب المرء مَن لم ينتفع بالعلم ، فبينا هو مقارب لهذه الأخلاق إذ رغبتْ نفسه في حب الشرف والمنزلة ، فأحب مجالسة الملوك وأبناء الدنيا ، وأحب أن يشاركهم فيما هم فيه من رخاء عيشهم من منظر  بهيّ ، ومركب هنيّ ، وخادم سريّ ، ولباس ليّن ، وفراش ناعم ، وطعام شهيّ ، وأحب أن يُغشي بابُه ، وأن يُسمع قوله ، ويُطاع أمره )

 

 

 
قال الحسن : لا يكون حظّ أحدكم من علمه أن يقول له الناس عالم , وقال الثوري : إنمّا فُضِّل العلم لأنّه يتّقى به الله ، وإلا كان كسائر الأشياء

 

 

قال ابن رجب : اعلم أن النفس تحب الرفعة والعلو على أبناء جنسها ، ومن هنا نشأ الكبر والحسد ، ولكن العاقل ينافس في العلو الدائم الباقي الذي فيه رضوان الله وقربه وجواره ويرغب عن العلو الفاني الزائل الذي يعقبه غضب الله وسخطه وانحطاط العبد وسفوله وبعده عن الله وطرده عنه

1 + 2 =

إن أسباب هلاك القرى كثيرة يحسن بنا أن نتذاكرها لنحذرها إن أردنا السلامة، وقد أجمل الله تعالى ذكرها في قوله: (وتلك القرى أهلكناهم لمّا ظلموا) فالظلم وصف جامع ينتظم أسباب الهلاك ولهذا نص عليه كثيراً،  كما في قوله تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِـمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَ